من حلم فتاة صغيرة كانت تشاهد الأفلام بالأبيض والأسود مع جديّها منبهرة بهذه العوالم الخيالية، ومتمنية أن تصير جزءاً من صناعتها وتقديمها، إلى واقع تعيشه اليوم المخرجة والمنتجة والكاتبة السعودية جواهر العامري، التي تؤمن أن الإنسان عندما يتخيل شيئاً ويطلبه فإنه سيتحقق عاجلاً أو آجلاً. تقول “بدأت منذ أيام المدرسة بالتواصل مع أشخاص يعملون في اليوتيوب ويصنعون برامج، ونجحت في أن أكون جزءاً من فريق برنامج كان يُعرض على قنوات “إم بي سي” وقنوات أخرى، وظللت أعمل فيه طوال أربع سنوات حتى دخول الجامعة. بعدها سمعت أن جامعة عفت افتتحت تخصصاً لفنون السينما فسجلت فيه وبدأت دراستي للمجال، كما بدأت أعمل مبكراً داخل الجامعة من خلال التدريبات العملية المتاحة، وهي التي فتحت لي الفرص لاحقاً سواء في الأفلام أو في مجال الإعلانات”. هكذا كانت البداية، فاكتشفي تفاصيل الرحلة في هذا اللقاء.
تخرجت من كلية الفنون السينمائية بجامعة عفت الأهلية. كيف صقلت سنوات الدراسة رؤيتك الفنية؟
أفادتني الدراسة كثيراً؛ لأنني درست تحت إشراف دكاترة وأساتذة علمونا مختلف أنواع الفنون، وزرعوا فينا فكرة أن يتعرف الإنسان على ما يحب، وألا يوجد شيء اسمه فن خاطئ. أهم ما تعلمته هو: الحرية، وتقبل جميع أنواع الفنون والأفكار، والانفتاح على مختلف المدارس. أما الحرفة التقنية ونقاط القوة الشخصية، فلم تُصقل بالدراسة النظرية وحدها، بل بالعمل الفعلي في الواقع ومواقع التصوير؛ لأن الحياة الواقعية تختلف تماماً، سواء من الناحية التقنية أو من حيث قوة الشخصية وطريقة التعلم. الدراسة تمنحنا الثقافة، والمعلومات الأوسع، وطريقة التفكير السليمة، وكيفية التخطيط لمشاريعنا بطريقة صحيحة تجعلنا منفتحين على مدارس مختلفة دون تعصب لمدرسة واحدة تعلمناها.
الجامعة ودراسة الفنون عموماً مهمتان لتجعلانا أشخاصاً منفتحين على جميع الفنون والمدارس، لكن الحرفة تُصقل فعلياً في الميدان وداخل موقع التصوير. قد أكون بارعة جداً من ناحية، لكن شخصيتي في الميدان تحتاج وقتاً لتتحسن، وهي حتماً تصبح أقوى مع مرور الزمن ومع كثرة التجارب في هذا المجال.
ما هي الأفلام التي تأثرت بها والمخرجين الذين أثروا خطك الفني؟
أحب الأفلام الرومانسية الكوميدية، والأفلام الكوميدية التي تحمل طابع المغامرة، وأحب أيضاً أفلام الواقعية السحرية، بالإضافة إلى الأفلام الواقعية وأفلام الدراما بشكل عام. ودائماً ما تميل نفسي للأفلام التي تقدم لي تحدياً وفكرة مختلفة. ومن الأشياء التي لا زلت أطمح لتقديمها مستقبلاً – إلى جانب مشاريع كثيرة لم أعملها بعد – أن أصنع فيلماً كوميدياً أكشن.
أما المخرجون الذين أثروا على خطي الفني فمنهم كثيرون، منهم المخرج سبايك جونز، والمخرج التركي نوري بيل سيلان، إضافة إلى المخرجين العرب المصريين تحديداً: يوسف شاهين، ويسري نصر الله، ومحمد خان.
