في فلك الاستدامة، 4 رائدات كرّسن جهدهن وعلمهنّ ليحققن إنجازات مبهرة، فتعرفي على قصص نجاح تستحق الإضاءة، من خلال هذه اللقاءات الحصرية.
“أسعى لإسعال شرارة حركة الوعي البيئي من خلال إتاحة تصرفات ملموسة في سياقات تُهمَل فيها هذه القضية”، بهذه العبارة تعرّف الشابة الفلسطينية نجلاء عبداللطيف عن حركة Zero waste Palestine، التي أطلقتها قبل سنوات في القدس وهي اليوم من أهم المبادرات العربية التي تعنى بقضايا البيئة والاستدامة، نتعرف في هذا اللقاء على هذه الشابة ونكتشف ما حققته حتى اليوم وما تسعى للوصول إليه مستقبلاً.
كيف بدأ اهتمامك بمجال البيئة ولماذا حوّلت ما هو اهتماماً شخصياً إلى قضية عامة تفاعل معها الآلاف من بلدك فلسطين وباقي الدول العربية؟
اهتمامي بدأ من عمر صغير، حين سمعت عن ظاهرة التغيّر المناخي والاحتباس الحراري في المدرسة، وعرفت أنّ هناك أزمة بيئية عالمية، واستمرّ هذا القلق كل حياتي في خلفيتي الذهنية، وفي الجامعة درست إدارة أعمال واقتصاد، وتعمقت في تأثير الشركات والصناعات على البيئة، ودخلت مجال إدارة الأعمال المستدامة، وطوال حياتي اعتدت على وجود أزمة نفايات في فلسطين والعالم العربي، وهي تتجلى شكلياً في منطقتنا أكثر من باقي دول العالم، في ذلك الوقت أردت التخلص من هذا الغضب والانزعاج، الذي راودني في كل مرة رأيت شارعنا مليئة بالنفايات والأوساخ، ولأني لم أرد أن أعيش مع هذه المشاعر الحادة، ورغبت بتفريغها بأيّ شكل، بدأت بمدونة أسميتها Zero waste Palestine، وصرت أنشر تجربتي الشخصية في التخلص من النفايات حين كنت أعيش في القدس، ومع الوقت ازداد اهتمام المجتمع بمحتواي، وصرت أقصد المدارس والشركات لأقدم ورش ودورات عمل ومحاضرات حول طرق سهلة للتعامل مع هذه الأزمة، ومع انتشار وسائل التواصل، حوّلت اهتمامي نحوها، وتحديداً صناعة المحتوى البيئي والمستدام، لكي أصل إلى شرائح أكبر من الناس، وأبيّن أن اعتماد الاستدامة أكثر سهولة وبساطة مما يظنون، وأنّ بإمكانهم أن يطبقوها دون أن تؤثر على باقي تفاصيل ومسؤوليات عيشهم، والتي أعرف أنها كثيرة وصعبة وخاصة في بلدي والمناطق المحيطة به.
إلى أي مدى تمكنت من تبسيط مفاهيم الاستدامة من خلال الأبحاث التي تقومين بها، للجيل الجديد الذي يهتم بمواكبة كل جديد في عالم اليوم؟
حين نرغب بإيصال رسالة يكون من الأسهل إقناع الآخر بها حين يكون لديه نفس اهتماماتنا ويعيش روتين مشابه لنا، لذا أحرص على تحميل رسائل بيئية تشبه مجتمعنا وليس الغرب، وقد ساعدتني وسائل التواصل في تبسيط وتسهيل رسائلي، وهذا الأمر لم يكن سهلاً بل كان تحدياً لأني كنت جديدة على عالمها، وكان عليّ التجربة وإعادة المحاولة، لأجد المحتوى الذي يحاكي الشباب ويصل إلى عقولهم بسلاسة. قمت بجهد شخصي للتعلم ودرست مجموعة من الحسابات لأشخاص يقومون بما يشبه عملي، وكنت أزداد هبرة مع مرور الوقت، فكانت السنة الأولى لاكتساب المعرفة، وبعدها صار لديّ أسلوبي الخاص الذي يخولني تقديم رسائل هادقة ومؤثرة ومحركة للمشاعر لدرجة تخّول تغيير العادة وتحويلها نحو سلوك واعي بيئياً.

ما هي الصعوبات اليومية التي عشتها حين بدأت بمسعاك بأن لا يكون لديك في منزلك أيّ نفايات؟
الفكرة كانت مخيفة للناس ولمحيطي الضيق، فالخشية من المثاليات أو فلنقل الكمال الذي يتجلى في عدم إنتاج أي نوع من النفايات، كان يقف عائقاً في وجه كثر رصدوا تجربتي وتفاعلوا معها، ولطالما كنت أؤكد لهم أنّ هدفي ليس أن نصل إلى صفر نفايات في يوم واحد، لأن هذا الأمر يتطلب تغييرات كثيرة قد تكون صعبة ومربكة، إنما ما نريده هو البدء باعتماد عادات جديدة ستكون لاحقاً مريحة، فنستعين بهذه الفلسفة كأساس لتغيير طريقة التفكير ما سينعكس على ممارساتنا. بالنسبة لي لم أغيّر أسلوب حياتي كاملاً، بل كنت وببطء أدخل عادة جديدة كل فترة، وآخذ وقتي لأعتاد عليها، ومع الوقت وصلت إلى صفر نفايات، والناس من حولي كانوا يطبقون ما يعتبرونه مفيداً لأسلوب حياته، فبعض الصديقات مثلاً توجهن نحو التقليل من استهلاك البلاستيك، وأخريات صرن يملن نحو شراء الخضروات والمأكولات العضوية، وفئة ثالثة قررت تقليص هدر الطعام والتبرع بالباقي للمحتاجين، ويوجد فتيات قررن عدم شراء الفوط الصحية واعتماد طريقة جداتنا في استخدام أقمشة قابلة لإعادة الاستخدام، بالتالي فإن قناعاتنا المختلفة هي التي تسهّل علينا التغيير، وما يمكن أن أقوم به هو استعراض البدائل وفوائدها، وسيفهم كل شخص الموضوع بطريقته ويأخذ ما يلائم نمط حياته. دوري هو التوجيه والتعريف، اما الأثر الذي سيحدث، فأتركه لطريقة تفكير كل شخص وما يراه مهماً بالنسبه له.
