هيا السمري: رحلة الألفي ميل ساعدتي لأعرف حقيقتي وقوتي وقدراتي

أثبتت الشابة السعودية هيا السمري أنّ هناك بطلات خارقات في وقتنا الحالي، ومن دون مبالغة، إنّ هيا بالتجربة الصعبة وشبه المستحيلة التي خاضتها تعكس كل معاني القوة والبطولة، فهي انطلقت قبل أكثر من سنة في رحلة "الألفي ميل" سيراً على الأقدام لتقطع على مدار 5 أشهر الحدود المكسيكية وصولاً إلى كندا، وتعيش في رحلتها مختلف أنواع التحديات والصعوبات. هيا الرحّالة والمغامرة والرياضية سافرت كثيراً وجرّبت مختلف أنواع النشاطات الخطيرة والصعبة، لتعود بشخصية أقوى وتطلعنا على المشاعر التي اختبرتها في هذه الطريق.

رحلة الألفي ميل، حققتها شابة سعودية مليئة بالأنوثة والجمال واللياقة، هل تخيلتِ يوماً في حياتكِ أن حبكِ للرياضة والمغامرة سيوصلكِ إلى هذا الحد؟

عرفت دائماً أنّ لديّ حب الاستكشاف، فمنذ كنت صغيرة كنت أحلم بأشياء لا تخطر على بال الأطفال، وكان لديّ حائط أعلّق عليه أحلامي التي أريد تحقيقها مستقبلاً، وكان أحدها أن أقوم بمغامرة كبيرة جداً لاكتشاف العالم مشياً، ولكنني أبداً لم أعرف أنني سأقوم بذلك في هذا الوقت من حياتي، فقد كان حلماً مؤجلاً لحين أتقدّم أكثر في السن وأزداد خبرة في الحياة، ولكن الظروف سارت باتجاه هذا الحلم وسرت معها وحصل أن حققت هذا الإنجاز الكبير في مسيرتي.

كيف بدأت الفكرة ولماذا اخترتِ خوضها في هذا الوقت بالتحديد؟

السبب في اختياري لهذا الوقت هو أنني تعرضت لإصابة خطيرة قبل سنتين من السفر أثناء مغامرة تزلج، وتحديداً كسر في الظهر، واليوم لديّ حديد يرافقني في ظهري. كانت الفترة من أصعب ما مررت به في حياتي، وعشت مرحلة تعافي طويلة وقاسية حتى أستعيد قوتي وعافيتي، ولا سيما أني شخص متحرك طوال الوقت، لم أعتد على الجلوس وعدم القدرة على التنقل، ولكنني أشكر الله أنني شفيت ولم أصب بالشلل الذي كان وارد الحدوث. وبعد العملية الصعبة والمسيرة التي خضتها للشفاء، قررت الاحتفال بقوتي لاسترجاع ثقتي بنفسي، فاحتجت للقيام بأمر صعب جداً لأقول لهيا: أنتِ قادرة وقوية وتخطيتِ ما كان شبه مستحيل، لن تخافي من المسارات الطويلة، وستسترجعين حياتكِ القديمة بكل ما فيها من حيوية ومغامرة.

حدّثينا عن الاستعدادات، تقبل الأهل للرحلة ومخاطرها، الزوج، ما هي المخاوف التي راودتكِ وكيف تغلب الحماس، أخبرينا عن كم المشاعر التي انتابتكِ في هذه الفترة؟