كيف تتمكنين من الإمساك بدورك كمخرجة ومديرة موقع، وكيف تصفين نفسك في موقع التصوير؟
بحكم أنني عملت سابقاً كمنتجة ومخرجة في آنٍ واحد، فأنا كمخرجة لا أستطيع فصل فكرة الإنتاج عن موقع التصوير، حتى لو لم أكن المنتجة الرسمية للعمل المعني؛ لأنني بحاجة لفهم مواقف المشروع وظروفه، وما هي طبيعة المشاكل التي نواجهها. أحياناً أتفاهم وأتفهم وضع المنتج بنسبة مئوية كاملة ولكن بطريقة واقعية للغاية، بحيث لا أطلب متطلبات أعرف استحالتها وأصر عليها فأقوم بتخريب المشهد. على العكس تماماً، مفروض ألا أخرب المشهد وأن أحافظ عليه، فهذا من صفات المخرج الحقيقي الذي يعرف كيف يحل المشاكل؛ فأنا آتي إلى موقع التصوير لأحل المشاكل لا لأحقق أحلامي الشخصية فقط، وهذا هو الواقع المرير الذي يجب على أي مخرج تقبله، خصوصاً عندما نصنع أعمالاً مستقلة أو ذات ميزانيات محدودة.
قوتي كمخرجة تكمن في قدرتي على حل هذه المشكلات، وفي نفس الوقت عدم المساومة على الجودة. قد أضطر لحذف لقطة معينة، لكنني أعوضها بإدخال جملة معينة، أو تصوير المشهد بأسلوب لقطة واحدة طويلة مميزة. هناك أفكار كثيرة للتصرف وحل المشكلات، سواء كانت مشكلة وقت، أو غياب ممثل اضطررت لتعويضه بأي شخص متاح في الموقع، أو عيوب في الديكور حاولت إدارتها بحيث لا تستهلك وقتي وتظهر بأفضل شكل ممكن. المخرج يفكر بكل هذه الطرق ويتصرف في الموقع لحل مشكلاته.. مع الخبرة وتراكم المشاريع، نتعلم متى نتنازل ومتى نرفض التنازل نهائياً.
هل تملكين الرؤية لما تريدين للعمل السينمائي أن يكون عليه من قبل بدء التصوير، أم أنّ البدء بالعمل مع الممثلين يغيّر أو يعدل النتيجة النهائية؟
بالتأكيد، يجب أن تتوفر لدي الرؤية بوضوح قبل أن أبدأ؛ فأنا في النهاية أبني هذا السيناريو، وحتى لو لم أكن أنا الكاتبة، فعندما أعمل مع المؤلف أكون متخيلة وعارفة كيف يجب أن يكون الفيلم من جميع النواحي الإخراجية للممثلين، اختيار الممثلين أنفسهم، السينماتوغرافي، تصميم الإنتاج، المونتاج، السرد القصصي، وحتى تصميم الصوت. كل هذه التفاصيل أمتلك فكرة عامة عنها، وكلما تقدم المشروع وتطور، تحولت هذه الفكرة العامة إلى تفاصيل دقيقة مدعومة بمراجع بصرية واضحة مأخوذة من أفلام سابقة أعرفها تماماً. لذلك، رؤيتي تتضح أكثر عندما أحدد مراجعي من الأفلام السابقة.
وهذه الرؤية لا تتغير بسبب الممثلين، لكن قد تطرأ بعض التغييرات على الحوارات أثناء البروفات، أو قد يقترح الممثل استخدام دعامة معينة تساعده في إبراز شخصيته أكثر. وأنا أحب جداً الاستماع للممثلين خصوصاً أنني أختارهم بعناية وأحب أعمالهم وأثق تماماً بإضافاتهم للفيلم أو المشروع. إذن، لا مانع أبداً من الاستماع للآراء، لكن توجد في النهاية رؤية عامة وثابتة يعمل الجميع على تطويرها بناءً عليها.
