تدرجت المخرجة الأردنية زين دريعي في صناعة الأفلام القصيرة لتصل إلى إخراج فيلمها الطويل الأول “غرق” الذي عرض العام الفائت وتناول موضوعاً حساساً ومهماً وهو الصحة النفسية، فأبدعت قصة شبه صامتة، مؤثرة وصارخة حصدت الإعجاب والتقدير عربياً وعالمياً. في عام 2019، تم عرض فيلمها القصير الثاني “سلام ” في مسابقة مهرجان البندقية السينمائي الدولي وفازت بجائزة أفضل فيلم عربي قصير في مهرجان الجونة السينمائي. فادخلي إلى عالمها واكتشفي رؤيتها الإخراجية والكتابية في هذا اللقاء.
كيف عرفت أنّ الإخراج والكتابة هما شغفك الحقيقي؟
درست في الأردن في مدرسة تعتمد النظام البريطاني، وأحببت صفوف الدراما كثيراً، وقد كانت مهمة جداً في المنهج التعليمي، كنت أعشق المسرح والتمثيل على خشبته والكتابة وبعدها صرت أقرأ المسرحيات العالمية، وأذكر حين شاهدت فيلم “تايتنيك” أني لم أتأثر بالقصة أو التمثيل بقدر الإخراج وكيفية إدارة مختلف المواقع ولا سيما غرق السفينة باستخدام تقنيات سينمائية قوية ومؤثرة، كما أتذكر أني أردت التعرف على هذا العالم لأن المسرح لم يكن يكفيني، بل أردت الإمساك بالكاميرا وأن أكون في موقع مسؤول. كان بالفعل شغفاً يتكوّن داخلي تجاه صناعة الدراما ورواية القصص، فلكلّ شخص قدرته المختلفة على قصّ الحكاية بطريقة إبداعية غير مباشرة ربما، إنما توصل المعنى بأسلوبه الخاص.
هل تأثرت بمدرسة إخراجية معينة أو بأفلام محددة خلال سنوات بحثك عن بصمتك الإبداعية الخاصة؟
أحب كثيراً المخرج الأميركي جون كاسافيتز الذي قدّم فيلمA Woman Under the Influence في السبعينات، وأعشق فيديريكو فليني من إيطاليا، ولوكا غواداغنينو، ومن العالم العربي يعجبني أسلوب إيليا سليمان ومهدي فليفل من فلسطين، وبشكل عام لست مهووسة بهوليوود بل أحب الأفلام العميقة التي تدفعني إلى التفكير ولا تعطيني الرسالة أو الحلول بشكل مباشر. أعتقد أن مشاهدة الأفلام هي واجب ضروري لكلّ مخرج يرغب بالنجاح في رؤيته الفنية الخاصة، فمتابعة هذا الحراك الفني من مختلف أنحاء العالم يخوله فهم المشهد السينمائي والتعمق بما يجب تقديمه والتميّز فيه.
حقق فيلمك القصير Give Up the Ghost الكثير من النجاح في المهرجانات العالمية، هل توقعت هذا الانتشار وكيف تعاملت مع ردود الأفعال عليه؟
بالفعل لاقى هذا الفيلم أصداء مهمة فتم عرضه في مهرجان البندقية السينمائي، وهو ثاني أهم مهرجان دولي في العالم، وأعجبت فكرته التي تطرقت إلى صعوبة الإنجاب عند زوجين، الجمهور العالمي والعربي، وبات اسمي كمخرجة أردنية شابة يظهر بشكل أكبر، فكتب عنه الكثير من النقاد وأشادوا به، أنا أعتبره معجزة لأني نفذته بميزانية متواضعة فسمح لي بالوصول إلى مصادر التمويل التي خولتني بعد سنوات من إخراج فيلمي الطويل وهو “غرق” الذي عرض خلال العام الفائت.