مشاعر الخوف كانت كثيرة، ولا سيما أنني كنت قد بدأت حياة جديدة فأنا تزوجت، ولم أعد عزباء وحرة للقيام بالمغامرات في الوقت الذي يحلو لي، فذهابي في المغامرة سيعني ترك زوجي لفترة طويلة، وعدم القدرة على التواصل معه لأيام بسبب غياب الاتصالات والانترنت والكثير من الخدمات التي تبقينا على اتصال بالعالم الخارجي. كنت في صراع بين: هل أنا أنانية لقيامي بذلك ولا أفكر بالأسرة التي قررت تأسيسها، أم يجب عليّ الذهاب لأسترجع ذاتي وأعيد الثقة بإمكاناتي؟ لم يساعدني المجتمع المحيط كثيراً، فمن حولي أخبروني أنّه عليّ التراجع وعدم ترك زوجي، مع العلم أن العكس كان سيحصل لو قرر رجل أن يخوض هذه المغامرة، فهو كان سيلقى كل الدعم حتى من شريكته... وهذا للأسف ما يواجهنا نحن النساء حيث نتعرض دائماً لجلد الذات وللنقد من الآخرين في حال وضعنا مصلحتنا قبل كل شيء، لأننا عوّدنا الفتاة منذ صغرها على أن تكون مضحية، تفكّر بغيرها قبل نفسها... وبعد أن تخطيت هذه المعضلة، راودتني شكوك أخرى متعلقة بقدرتي على تحمل السير لمسافات طويلة مع حمل أوزان ثقيلة في وقت لديّ الإصابة في ظهري، فأنا كنت سأحمل طعامي وشرابي وخيمتي طوال الوقت معي. وتخطيت هذه الأفكار السلبية أيضاً وانطلقت، وأنا لا أقول إنه كان أمراً سهلاً، ولكن في النهاية قلت لنفسي: ما هو أسوء ما سيحصل؟ في حال فشلت سأنسحب وأعود أدراجي ولكن سيكفيني أنني حاولت. لم يكن إقناع أمي سهلاً أبداً فهي خافت كثيراً من تواجدي في الجبال بمفردي من دون زوجي أو رجل ربما أخ أو أب برافقتي، ولكنني أخبرتها أنّ لا شيء يمكن أن يخيفني، ولو تعرضت لهجوم من دب، في هذه الحالة لن يتمكن زوجي حتى لو كان معي من حمايتي! في النهاية اقتنع الجميع ودعموني واستمروا بتشجيعي طوال فترة الرحلة.

ما هو أصعب ما عشتهِ في هذه الرحلة وما كان أجمله؟

الصعوبات كانت كثيرة جداً، فكل يوم كنا نختبر مختلف أنواع المشاعر: الحماس والسعادة والقوة واليأس والألم والخوف. واجهنا العواصف القوية والشتاء الغزير والصواعق في الغابات كما العطش الشديد في الصحراء، وربما هذا الأمر كان الأصعب، فأنا وشريكتي في الرحلة، كنا نحمل معنا قارورات المياه ونملؤها من أي مصدر مياه نجده ونقوم بفلترتها قبل الشرب، ولكن أحياناً كنّا نمضي أياماً طويلة من دون إيجاد مصدر مياه، فيكون علينا الحفاظ على ما لدينا، وهذا الأمر يعني الكثير والكثير من العطش، شعور لا يمكن وصفه، وأدركت حينها كم أننا نعيش مرفهين في حياتنا العادية، كل شيء حولنا، ولكننا لا نقدّر أبسط النعم على الرغم من أهميتها، وعرفت الكثير عن نفسي في الطبيعة، اختبرت العيش البدائي فيها، وأحببت الشعور كثيراً، وأدركت أنني لو لم أخض التجربة فلم أكن لأصل إلى العمق والمعرفة والثراء الروحي الذي وصلت له بعدها.

فكرت بالانسحاب أكثر من مرة، ولكنني كنت أتراجع، فلديّ قناعة أن لا أتخذ قراراً كبيراً حين يكون مزاجي سيئاً، وكنت أصعد إلى قمة جبلية وأجلس بمفردي ليومين، لأتأمل الجمال من حولي، وآخذ الوقت الكافي للتفكير بالسبب الحقيقي الذي جعلني آتي، وهكذا أسترجع القوة للاستمرار. والسؤال الذي لطالما حرّكني ودفعني لخوض هذه المغامرة هو: كيف سيكون الأمر لو عشنا في البراري مع كل العوامل الطبيعية ومن دون أي خدمات خارجية؟ وقد عرفت الجواب وكان مدهشاً ورائعاً بالفعل!

سأشارك هنا أمراً أثار جنوني خلال الرحلة وكان السبب الذي دفعني جدياً للتفكير بالانسحاب والذي ربما لن يصدق البعض أنه يمكن أن يكون بهذه القسوة والصعوبة وهو هجوم البعوض، فقد تعرّضنا أنا وشريكتي لهجوم منه على مدى أيام، كنّا نسير والبعوض يرافقنا بشكل كثيف، ولم نتمكن من الجلوس لتناول الطعام، لأننا نعرف أنه سيكون بالمرصاد، فكنّا نمشي ونمشي في محاولة تخطّيه، ولم تنفع كل المراهم والمساحيق التي استخدمناها للحماية منه، لدرجة أنني أخبرت زوجي أنني أريد الإنسحاب ولم أعد قادرة على التحمل وقد ضحك كثيراً! بالفعل هناك أمور قد تبدو تافهة ولكنها في الطبيعة لا تحتمل.