عرضت أفلامك في العديد من المهرجانات المحلية والعالمية، ما هي برأيك أهمية المهرجانات في تكريم المخرج وتسليط الضوء على فكره على نطاق أوسع؟ كما أنها تسمح بتلاقي المواهب وفتح حوارات بين مختلف الجنسيات؟
بالنسبة لي، المهرجانات هي من أهم الفعاليات لأي مخرج، سواء في بداية مسيرته أو طوال تطوره ونضجه في مجاله. بغض النظر عن المعايير أو الأجندات، تظل المهرجانات مهمة جداً لعدة أسباب: أولاً، من حيث تسليط الضوء والانتشار الذي يناله المخرج بعد إنجاز فيلمه؛ فهذا يسعفه ويبنيه للمشاريع القادمة ليجد الدعم بسهولة أكبر، ويستقطب أشخاصاً للعمل معه من مختلف الأماكن، وتتوسع فرصه في دخول مهرجانات أكبر. العلاقات التي نكتسبها من المهرجانات تكبر فرصنا المستقبلية في المشاركة أو في تأمين التمويلات.
ثانياً، تمنحنا المهرجانات خبرة واسعة بما يدور في العالم من فرص قد توفر لنا تمويلات أو إنتاجات مشتركة. كل مهرجان أزوره يفتح لي أبواباً جديدة ونصائح وحيلاً حول كيفية الوصول للأهداف والتواصل مع الأشخاص المناسبين. هناك أمور لا تُقال في ورش العمل ولا توجد على الإنترنت؛ فعندما أجلس مع لجنة تحكيم في مهرجان معين – حتى لو لم يكن لدي فيلم مشارك لكنني التقيت بهؤلاء الشخصيات التي تعمل في لجان التحكيم – يمكنني سؤالهم واستخلاص خبرات ونصائح قيمة منهم. ومقابلة مبرمجي المهرجانات تجعلني أتعرف على المعايير التي يبنون عليها اختيارهم للأفلام.
ما هو أكثر إنجاز تفتخرين بتحقيقه خلال مسيرتك الإبداعية؟
قد لا يكون هناك مشروع معين بحد ذاته أستطيع القول إنني أفتخر به أكثر من غيره، بقدر ما أفتخر بالمدة التي قطعتها والفرص التي أتيحت لي للعمل فيها. كل مشروع لم يشعرني بالفخر أكثر من الآخر، بل كل مشروع جعلني أكتسب معلومات أوسع، ووسع تفكيري للمشاريع القادمة. وفي كل مشروع أخطأت فيه بلا شك تعلمت من خطأي، فأصبحت أتجنبه مستقبلاً.
الإنجاز الحقيقي بالنسبة لي هو أن هذا المجال جعلني إنسانة منفتحة على العالم والكوكب كله، أتقبل جميع الأفكار والتوجهات وأتفهم البشر بشكل عام. أعتقد أن مسيرتي الإبداعية صقلت شخصيتي وجعلتني متفتحة واسعة الآفاق، وهذا هو أكثر ما أفتخر به؛ لأن هذه الصفات صعبة الاكتساب بالنسبة لمن هم خارج المجال الإبداعي. هذا المجال يمنحنا مهارات لا توجد بسهولة في العالم العادي خارجه. أتمنى مستقبلاً أن أستطيع إنجاز مشاريع أكبر، تصل إلى أماكن أبعد، وتؤثر في الناس. هذا ما يهميني أكثر من مجرد الوصول بحد ذاته: أن تؤثر المشاريع في الناس، وتضحكهم، ويستمتعون بها، وتوسع مداركهم، وتبقى خالدة معهم بحيث يشاهدون فيلمي أو مسلسلي مراراً وتكراراً. هذا ما أطمح إليه وهو ما سأشعر بالفخر الحقيقي عنده.
