رافق التفوّق المخرجة الإماراتية ميثة العوضي منذ أن كانت طالبة على مقاعد الدراسة، ودفعتها رغبتها بتخطي صفة الخجل إلى السفر لأستراليا كي تكمل مسيرتها التعليمية، فخاضت تجارب كثيرة لتعود إلى الإمارات وتبدأ ببناء مسيرتها المهنية فيها، وتكون اليوم أحد أهم المخرجات وتحصد جوائز محلية ودولية، كما تألقت في مجال الإعلام وتقديم البرامج والكتابة وإخراج الوثائقيات والأفلام القصيرة والطويلة، كما أنها متحدثة في تيد أكس ومساهمة في العديد من ورش عمل صناعة الأفلام. تعرفي على مسيرتها الفنية ورؤيتها الإبداعية في هذا اللقاء.
اخترت دراسة الوسائط الرقمية وصناعة السينما لتحدي نفسك والتغلب على صفة الخجل في شخصيتك، كيف كانت تلك الفترة الانتقالية بالنسبة لك؟
بالفعل كنت طفلة خجولة جداً وتنقصني الثقة بالنفس، وحين تخرجت من المدرسة كنت بعمر السادسة عشر، أصغر من أقراني لأني كنت متفوقة، اقترحت والدتي أن أسافر للدراسة في الخارج، وذلك لكي أختبر الاستقلالية والاعتماد التام على النفس في بلد جديد، وهكذا أكتشف العالم الواسع وأسمح لشخصيتي بالتفتح والنمو وأتخلص من الخجل، كان الاقتراح مخيفاً بالنسبة لي ولكني وافقت لكي أتحدى نفسي، رافقتني أمي في البداية لكي تؤمن كافة احتياجاتي في السكن المناسب، وبعد فترة غادرت فخضت الرحلة بمفردي تماماً لمدة ست سنوات، وأجبرت نفسي أن أكون اجتماعية لأتعرف على أشخاص جدد، حين كانت تجلس بجانبي شابة غربية، كنت أختبر صراعاً داخلياً لكي أبدأ بالتحدث معها والتعرف عليها، خائفة من أن ترفضني أو لا تتفاعل معي.. في تلك الفترة كنت أرسم Animation وأتخيّل عالماً أكثر راحة وسهولة من خلاله، مع الوقت صرت أكتشف المجتمعات العربية هناك، وبدأت بإيجاد من يشبهني ويحاكي أفكاري، وتوضحت الصورة في ذهني عن مستقبلي، فقررت أن أصير مصممة وفنانة رسم شخصيات، وصارت المشاريع التي أقدمها خلال الاختصاص تلاقي الإعجاب والنجاح، وهذا الأمر ساهم في زيادة ثقتي بنفسي، فكانت لغتي للتواصل هي أعمالي وفتحت لي الطريق لإيصال صوتي بثقة أكبر إلى العالم. تحولت من شابة منغلقة إلى أخرى منفتحة ومقبلة على أفكار الآخرين، وعرفت حينها أني لا أريد أن أكون تابعة بل أرغب أن أقود، وسيحصل ذلك في مجال أحبه كثيراً وهو خلق الشخصيات ورواية القصص، فكان الإخراج السينمائي هو خياري.
لماذا قررت الرجوع إلى الإمارات والعمل فيها على الرغم من أن الفرص في الخارج أكبر وأكثر إغراءً للاستمرار في مجال صناعة الدراما؟
عدت لأني أدركت اني أريد رواية قصص نساء بلادي، جدتي التي أثرت بي كثيراً بقوتها حيث ربت أولادها من دون رجل، استطاعت إيصالهم إلى بر الأمان، ووالدتي التي لعبت دوراً كبيراً في تعزيز ثقتي بنفسي، وكانت ملهمتي في الاستقلالية.. لطالما كنت الفتاة العاقلة التي تتبع القوانين ولا ترتكب أي هفوة، وكأني عشت طفولتي في صندوق محكم، وحين وجدت شغفي الحقيقي تحررت، وعرفت غايتي وسرت في الطريق الأنسب لي. حين أكون في موقع التصوير، أتحوّل إلى امرأة مختلفة تماماً، مليئة بالحيوية والقوة والثقة بالنفس، ينتقل حماسي إلى كل من حولي، فنصير فريقاً ناجحاً ومتمكناً وقادراً على إيصال الفكرة باحترافية وإتقان.