وبالنسبة لأجمل ما عشته، فهو السباحة في البحيرات التي مررنا بها في واشنطن التي كانت محطتنا الأخيرة. كان الأمر رائعاً والمياه باردة منعشة بشكل لا يصدق، والمناظر الطبيعية خلّابة، وكانت فكرة أن أستيقظ كل يوم على هذه المناظر التي اعتبرتها منزلي، مع الحيوانات الجميلة التي نصادفها، مذهلة بشكل لا يصدق وكأنني أمتلكت العالم، فأنا قادرة على التأقلم مع كل شيء وأي شيء، أنا أقوى نسخة عن نفسي، هذا ما أردته من هذه الرحلة وهذا ما حققته بالفعل!

بعد هذه التجربة، ماذا تقولين عن أهمية أن يظل الإنسان على تواصل مع الطبيعة لكي يعيش حياة نفسية وجسدية متوازنة وسليمة؟

لطالما أكدت على أهمية أن يقصد الإنسان الطبيعة حتى لو في عطلة نهاية الأسبوع، وذلك حتى قبل مغامرتي الأخيرة، حين كنت أعمل مع Husaak Adventures، وأنتظر نهاية الأسبوع لأذهب إلى الطبيعة، لكي أموّه عن نفسي، وقد تغيرت كثيراً للأفضل خلال تلك الفترة، وصرت أنصح عائلتي ورفاقي بأن يجرّبوا المغامرات في الطبيعة، وحصلت أيضاً تغييرات في حياتهم. المغامرة تسمح لنا بتوسيع آفاقنا، بالتعرف على أصدقاء من مختلف دول العالم، بالتواصل والتقارب مع الغير مهما اختلفت خلفياتنا، لأننا ببساطة مجموعة ناس مهتمون بالتحسّن والتطور، وهذا سيحصل حين نخرج من منطقة الراحة ونتعرّف على روعة الطبيعة التي نعيش ضمنها، فيصبح للوجع أو الجوع أو التعب حتى معنى آخر، ونعرف حينها كيف نتخلص من الضغوطات والمشاكل التي تعيقنا في
الحياة اليومية.

حدثينا عن تجربة التقديم التلفزيوني التي خضتها وكيف ساعدتكِ في مشاركة حب السفر والمغامرة مع الجمهور؟

لم أكن مقتنعة بهذه التجربة في البداية حين عُرضت عليّ لأنني أحب أن أحافظ على أصالة تجربتي وصدقها، فأبقيها بعيدة عن الاستعراض، ولكن نوع برنامج "وين الحين" التلفزيوني شجعني، فأنا سأظهر على طبيعتي مع مجموعة شابات جريئات وقويات، لذا وافقت واقتنعت أنني سأصل إلى أنماط أوسع من الجمهور، مختلفة عن متابعيني على إنستغرام وهم الأشخاص المهتمون مثلي بالسفر والمغامرة، لذا كانت تجربة جميلة جداً لأنها غيّرت كثيراً في شخصيات النساء في مجتمعنا السعودي، ولا سيما الأمهات وهنّ الأكثر مشاهدة للتلفزيون، حيث صرن أكثر تقبلاً لسفر بناتهنّ أو خوضهنّ للمغامرات، وهذا هو التغيير الذي أرغب في أن أراه حاصلاً في مجتمعي، وقد كان هدفاً أساسياً من بدئي بنشر أخبار وصور عن سفراتي ومغامراتي عبر وسائل التواصل، إذ لطالما أردت تشجيع شابات بلدي لعيش أحلامهنّ والسعي خلف كل ما يحببن القيام به.

لماذا قررتِ الابتعاد عن وسائل التواصل بعد عودتكِ من رحلتكِ الطويلة؟

بعد رحلة الألفي ميل شعرت بالرغبة في الابتعاد والتفكير بكل ما عشته، أردت بعض الخصوصية لأنني قدمت كل ما يمكنني مشاركته مع الجمهور، وأعيش حالياً بهدوء على جزيرة بعيدة مع زوجي، كما أعمل على مشروع كبير سيكون مفاجأة لجمهوري المحب للمغامرات والتغييرات الحياتية الكبيرة من خلال التقرب من الطبيعة. سأعود بالتأكيد ولكن حين أحس أنني مستعدّة، وحتى ذلك الحين، أستمتع بحياة هادئة ومريحة، حيث زادت إنتاجيتي أكثر بعيداً عن وسائل التواصل، ولديّ صفاء ذهني ونفسي كبير. 

اقرئي المزيد: العلا قديما أرض الخيرات وصلة وصل بين الحضارات

 
شارك