لماذا لا تحقق معظم أفلام المهرجانات النجاح التجاري حين تعرض أمام الجمهور العريض؟
صحيح أن أغلبها لا يحقق ذلك، والأسباب تعود إلى أن المخرج والمنتج لم يفكروا منذ البداية في كيفية نجاح الفيلم تجارياً في دور السينما أو عبر المنصات. أحياناً، أفلام المهرجانات تنجح على المنصات لأنها تصل لشرائح أكبر من الجمهور، لكنها لا تنجح في السينما لأننا لم نفكر كيف سنجذب الناس إليها لشباك التذاكر. وهذا بالضبط من الأشياء التي لا أحب فعلها؛ فأنا أميل لصناعة أفلام تصلح للمهرجانات وفي نفس الوقت تحقق نجاحاً جماهيرياً في السينما، لأن السينما صناعة ويجب أن تستمر، وليس هدفنا صنع أفلام لا يشاهدها إلا نخب معينون.
كيف غيّرت المنصات مسار صناعة الدراما والسينما بشكل خاص؟
المنصات لم تغير فقط طريقة عرض الدراما والسينما، بل غيرت طريقة تفكيرنا نحن كصناع أثناء ابتكارنا للأفلام والمشاريع التي نصنعها أو نتلقاها. في السابق، كانت المسارات محدودة وواضحة جداً، إما تلفزيون أو سينما (بحيث يُعرض الفيلم لاحقاً في التلفزيون بعد فترة طويلة). أما وجود المنصات وسهولتها وفرصها فقد جعلها تستقطب مشاريع تعرض عليها مباشرة، أو تعرض في السينما لفترة قصيرة ثم تنتقل إلى المنصة. هذا فتح مساحة أكبر بكثير في شكل العمل، مدته، نوع القصة، وحتى شريحة الجمهور التي أصبحت أوسع ومتعددة (مثل الأشخاص الذين لا يعتادون ارتياد السينما، أو من لا يستطيعون حضور المهرجانات).
المنصات وسّعت الجمهور القادر على الوصول لهذه الأعمال، وهي مهمة جداً خصوصاً لنا نحن كصناع في السعودية؛ فهناك قصص سعودية كثيرة لم تُحك بعد، والمنصات أتاحت لنا سرد هذه القصص بتفاصيل أدق وأكثر محلية، وفي نفس الوقت يمكن لأي شخص خارج حدود السعودية أن يشاهد هذه القصة المختلفة ويتفاعل معها ويفهمها. وحتى لو عُرض فيلم مهرجانات في السينما السعودية فقط ثم انتقل للمنصة، فهذا سيفتح له باباً عظيماً ليشاهده الناس من شتى أنحاء العالم. لذلك، المنصات ليست سلبية أبداً بل هي مهمة جداً.
لكنها أفرزت تحدياً جديداً يتمثل في كثرة المحتوى والمشاريع؛ فحين يفتح المشاهد المنصة يجد خيارات هائلة، والسؤال هو: كيف يصنع الواحد منا مشروعاً مميزاً يلفت النظر؟ هذا يتطلب منا فهم القصص التي تجذب الجمهور في تلك اللحظة بالذات؛ لأن توجهات الجمهور في الدراما والسينما بالسعودية متغيرة جداً وكل فترة تتخذ اتجاهاً مختلفاً، ويجب أن نفهم الاحتياج ووعي الجمهور أين وصل لنعمل بناءً على ذلك. المنصات لا تلغي السينما ولا تعتبر بديلاً عنها، فتجربة مشاهدة الفيلم داخل صالة السينما تظل مختلفة تماماً ولها قيمتها وطعمها وجمهورها الذي يقدرها، لكن المنصات منحت الفيلم فرصة للاستمرار وإطالة عمره الزمني، وفتحت للمخرج ولصناع العمل فرصة الوصول لجمهور ما كان ليتحقق لو اكتفى الفيلم بعرض محلي محدود في السينما وانتهت فرصته.
حدثينا عن أفكار أفلامك القصيرة، إلى أي مدى تعكس المجتمع السعودي وقضاياه، وكيف تختارين الفكرة وطريقة طرحها؟
كل فكرة تنشأ عندي نتيجة موقف، أو حدث، أو رغبة، أو حالة أكون أعايشها أو موجودة فيها. وبالتأكيد عندما نتحدث عن هذه الأفلام القصيرة فهي أفكار محلية بحتة، لكنها تحمل في طياتها ثيمات أو جوانب عالمية يتأثر بها كثيرون حول العالم، وهذا هو سبب مشاركة هذه الأفلام في مهرجانات ونجاحها عالمياً؛ لأنها تحمل خصوصية شديدة عن المجتمع وفي نفس الوقت تقدم ثيمات إنسانية يستطيع أي إنسان على وجه الأرض التفاعل معها.
