مشاهير

هيا خيرت: هدفي تقديم سينما تتسم بالطابع الشخصي والصدق العاطفي وتتمتع بعمق وبعد يلامس الجمهور

لا تذكر المخرجة المصرية هيا خيرت لحظة محددة أدركت فيها أنها تحب رواية القصص وإخراجها للنور، فهي بدأت استخدام الكاميرا في سن مبكرة جداً، حوالي السادسة، حيث أذهلتها فكرة تجميد اللحظة والاحتفاظ بها. وبحلول سن السادسة عشرة، أصبح التصوير الفوتوغرافي مجالاً ترغب في ممارسته بجدية. أحبت الرسوم المتحركة لأنها أتاحت لها مراقبة الزمن والسلوك والمشاعر والتغيرات. تقول “كنت دائماً مفتونة بالبشر؛ بكيفية تصرفهم، وما يخفونه، وما يكشفونه دون وعي منهم. أحب علم النفس وعلم الاجتماع والعلوم الإنسانية عموماً، وأعتقد أن هذا الفضول وجد مكانه الطبيعي في التصوير السينمائي. بالنسبة لي، أصبحت الكاميرا وسيلة لتأمل العالم عن كثب؛ لتأمل الناس والضوء والحركة والصمت والطبيعة والإيماءات الدقيقة… كل تلك الأشياء التي قد تمر دون أن يلحظها أحد ما لم يكن منتبهاً. وفي مرحلة ما، أدركت أن الأمر لم يكن مجرد شيء أحب القيام به، بل كان وسيلتي لفهم العالم، وطريقتي لنقل ما أراه للآخرين. ولعل تلك هي اللحظة التي تحول فيها الأمر من مجرد شغف إلى لغتي الخاصة”.. هي المصرية الأولى التي تحصل على جائزة مهرجان كان التشجيعية، اكتشفي قصتها في هذا اللقاء.

درست التصوير السينمائي في المعهد العالي للسينما، كيف صقلت الدراسة موهبتك وحبك لرواية القصص وساعدتك للدخول في مجال صناعة الدراما؟

منحتني دراسة التصوير السينمائي في المعهد العالي للسينما الأساس التقني الذي حوّل “الحدس” لديّ إلى أداة يمكنني التحكم فيها وتكرار نتائجها بوعي. قبل ذلك، كنت أدرك شغفي بالصورة وفن السرد القصصي، لكن الدراسة الأكاديمية علمتني فهم عناصر الضوء، والعدسات، والتعريض الضوئي، وتكوين الكادر، وحركة الكاميرا، والأهم من ذلك كله: آلية العمل المشترك بين مختلف الأقسام في موقع التصوير. زودتني هذه الدراسة بلغة صناعة الأفلام، كما أنها رسّخت لديّ قيمة الانضباط؛ فامتلاك الحدس الفني أمر، والقدرة على ترجمة هذا الحدس إلى شيء ملموس يمكن لطاقم العمل فهمه وتنفيذه أمر مختلف تماماً. وعلى الصعيد المهني، كانت تلك الدراسة بوابتي لدخول هذا المجال؛ إذ بدأت التدريب العملي في مواقع التصوير في سن مبكرة، وشغلت أدواراً متنوعة تتعلق بالكاميرا والإضاءة قبل أن أتخصص أكثر في التصوير السينمائي ثم أنتقل لاحقاً إلى الإخراج. تعلمت ضبط الإيقاع، وحل المشكلات، ومهارات التواصل، والتعامل مع ضغوط العمل، وكيفية الحفاظ على جوهر الفكرة مع مراعاة الواقع العملي لذا أرى أن المعهد منحني الأساس المتين، بينما منحتني مواقع التصوير الخبرة العملية والمهارة الراسخة؛ وكان هذا المزيج بينهما هو العامل الحقيقي الذي صقل شخصيتي ومساري المهني.

ما هي الأفلام التي تأثرت بها والمخرجين والمصورين الذين أثروا خطك الفني؟

أعتقد أن بعض الأفلام أثرت فيّ قبل أن أدرك حتى أنها كانت تؤثر فيّ. كان فيلم (A Little Princess) من أوائل تلك الأعمال؛ إذ كنت في السادسة من عمري تقريباً حين شاهدته، ولسبب ما، ربطته ارتباطاً وثيقاً بنفسي وبعلاقتي بوالدي. ومع تقدمي في العمر وازدياد وعيي باللغة البصرية، أصبح تيرينس ماليك مؤثراً كبيراً في مساري، ولا سيما من خلال تعاوناته مع لوبيزكي. لقد أحببت الحرية التي يتسم بها أسلوبه السينمائي وذلك الشعور بأن الكاميرا تكتشف الحياة بدلاً من أن تتحكم فيها. أحب الأفلام التي يجمعها التزام تام بشعور معين، وعالم محدد، ووجهة نظر خاصة؛ إذ نجحت تلك الأفلام في إثارة مشاعر بداخلي قبل أن أتوقف يوماً لتحليل كيفية تحقيقها لذلك الأثر. وأعتقد أن هذا هو جوهر ما أستلهمه من صناع الأفلام الذين أثروا فيّ؛ فأنا لا أهتم بإعادة إنتاج صورهم بقدر اهتمامي بفهم ما منحني إياه عملهم من إذنٍ وحرية: أن أكون أكثر تحرراً، وأكثر اعتماداً على الحدس والعاطفة، وأكثر صدقاً في التعبير عن رؤيتي الخاصة.

