في فلك الاستدامة، 4 رائدات كرّسن جهدهن وعلمهنّ ليحققن إنجازات مبهرة، فتعرفي على قصص نجاح تستحق الإضاءة، من خلال هذه اللقاءات الحصرية.
تبرز الشابة حبيبة عبد الرحمن حامد كواحدة من أهم الشخصيات في عالم الأزياء المستدامة في دبي التي عاشت فيها سنوات طويلة، وفي بدها الأم كينيا حيث أسست مشروع Trashion Kenya، الذي يسعى إلى تصنيع الملابس من مواد معاد تدويرها، هي الحاصلة على المركز الثاني في مسابقة ملكة جمال الأرض الإمارات، تتمتع بالجمال الخارجي والذكاء والوعي البيئي بحيث خصصت وقتها وجهدها وطاقتها لرفع مستوى الوعي بالقضايا البيئية وإحداث تغيير في صناعة الأزياء نحو المزيد من الاستدامة والمراعاة للطبيعة. التقيناها لنتعرف عليها ونكتشف كيف وصلت من بلدها الفقير ذي الموارد المحدودة، إلى العالم الواسع حاملة قضية وصوت لا حدود لصداه.
السؤال البديهي الذي سنبدأ به هو كيف بدأ اهتمامك بالاستدامة والبيئة والحفاظ على الموارد الطبيعية، وكيف حوّلت ما يبدو اهتماماً لمئات بل آلاف الشابات إلى مبادرات قوية وفاعلة ومؤثرة ومغيّرة أيضاً، في مجتمعك ومجتمعات العالم بأسره؟
اهتمامي بالاستدامة بدأ في كينيا قبل 8 سنوات، حيث كنت أعمل على مشروع بيئي محلي وشهدت على أضرار المخلفات البلاستيكية على الطبيعة والنظام الحراري للبلد، لذا لم أرد أن أكون مجرد شاهدة وغير فاعلة، بل رغبت بالبحث عن الحلول ومشاركتها مع المجتمع، فاطلعت على طرق تحويل النفايات والاستفادة منها في قطاعات الفن والتصميم والأزياء. في ذلك الوقت كنت نشيطة عبر وسائل التواصل في مجال الموضة ونمط الحياة، بعد أن درست إدارة الأعمال في الجامعة، وعملت في شركة محاماة، ومع تغيّر اهتمامي نحو الاستدامة، بدأت أشارك شغفي الجديد برفع الوعي بهذه المواضيع، ولا سيما أني محبة للموضة والأزياء وأردت رفع الوعي بين محباتها وهنّ كثر حول أهمية تغيير عاداتنا بعض الشيء لكي نقلل من أثر هذه الصناعة من مخلفات النسيج وملوثات البلاستيك على البيئة. أعتقد أنّ دوري تبلور وازداد وضوحاً لدى انتقالي إلى دبي مع بدء انتشار كوفيد، فازدادت علاقاتي بعلامات الأزياء المستدامة المحلية، وصرت أشارك عبر منصاتي مشاريع تعاون وشراكات معها، كما ازداد تواجدي في ورش العمل وجلسات النقاش، وبدأت بتوسيع وبناء مجتمعي الذي يشاركني الاهتمام بأمور البيئة ويرغب برفع الوعي حولها وإيجاد الحلول لكلّ المشاكل التي تعيق تقدمنا جميعاً.
ما هي التحديات التي واجهتها في عالم اليوم، المتجه بأغلب قطاعاته نحو السلع والخدمات وحتى المشاعر السريعة والمتغيرة؟
أكبر تحد عشته هو تغيير الحالة الذهنية التي بقيت فيها سنوات وجعلتني أكرّس عادات صارت جزءاً من شخصيتي سابقاً، وهذا الأمر ينطبق عليّ وعلى آلاف غيري، فمن الصعب مثلاً لشابة اعتادت التسوّق من شي إن ووجدت في ذلك متعة كبيرة بسبب الأسعار الزهيدة والموديلات الجميلة والجديدة، أن تقتنع بضرورة التوقف عن ذلك والحفاظ على ملابسها القديمة لوقت أطول، أو الانتقال نحو شراء الملابس المستعملة، أو حتى اختيار قطع أزياء من خزانة والدتها أو جدتها. هناك أيضاً معتقد آخر هو أن الملابس المستدامة مرتفعة الأثمان، فمعظمنا لا يفكر بأهميتها على المدى البعيد، إذ أنّ هذه القطع تدوم لوقت أطول بكثير كما أنها مفيدة لأجسامنا وصحتنا وتالياً لبيئتنا، ونحن حين نبحث عنها ونقصد شراؤها، فإننا ندعم التجار المحليين والأيدي العاملة الوطنية، فنسمح بعدم اندثار أعمالهم البسيطة، ونقلل بالتالي من سطوة الشركات الكبرى، التي تستخدم مواداً أولية مؤذية للطبيعة كالبوليستر ولا تولي أيّ اهتمام بالأثر البيئي الذي تتسبب به. واجهت أيضاً صعوبات في الحصول على فرص ومنصات تناسب صوتي وطموحي بسبب جنسيتي الكينيّة وخلفيتي الأفريقية، ولكني لم أسمح لها أن تعيقني بل حولتها إلى دافعاً لتحقيق طموحاتي وإيجاد ما يميزني ويوصل أفكاري إلى فئات أكبر من الناس… تعلّمت في هذه السنوات القليلة نسبياً كيف أكون قوية ومثابرة وواثقة بنفسي وبهدفي، لتحقيق رغبتي بأن أحظى بحياة أفضل وأسمح لكلّ من حولي بالوصول إلى الفرص والمعرفة التي تخولهم تحقيق ذلك لأنفسهم أيضاً.