“غرق” إذاً هو فيلمك الروائي الأول الطويل الذي عرض خلال العام الفائت وحقق نجاحاً كبيراً سواء في المهرجانات الدولية أو بعد عرضه أمام الجمهور، لماذا اخترت التطرق من خلاله إلى مجال الصحة النفسية؟
هدف أي مخرج هو الوصول إلى الفيلم الطويل، وقد خضت رحلة طويلة لأنتقل من الأفلام القصيرة إليه، أخذت تقريباً ست سنوات، تدربت وطورت أسلوبي وخبرتي مع الممثلين ومدير التصوير، ولغة الكاميرا والإضاءة. كتبت “غرق” عن الصحة النفسية وكنت أعرف أنه جريء ومختلف ويكسر الصور النمطية عن مواضيع الأفلام العربية، فدائماً مواضيعنا تتمحور حول المجتمع، السياسة، الأحوال المعيشية.. كان من النادر مشاهدة فيلم عن الصحة النفسية، فالسوق يطلب شيئاً آخر من مخرجة أردنية، ربما عن الحرب، الفقر، جرائم الشرف، الهجرة والنزوح.. جاء الموضوع مختلفاً عن عائلة من الطبقة الوسطى مرتاحة مادياً ومتعلمة ومثقفة، عن أم لديها إنكار كامل لإصابة ابنها بمرض نفسي، فتغرق معه وتدخل في مزيد من الإنكار فيكبر ويتضخم وينفجر لتظهر الحقيقة بجلاء ووضوح، ويصبح هذا الولد خطر على والدته.. هذه القصة يمكن أن تحصل في أيّ مكان بالعالم، فهي تحاكي البشر من مختلف الجنسيات، ولكني طرحتها في عمّان ضمن مجتمعي، إذاً هو فيلم عربي ويتوجه للعرب ولكنّ لغته عالمية، لذا حين عُرض في مهرجان تورنتو، تلقيت الإشادة والمديح لأني قدمت المريض النفسي كإنسان حقيقي بعيداً عن الصورة النمطية السائدة. الفيلم هادئ فيه عدد قليل من الحوارات، يركز على النظرات والعيون، وفي كل ذلك مخاطرة لأن الناس معتادة على ما هو مختلف، أثبت قوته لأنه صادق وحقيقي، وربما سدّ عطش ما لدى المُشاهد فلامس مشكلة يواجهها الملايين وهي الإصابة باضطرابات نفسية معينة، وكيفية تعامل المحيط الضيق معها ولا سيما الأهل وتحديداً الأم.. أردت من خلال الفيلم أن أسمح للجمهور أن يفكر ويشعر مع شخصيتي الفيلم وأعتقد أني نجحت في ذلك.
هل تعتبرين أن الفيلم رفع الوعي بأهمية التعامل الصحيح مع المرضى النفسيين في عالمنا العربي؟
بكل تأكيد أؤمن بذلك ولو ضمن نطاق من شاهده، وهذا ما أردته من تقديمه، فالعديد من الأمهات صرن يقصدنني ويسألنني عن أمور معينة تواجههن مع أولادهن، فللأسف الحمل غالباً يقع على عاتق الأم، وهذا أيضاً ظهر في الفيلم حيث كان الأب متفادياً تماماً لوضع ابنه، ما أظهر شرخاً كبيراً ضمن الأسرة، في تجسيد لمجتمع يضع وصمة عار على المرض النفسي، ولدينا في الأردن نسب إنهاء حياة مرتفعة جداً لدى المراهقين بسبب إهمال الاضطرابات النفسية، الفيلم ثقيل ولكنه مختلف ويلامس الأمهات والنساء بشكل خاص… أنا لم أرغب برفع الوعي أو بطرح حلول أو حتى بتعليم الآخر كيف يتصرف، بل أردت طرح قصة يشعر بها المتلقي ويمكن أن تغيّر من سلوكه.