هل كان التأقلم بعد العودة سهلاً أم واجهت التحديات في فهم اختلافات المجتمع الإماراتي بعد 6 سنوات من الغياب؟
كانت العودة صعبة جداً فحتى لهجتي تغيّرت، لذا كان عليّ العمل مع قنوات أجنبية في إعداد التقارير الصحافية والريبورتاجات، وهذا عنى أن أبتعد عن أبناء وبنات بلدي، ولكن العمل ساعدني على التواجد في المجال الذي أحب وهو التواصل، بعدها عشت سنوات محاولة دخول المجتمع الإماراتي من جديد وفهم التغيرات التي حصلت فيه، كنت أحضر الأعراس والحفلات لإعادة علاقاتي بالأقارب والمعارف، وعرفت حينها أن التطرق إلى قضايا وقصص بلدي ليس سهلاً كما فكرت، يحتاج مني تعزيز معرفتي بالدبلوماسية والسياسة وعدم تخطي توقعات المجتمع أو إحداث صدمة فيه لمجرد سرد قصصه بشكل غير ملائم لقيمه وخصوصيته، فإحداث الأثر لا يعني خرق القواعد، بل احترام البيئة التي نتوجه لها ومحاكاتها برقي، وبوعي لأبعاد أنماط العيش والتفكير فيها، بهذه الطريقة نلفت النظر إلى الأخطاء ونفتح باب النقاش حولها.
لطالما كنت متفوقة في كل ما تقومين به، هل وجدت المحيط الداعم والمواكب لك في بلدك؟
خلال سنوات عملي كنت أشعر أني معزولة بعض الشيء عن قنوات صناعة السينما، كانت معارفي محدودة بجهات إنتاج الأفلام الوثاثقية والدعائية القصيرة، والسبب كما قلت سابقاً أني ابتعدت عن البلد لفترة، ولكن كنت مصّرة على التواصل مع جهات أوسع، ألهمتني مسيرة العديد من المخرجين ولا سيما نايلة الخاجة وحصة لوتاه، فقد نجحتا وهذا يعني أني قادرة على الوصول والنجاح، لذا استمريت بالسعي وخضت الكثير من ورش العمل والدورات المحلية للتعلم والتعرف على المجتمع السينمائي، وأعتقد أني اليوم صرت على الطريق الصحيح وبدأت بصناعة ما أحب وفي إيجاد صوتي الحقيقي.
حدثينا عن أول فيلم طويل لك “العيد عيدين”، كيف تبلورت فكرته وكيف رصدت أصدائه؟
في ذلك الوقت كنت رئيسة قسم الإنتاج في New Media Academy، ولكني طوال الوقت أفكر في كيفية إخراج فيلمي الخاص، صحيح أني منشغلة على الدوام ولكن الفكرة لا تفارقني، وأذكر أني تلقيت رسالة من سارة الصايغ حول فيلم من تأليفها وفيما لو كنت راغبة بالمشاركة فيه كمخرجة، رحبت بالفكرة وتلقيت النص وحين أدركت أنه فيلم طويل أصبت بالذعر، فاتصلت بوالدتي سريعاً وأخبرتها أني حصلت على عمل روائي لإخراجه، كانت مفاجأة سارة جداً بالنسبة لي وكأنه حلم يتحقق، بدأت بالقراءة سريعاً: بكيت وضحكت وأحسست بكل الشخصيات المكتوبة بكل حواسي، وهذا ما احتجته أن أقتنع بكل جوارحي بالعمل، كي أقدمه بالشكل المناسب، كان النمط الكوميدي جديداً عليّ ولكني أحببت القصة وشعرت انها تتكلم عن أختي، فهي إماراتية وتزوجت من رجل سعودي، تماماً كقصة العمل، ومباشرة عقدت اجتماعاً مع سارة وجهة الإنتاج وأطلعتهم على رؤيتي الإخراجية، وأعجبتهم كثيراً وطلبوا مني عرضها في الشركة المنتجة، فقمت بذلك بكلّ حماس، متخطية تماماً خجلي أو ترددي.. لدرجة أن سارة أخبرتني أني قلت كل ما كان يخطر في بالها، وهكذا حصلت على العمل وصورنا الفيلم في شهر نوفمبر واحتفلت بعيد ميلادي في اليوم التالي من بدء التصوير، وكانت الأجواء ممتعة على الدوام، تعبت واجتهدت ولكني حصدت بالتأكيد نتيجة رائعة حين عرض الفيلم وحقق النجاح. في ذلك الوقت كان عليّ اتخاذ قرار مصيري وهو ترك العمل الثابت للتفرغ والقيام بما أحب، فاستقلت وتركت كل مسؤولياتي السابقة واتبعت حلمي.. ساعدني الفيلم في تحقيق غايتي الأولى والأساسية من القيام بهذا العمل، وهي تقديم صورتنا الحقيقية وليس الموجّهة أو النمطية لدى الغرب، فالسينما لا تعني فقط استعراض الأصوات المهمشة بل إطلاع العالم على حقيقتنا كأشخاص لديهم شخصيات مختلفة، متحركة وفاعلة لديها ثقافة وتاريخ وعادات وطريقة تفكير مميزة. ومسؤوليتنا كصنّاع أفلام أن نبيّن الإيجابيات والصورة الحقيقية لقصصنا وواقعنا وهويتنا.