تقولين من خلال صفحتك عبر إنستغرام أنك تساعدين العلامات التجارية في التحوّل نحو الاستدامة والنمو والتطوّر من خلالها. كيف تقومين بذلك؟
بعد أن شاركت بالكثير من الندوات والمؤتمرات والفعاليات المخصصة حول التغيّر المناخي والأضرار التي تطال البيئة وفوائد الاستدامة، بتّ أمتلك المعرفة التي تخولني مساعدة العلامات التجارية المحلية الصغيرة أو تلك التي تبني لنفسها اسماً في الأسواق، ولا سيما في مجال الموضة، فأوجههم لإيجاد الحلول حول مصادر المواد الأولية، وأضعهم على تماس مع الجمهور المستهدف وأعرفهم على طرق كسب ثقة المستهلك واكتساب القيم الضرورية للاستمرار بنجاح في قطاع يواجه الكثير من التحديات والمعوقات، نظراً لكونه جديداً وغير منتشر كثيراً في الخليج والعالم، وبالتالي فإن النجاح فيه يتطلب إنشائ محتوى أصيل وصادق وهادف وموجّه عبر وسائل التواصل، وميدانياً على أرض الواقع لكي يصل إلى جمهور أوسع، لذا فإن تركيزي حالياً يتمحور حول تقديم الاستشارات للعلامات الناشئة ومساعدتها لوضع استراتيجيات حيوية من أجل وعي أكبر بالموضة المستدامة.
لماذا ركزت على مجال الموضة تحديداً في سعيك لإحداث التغيير المستدام؟
الموضة تعنيني كثيراً وتعني الكثير من الشابات في سني، ولأني مهتمة بها كان من الطبيعي أن أعرف الكثير من الانتهاكات التي يقوم بها الكثير من صنّاعها والتي تؤثر سلباً على محيطنا وطبيعتنا، وقد ساعدتني علاقاتي بمنظمات وجمعيات ومنها Fashion Revolutionفي الإمارات، حيث تعاونت معهم خلال السنوات الثلاث الفائتة، لنحرص على تعزيز الشفافية والأنظمة الهادفة في عالم الموضة المستدامة. أرى أن هذا المجال يعني الشباب أكثر من غيرهم ويحاكي اهتماماتهم، وأنا أتوجه لهم في معظم الندوات والحلقات والمؤتمرات التي أشارك بها، لأنها الفئة القادرة على إحداث التغيير مستقبلاً، سواء في الإمارات أو في باقي الدول العربية التي قصدتها أيضاً وتعرفت على أفكار أجيالها الصاعدة، ومدى رغبتهم وانفتاحهم على التعرف على الموضة المستدامة وأساليب تطبيقها والمواد الأولية اللازمة لها.
هل تجدين أن هناك مصادر كافية للمواد الأولية المستدامة من أنسجة وخامات في الإمارات، تشجّع المصممين على اكتشافها والعمل بها وتحقيق النجاح لأزياءهم من خلالها؟
من خلال علاقاتي بعدد من المصممين الشباب، رصدت صعوبات في هذا المجال، فالطقس في الخليج حار جداً ما يعني زيادة الطلب على الخامات الخفيفة، التي يمكن أن لا تتواجد على الدوام في محيطنا، وبالتالي يكون من الضروري استيرادها ما يعني زيادة التكلفة، وللأسف فإن عدد المزوّدين عالمياً ليس كبيراً ويحتاج إلى الكثير من الأبحاث لاكتشاف أماكن تواجدهم، من هنا أهمية الدعم المجتمعي لرواد الأعمال المهتمين بالاستدامة، فالتقدير الحقيقي لجهدهم وعملهم ولا سيما من أبناء بلدهم، كفيل بدفعهم للاستمرار وعدم الاستسلام سريعاً أمام التحديات. أرى في الإمارات المزيد من الاستثمارات والاموال التي تخصص للمشاريع المستدامة، كما تقام العديد من الفعاليات المهمة، ولكن من الضروري زيادة الدعم للإنتاج المحلي وللأيدي العاملة في المناطق البعيدة عن المدن، وللأسواق الشعبية، من خلال تسليط الأضواء عليها وحثّ الناس على أن تقصدها وتشتري منها تماماً كما تفعل في المراكز التجارية الكبرى.