هذا ما كان يهمني في أفلامي القصيرة، وكل فيلم يختلف عن الآخر في طريقة طرحه ليعكس خبرتي ونضجي في تلك الفترة الزمنية نفسها. ولهذا السبب نرى كل فيلم مختلفاً ومتبلوراً بطريقة تخصه، وأتمنى أن يعكس ذلك مسار النضج الذي أحاول الوصول إليه مع كل مشروع جديد.
كونك امرأة وشابة، أين تقع قضايا ومشاكل النساء من الأفكار التي طرحتها في أفلامك؟
هذه القضايا حاضرة دائماً لأنني امرأة في النهاية، فمن الطبيعي أن أصنع أفلاماً عن الفتيات أو أن تكون شخصياتي الرئيسية منهن، لكن هذا لا يعني أنني أقتصر على ذلك حصراً. في أفلامي القصيرة، صحيح أن البداية مع “سبات سلطان” كانت قصة تخص رجلاً، لكن تلاها فيلمين كاملين كانت قصصهم وقضاياهم تخص النساء (رغم أنها قضايا قد تواجه الرجال أيضاً). الأمر لا يتعلق بأنني “أطرح قضايا نسائية” بمعناها المباشر، بقدر ما أنني امرأة، فمن الطبيعي أن أعبّر عن بنات جنسي وتكون بطلات قصصي نساء. وحتى في الفيلم الطويل، هناك شخصية نسائية أساسية بلا شك، وأجد ذلك طبيعياً جداً كونه يعكس العالم الذي عشته وعرفته غالباً محاطاً بالنساء. لكن هذا لا يحجمني أبداً في قالب ضيق يجعل أفلامي مقتصرة على القضايا النسائية فقط. اختيار للبطلات النساء يعود لكوني أرى هذا العالم طبيعياً وقريباً من معرفتي وعالمي الذي عشته.
هل ترين أن الدراما السعودية تعطي النساء الموهوبات حقهن، سواء فنانات أو مخرجات أو كاتبات؟
يصعب عليّ القول “نعم” بشكل كامل. اليوم توجد مساحة واضحة وممتازة للنساء في الصناعة؛ فنرى كاتبات، ومنتجات، وممثلات يحصلن على فرص مهمة وأثبتن أنفسهن بجدارة، وهذا شيء جميل جداً. لكنني أعتقد أن الإخراج تحديداً ما زال يواجه صعوبة. فدائماً ما نجد مخرجة تمتلك الخبرة، الرؤية، والأعمال السابقة، ولكن عندما يُطرح مشروع إعلان ضخم، أو مسلسل كبير، أو عمل هام، يتجه الاختيار تلقائياً وبشكل تلقائي نحو الرجل. أتمنى ألا نضع النساء في قالب واحد حصري يقتصر على أفلام المهرجانات أو الأفلام القصيرة، بينما تُسند الأعمال الضخمة كالإعلانات والمسلسلات والأفلام التجارية الكبرى للرجال تلقائياً. أتمنى أن تكون الفرص متساوية للجميع بصدق؛ فالمواهب موجودة، النساء موجودات، الرغبات والشغف والقوة متوفرة لدى مخرجات سعوديات كثيرات، والجميع يستحق هذه الفرصة.