ما هو برأيك دور السينما في إلقاء الضوء على قضايا مهمة في المجتمعات العربية والخليجية؟
يتجلى واجب ومسؤولية صنّاع السينما في رواية القصص الحقيقية للمجتمعات العربية، بعيداً عن الصور النمطية السائدة والتي تختصرنا غالباً بمجتمعات ثرية، حيث دور المرأة مهمش ومحدود، يحصل ذلك حين نحترم الشعوب ونظهرها بمختلف الأدوار التي تؤديها. نحن نفتقر إلى المنصات التي تُظهر هذه الحقائق عن بلادنا، من خلال دعم الإنتاجات التي تركز على القصص الواقعية، وسأعطي مثالاً الصورة التي تظهر فيها المرأة حيث نراها تتعرض للاستغلال والتهميش وأحياناً العنف اللفظي والجسدي في بعض الأفلام العربية، بينما حولنا يوجد واقع مختلف لنساء قويات، متمكنات، قادرات على الاختيار وتخطي الصعوبات التي واجهنها في الحياة، بالمحصلة هناك دائماً الجيد والسيء من النماذج البشرية، ولا ضير أن نركز على الأول فنخبر قصصنا الكبيرة من دون إحداث صدمة لكي يشعر المشاهد بالانبهار أو الإعجاب والتأثر.
من ناحية ثانية، علينا بناء جمهور للسينما الإماراتية، ويحصل ذلك حين نسمح لها بالبقاء لوقت أطول في دور العرض، وحين نعرضها خارج الدولة في بلدان عربية متنوعة وحتى في العالم بأسره، وليحصل ذلك نحتاج إلى منتجين وموزعين أقوياء ومغامرين بعض الشيء، لكي يثقوا بأبناء بلدهم ويدعموا هذه الصناعة المهمة في انتشار أفكارنا وآرائنا وانماط حياتنا وإظهار ثرائها وتنوعها. هناك بالتأكيد جمهور جديد يبحث عن التغيير والتجديد كما ولدينا الكثير من القصص الرائعة والمؤثرة، علينا فقط الثقة بقدراتنا ودعم مواهبنا وسيتحقق ذلك مع الوقت.
مع نجاحك في مجال التقديم والإعلام والإخراج والإنتاج، ما الذي تنوين تحقيقه في الفترة المقبلة من مسيرتك المهنية؟
لديّ فيلمان قصيران صورتهما في الهند وتحديداً في مومباي، وأتطلع لكي يشاركا في مهرجانات مستقبلاً، كما أعمل على مشروع إماراتي محلي حول العائلة وقصصها الاجتماعية من زواج وإنجاب وتربية، وذلك ضمن كومباوند يضم العديد من الأسر. ولديّ مسلسل أكتبه منذ فترة بعنوان “خلف البرقع”، يتمحور حول 4 شابات إماراتيات يسعين لمعرفة أهدافهن وغايتهن في الحياة.
اقرئي المزيد: سارة مسفر: حبي لرواية القصص والإخراج هو طريقتي في التعبير عن النفس والمشاعر