حدثينا عن مشروع Trashion Kenya وعن الأثر الذي تحدثينه في أفريقيا من خلاله؟
لطالما كنت معجبة بالمجتمع المحلي في كينيا وبطريقة عمله والمواد الطبيعية التي يسخّرها لكي يستمر بالعطاء والابتكار، ففي كل منتج شعبي قصة وأصالة وكفاح وعمل يدوي مميّز، ولأني شعرت بالحزن والغضب عند رؤية مخلفات عمل الشركات الكبرى في مجال الموضة، أردت أن نستفيد من مواد معاد تدويرها، لكي نقدمها مع لمسة فنية وتراثية، فنخدم بيئتنا ونحافظ على طبيعتنا باستخدام مواردها، وندعم اليد العاملة المحلية ولا سيما النساء، من خلال فتح مجالات عمل إبداعية أمامهن. أهدف إلى إيجاد الحلول المبتكرة، ومساعدة محتمعي وزيادة فرص التعليم والوعي والمعرفة حول أهمية الاستدامة في بلدنا وتأثيرها المباشرعلى كل القطاعات فيه، وأنا مستمرة بذلك على الرغم من بعدي الجغرافي، ولكني كونت فريقاً محترفاً، أثق به وبقدراته وأعتقد أننا مستمرون بإحداث تغيير إيجابي في بلدنا، مع امتلاكي لطموح واسع هو تحويل Trashion Kenya إلى منصة عالمية للتعليم والتوجيه وخلق فرص عمل للأيدي العاملة المحلية.
ما هو أكثر إنجاز تفخرين به في مسيرتك في مجال الاستدامة وما هي مشاريعك المقبلة؟
أفتخر بأني بتّ جزءاً من مجتمع الاستدامة في الإمارات، وبأني ناشطة في الكثير من الفعاليات المتعلقة بالمناخ والبيئة، كما أنه سنحت لي الفرصة أن أكون ضمن الشابات في حفل ملكة جمال الأرض بالإمارات عام 2023، وأعتزّ بهذا الأمر لأنه بمثابة منبر مهم للتوعية بقضايا الاستدامة في مجال الموضة، ولا سيما أني الشابة السمراء القادمة من كينيا. وفي بلدي تسنى لي أن أمثّل مشروعي Trashion Kenya عبر التلفزيون الرسمي فأتحدث عنه وأنشر المزيد عن أهدافه وأهميته، شاركت أيضاً في فعاليات مهمة مختلفة خولتني زيارة الكثير من دول العالم، كما حضرت حفل توزيع جائزة آتشر حيث التقيت الأمير ويليام وتحدثت معه حول اهتمامنا المشترك بالبيئة، وأعتبر هذه اللحظة من الأجمل في حياتي، فهي برهنت لي كيف يمكن لفتاة بسيطة امتلكت رؤية حقيقية، أن تصل بأفكارها إلى أهم وأكبر الشخصيات العالمية. كما أفتخر بشكل خاص بأني ملهمة لأمهات شابات وصغيرات جداً في السن، قررن الاعتماد على أنفسهن والعمل ضمن مشروعي في كينيا على حياكة الملابس المستدامة والتصميم وابتكار الأزياء والأكسسوارات التقليدية وتلك الجديدة والمواكبة لصيحات عصرنا، وكسب الأموال لكي يتمكنّ من الاستمرار في كفاحهن اليومي، وتربية وتعليم أولادهن. بالتأكيد أرغب بالاستمرار في إلهام وتشجيع غيري من الشابات، وسأستمر بإدارة مشروعي وتوسيعه ليطال عدد أكبر من الدول الأفريقية، كما أني مستمرة بتقديم الدعم والمشورة والتوجيه للشركات والمشاريع الناشئة في مجال الموضة المستدامة.
اقرئي المزيد: ماتيلدا عاموري: أسعى للوصول إلى الخبراء ومشاركة معلوماتهم عن الاستدامة بطريقة سلسة
