كيف تسعين من خلال ممارساتك الفنية والمهنية، إلى الحفاظ على الثقافة السعودية وتقديمها بصورة تحاكي جيل اليوم؟
الفكرة هنا هي أن جيل اليوم يجب أن يظل متأصلاً في الثقافة السعودية مهما تغيرت الظروف وتفتحنا على العالم بطريقة أو بأخرى؛ فهذا الانفتاح لا يعني أبداً أن نتجرد من هويتنا وثقافتنا. الثقافة السعودية مستمرة وراسخة طالما أننا نتطور، والتطور لا يلغي الثقافة بل على العكس، تزداد قيمتها ونتمسك بها أكثر مع كل مرحلة. السعودية تزخر بثقافات متعددة وخلفيات مختلفة؛ فكل مدينة ومحافظة تختلف عن الأخرى في اللهجات، أساليب اللباس، طريقة التفكير، وكل التفاصيل. من الجميل أن ننوع ضمن إطار ثقافتنا وعالمنا السعودي وبيوتنا بتفاصيلها البسيطة وعلاقاتنا الإنسانية المتباينة عن أي دولة أخرى، وهذا ما يجب ذكره. خذي مثلاً قصة حب؛ ما الذي سيفرقها عن قصة حب في أي مدينة أخرى بالعالم؟ إنها تلك التفاصيل الصغيرة والدقيقة التي تعبر عن كيفية نشوء قصص الحب والعلاقات داخل السعودية. هذا مثال بسيط ينطبق على أي فكرة أو قصة، فالقصص متشابهة، لكن ما يميزها هو معالجتها عبر الثقافة السعودية، وكيف يعبر الناس هنا عن مشاعرهم وحبهم وعلاقاتهم المختلفة. نحن نتحدث عن ثقافتنا بواقعيتها الحقيقية دون تزييف أو تبرير شكلي؛ فالثقافة شيء والتطور شيء آخر مستقل عنه.
ما هي أجدد مشاريعك السينمائية، وخططك لمستقبلك المهني؟
لدي ثلاثة مشاريع سينمائية مهمة أعمل عليها خلال هذه الفترة، هذه الأفلام تتراوح بين أعمال مصرية-سعودية وأخرى سعودية بحتة، وكلها مستوحاة من واقعنا وثقافتنا السعودية. وتتنوع قوالبها بين الكوميديا، والمغامرة، وقصص الحب والرومانسية، وقصص النضج، والدراما. بالإضافة إلى شركتي الجديدة (حلمي فيلمز)؛ حيث أركز أيضاً على الإنتاج، لأن الإنتاج رافقني طوال السنوات العشر الماضية وشعرت أنني حتى وإن كانت رغبتي في الإخراج أكبر، فلن أترك مجال الإنتاج أبداً لأنه مهم وهو البوابة التي أدخلتني إلى عالم الإخراج أصلاً. أريد أن أستمر كمنتجة لأفلام وإعلانات، وعقد شراكات إنتاجية مشتركة لأفلام سعودية وعربية.
كيف تسعين من خلال ممارساتك الفنية والمهنية، إلى الحفاظ على الفن والثقافة العربية المعاصرة وتقديمهما بصورة تحاكي جيل اليوم؟
أفكر لدى كل عمل جديد كيف أقدّم المضمون بطريقة تسمح للجيل الحالي بالتفاعل معها. يمكن أن يكون السرد أبسط، أو المونتاج إيقاعه أسرع، أو الرؤية الإخراجية معاصرة، ولكن من دون أن أفقد القصة وروحها وجذورها. صحيح أن كثير من الشباب يحبون الإيقاع السريع والإبهار البصري، ولكن ليس الجميع فهم جمهور متنوع، ولديهم فضول وذائقة. أحياناً عمل مختلف وبسيط يصل إليهم لأنه صادق. لذا يكون البدء من القصة: من هو جمهورها؟ في النهاية، الصدق هو مفتاح نجاح أي عمل سواء كان سريعاً ومبهراً أو هادئاً وحميمياً. هذا الجيل يبحث عما يمثله، وهو ما يفرض علينا تقديم دراما وسينما ذات إيقاع سريع، لكن مع الاحتفاظ بوجود المشاعر الحقيقية بداخلها، سواء عبر قصص الحب، الكوميديا، أو أي عنصر يحمل إبهاراً بصرياً متكاملاً.
اقرئي المزيد: ميثة العوضي: هدفي رواية القصص الحقيقية للمجتمع الإماراتي بعيداً عن الاجتزاء