نرى اليوم أن الاستدامة تتحول إلى صيحة مثل مختلف الصيحات التي تظهر فترة وبعدها تختفي، هل يخيفك هذا الأمر أم تجدين أنّ له فوائد آنية مفيدة؟
صحيح، نرى اليوم الكثير من الشابات يلجأن إلى شراء الملابس المستعملة، أو يشجعن الحرف اليدوية والصناعات المحلية، وينشرن ذلك ما يسهم في انتشار هذه الصيحة وتجربتها من قبل نساء أخريات، وهو أمر إيجابي بالتأكيد، ويُظهر أنّ جيل اليوم لديه قدرة على التغيّر والتأقلم مع الأفكار الجديدة أكثر من جيل أمهاتنا. وبرأيي أنّ تغيير طريقة التفكير أهم بكثير من مجرد القيام بسلوكيات قد تكون وقتية، فهذا ما سيعني أننا نفهم أبعاد المشاكل التي نواجهها حالياً، ونسعى لتغيير نمط حياتنا، وهذا ما أحاول القيام به وتشجيع الجمهور عليه، فبهذه الطريقة تتحوّل الصيحة إلى تصرّف مسؤول واع ودائم.
كيف تساهم علاقاتك بجمعيات وجهات عالمية في جعل المزيد من الأنظار تنصبّ على نشاطاتك البيئية وتدعمها؟
سهّل عملي عبر وسائل التواصل في توسيع دائرة معارفي، فقدمت ورش عمل في الإمارات ومصر والأردن وتونس والمغرب، صحيح أنّ مبادرتي تحمل اسم وطني فلسطين، ولكنها حركة عربية تجمعنا، فنحن نشترك للأسف بالمشاكل البيئية وأهمها مسألة النفايات، لذا فإن معظم متابعيني من دول عربية متنوعة، يتفاعلن معي ويفهمن قضيتي، وبما أنّ محتواي باللغة العربية فإني أتواصل بشكل كبير مع جهات عربية ناشطة في مجال البيئة والاستدامة، ونساعد بعضنا في رفع الوعي وزيادة الاهتمام المجتمعي بقضايانا.
بما أنك عشت في المجتمع الغربي لفترة، هل رصدت اختلافاً في النظر إلى الشؤون البيئية بيننا وبين الدول الأجنبية؟
عشت فقط فترة دراستي في السويد مع العلم أن والدتي سويدية، ومعظم حياتي قضيتها بين فلسطين والأردن، بالتأكيد يوجد فرق في الطريقة التي تطبق بها الدول المشاريع المستدامة، والدول الأوروبية لديهم امتياز التفكير بهذه الأمور، لأنه لا يوجد عندهم تحديات معيشية كالتي نواجهها عربياً، بالإضافة إلى توفّر المال والأبحاث اللازمة التي تسهّل تطبيق الأفكار الجديدة بشكل أسرع، لذا أؤكد أنه لا يمكن أن نقارن أنفسنا بهم، بل أن نحاول قدر استطاعتنا أن نتذكر تراثنا وحضارتنا، ونستحضر نمط عيش أجدادنا الذين عاشوا الاستدامة في تفاصيل يومهم، من تناول الطعام الصحي الآتي مباشرة من الأرض، إلى استخدام الأواني الطينية والفخاريات، وحتى التقنين في الكهرباء والمياه لندرة توفرها.
هل تجدين ميلاً لدى الجيل الجديد نحو المهن التي تراعي الاستدامة والبدائل المفيدة للبيئة والطبيعة؟
هناك الكثير من الشباب الفاعلين في المجالات الفنية والتصميمية والهندسية، الذين يراعون معايير الاستدامة مع تقليل التكاليف، فيختارون بوعي ويبحثون قبل الإقدام على أي نهج عملي مستقبلي، كما أن الكثير من الاشخاص أحدثوا بالفعل تغييرات في أسلوب حياتهم، ووجدوا أنّ الأمر ليس مكلفاً كما اعتقدوا. بالنهاية الخيار بأيدينا، ويمكن بقليل من الجهد الاتجاه نحو ما هو صحيح.
ما هي مشاريعك للفترة المقبلة وكيف تنوين التوسع أكثر بأفكار Zero Waste Palestine؟
سأستمر في صناعة المحتوى المخصص للمواضيع البيئية، ونشر المعلومات عن قضايا الاستدامة، كما أعمل على مجموعة مشاريع تحاكي الناس وتوصل الرسالة بطريقة أعمق من مجرد الكلام، وأركز على شراكات جديدة مع جهات فاعلة في المنطقة العربية.
اقرئي المزيد:ماتيلدا عاموري: أسعى للوصول إلى الخبراء ومشاركة معلوماتهم عن الاستدامة بطريقة سلسة
