كيف تصفين نفسك كمخرجة وإلى أي مدى تهتمين بالعلاقة مع الممثل لكي يوصل فكرتك ورؤيتك؟
الممثلون برأيي هم العنصر الأهم لنجاح الفيلم، وقد قضيت وقتاً طويلاً مع البطل محمد نزار، حوالي 3 سنوات، لكي يتقمص شخصية المريض النفسي، كما مع الممثلة التي أدت دور الأم وهي بطلة أيضاً كلارا خوري، صورنا العمل في 22 يوم فقط، فكان التصوير مكثفاً وممتعاً وكان التحدي أن أظهره كما تصورته، مع التركيز على إبراز الكيميا الكبيرة بين الأم وابنها، لكي تكون المشاعر هي المسيطرة، من دون شرح أو حوارات، فبرأيي الجميل في السينما هو جعلنا نفكر لأن الجمهور ذكي جداً، وعليّ كمخرجة أن أسبقه بخطوة، فلم أقع في فخ الميلودراما بل حافظت على الهدوء العام والسيطرة على إحساس الممثل، مع التنسيق مع المصوّر والذي أيضاً لديه دور مهم جداً، لكي تتضح الرؤية بشكلها المثالي.
لأنك شابة عربية، هل تركزين على طرح القضايا التي تخص المرأة وتعني حياتها ومشاكلها والتحديات التي تعيشها؟
أعطي دائماً دور البطولة للمرأة لأني أشعر أني أكتب عن نفسي في الكثير من الأحيان، هذا أمر فطري، لأني أؤمن أن صوت المرأة يجب أن يُسمع، سواء أم أو زوجة أو شابة عاملة، ولكن الاختلاف الذي أريده هو طرح القصة بأسلوب مختلف، أقصد ذلك ولا أقصده فأنا أكتب ما يشبهني واعرفه جيداً، لأني أؤمن أنّ حياتنا نحن النساء أصعب بكل أدوارنا.
هل تجدين أن السينما العربية تعكس اهتمامات وقضايا الجيل الحالي؟
الجمهور لا يريد أن يشاهد ما يراه في الأخبار كل يوم، يريد موضوعاً مهماً يُقدم بشكل مختلف، من هنا من واجب المخرج أن يجسد المجتمع على حقيقته بمشاكله الصادقة، من دون خطابات متكررة، صحيح أن البعض يبحث عن التسلية من السينما، ولكن هناك كثر يعون أهمية الفن عامة في إحداث التغيير من خلال حثنا على التفكير. هدف السينما هو فتح النقاش وبعدها تكون الحلول بيد المجتمع، وفي هذا السياق نجري حملة توعية بالصحة النفسية في الأردن، بدأناها بندوة كبيرة تلت العروض التجارية للفيلم، حيث حضر العديد من الأخصائيين النفسيين، وأجرينا نقاشاً حول المشاكل النفسية ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي.
هل تلعب المنصات دوراً إيجابياً في صناعة السينما العربية؟
المنصات تدعم الأفلام التجارية، أما الأفلام القوية والهادفة فهي لا تزال بعيدة عنها، أعتقد أنّ هذه المنصات قد تشتري الفيلم بعد أن يحقق النجاح، ولكنها لا تستثمر في العمل الفني العميق منذ البداية لشكها بإمكانية أن يحقق النجاح. لا أنكر دور المنصات في عرض العمل على جمهور واسع جداً، ولكنها للأسف لا تدعم إنتاجياً بل تفضل الأعمال الخفيفة والمسلية، المباشرة المبالغ بها وكأننا لسنا مثقفين أو مدركين لأبعاد القضايا المهمة في حياتنا.
إلى أي مدى تسهم المهرجانات العربية التي تزدهر اليوم، في جمع الفنانين والمخرجين ودعم الفن الهادف؟
المهرجانات العربية مهمة جداً وتسمح لنا برصد ردود أفعال الجمهور والنقاد العرب على أعمالنا، فنحن في النهاية نعالج قضايا تخص هذا العالم، صحيح أننا نسعد حين نحقق النجاح في مهرجانات عالمية ودولية، ولكن في النهاية ما يهمني هو أن أنجح في بلدي، وقد عرضت فيلم “غرق” في مهرجان البحر الأحمر، ولاقى أصداء رائعة وأعجب الجميع بطرحه وفكرته، كما أتابع معظم المهرجانات العربية مثل مراكش والدوحة وقرطاج وأراها تخدم صناعة السينما بشكل كبير وتسمح للجمهور العربي أن يطلع على ما يقدمه أهم العاملين في هذا المجال.
اقرئي المزيد: شذى مسعود: توثيق الحقيقة والواقع هو ما يثير مشاعر قوية لدى مشاهد الدراما