عملت كمساعدة أول مصور لمسلسلات تلفزيونية مهمة مثل “أفراح القبة” و”لا تطفئ الشمس” و”الرحلة”، إلى أي مدى عكست رؤيتك الفنية من خلال موقعك؟

في تلك المرحلة، لا أعتقد أن دوري كان يتمحور فعلياً حول عكس رؤيتي الفنية الخاصة؛ فبصفتي مساعداً أول لمدير التصوير، كانت مسؤوليتي تكمن في استيعاب رؤية مدير التصوير والمساعدة في تنفيذها بأقصى درجات الدقة. أكون قريبة جداً من الكاميرا والممثلين والعدسات وحركة التصوير وكافة القرارات التقنية، لكني في النهاية موجودة لخدمة لغة بصرية وضع أسسها المخرج ومدير التصوير بالفعل. وأعتقد أن ذلك كان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لي؛ فعلى الرغم من أنني لم أكن أعبّر بالضرورة عن رؤيتي الخاصة آنذاك، إلا أنني كنت بصدد تشكيلها وبنائها. لقد كانت تلك المشاريع من بين التجارب التي رسخت قناعتي برغبتي في العمل كمخرجة، وأن أفعل ذلك في أقرب وقت ممكن.

التصوير جزء أساسي من اكتمال فكرة العمل، كيف تصفين علاقتك بالمخرج وطاقم العمل التمثيلي وإلى أي مدى يلعب الانسجام بين صانعي العمل دوراً في إيصال فكرته بصدق وقوة إلى المشاهد؟

لم أعمل بشكل متواصل كمصورة سينمائية منذ فترة طويلة؛ ففي السنوات الماضية، أصبح الإخراج الجزء الأكبر من مسيرتي المهنية، ولم أعد أصور سوى مشاريع مختارة من حين لآخر. لكنني أعتقد في الواقع أن هذا الأمر جعلني أفهم هذه العلاقة بشكل أعمق، لأنني خضت التجربة من كلا الجانبين. بالنسبة لي، يجب أن تبدأ العلاقة بين المخرج والمصور السينمائي بالتفاهم المتبادل، لا بمجرد التنفيذ؛ إذ يحتاج المصور إلى فهم ما يحاول المخرج استشعارَه وإيصاله، وليس فقط ما يحاول رؤيته بصرياً. أحياناً، قد لا يمتلك المخرج حتى المصطلحات التقنية لوصف الصورة التي يتخيلها في ذهنه ولا يُشترط أن يمتلكها بالضرورة؛ فالمهمة تكمن في إيجاد لغة مشتركة تتحول فيها المشاعر في نهاية المطاف إلى عناصر ملموسة: الضوء، والعدسة، والحركة، والمسافة، وتكوين الكادر. وأعتقد أن الثقة هي الركيزة الأساسية في هذه العلاقة؛ فعندما أتولى الإخراج، أحتاج إلى الشعور بأن الشخص الموجود خلف الكاميرا يدرك البُعد العاطفي للعمل بعمق كافٍ يغنيني عن التحكم في كل قرار تقني، فأنا أريده أن يضفي لمسته الشخصية أيضاً. عندما يتناغم المخرج ومدير التصوير وطاقم التمثيل وبقية الفريق الإبداعي مع الجوهر العاطفي ذاته، قد لا يدرك الجمهور تماماً سبب شعورهم بأن العمل متقن لكنهم يلمسون ذلك الشعور.

كنت المصرية الأولى التي تحصل على جائزة مهرجان كان التشجيعية. ما الذي عناه لك هذا التكريم، وكيف ساهم في بلورة موهبتك الفنية وتسليط الاضواء عليها؟

الفوز بجائزة (Angénieux) التشجيعية في مهرجان كان عنى لي الكثير، ففي تلك المرحلة من مسيرتي المهنية، كنت قد عملت لسنوات، لكنني كنت لا أزال أشكك كثيراً في صوتي الفني؛ فلغتي البصرية تتسم بالبساطة والعفوية والفطرية. تستهويني بشدة اللحظات الواقعية، والضوء الطبيعي، وعدم المثالية، وتلك السمة التي تكاد تكون “هاوية” في اكتشاف الأشياء أثناء حدوثها. ولأن هذا الأسلوب لا يُعتبر دائماً مواكباً للموضة أو مبهراً من الناحية التقنية البحتة، كنت أتساءل مراراً عما إذا كان عملي يتمتع بالتميز الكافي، أم أن الناس يرونه بسيطاً أكثر من اللازم. لذا، كان التقدير الذي نلته عن مجمل أعمالي وليس عن فيلم محدد بمثابة تأكيد قوي ومهم لي. ولعل أكثر ما علق في ذاكرتي من مهرجان كان هو سماع عبارات تكررت على ألسنة من التقيتهم هناك: “نحن نراكِ ونرى عملكِ، واصلي المسير”. لقد منحني ذلك نوعاً من الثقة لم أكن قد سمحت لنفسي بالكامل باكتسابها من قبل. بالطبع، منحتني الجائزة أيضاً حضوراً دولياً وعرّفت دائرة أوسع من صُنّاع الأفلام والمحترفين في هذا المجال بأعمالي، لكنني أعتقد أن أثرها الأكبر كان داخلياً؛ فقد جعلتني أثق أكثر بطريقتي الخاصة في الرؤية.

إخراج فيلمك الأول بات قريب بعد أن تم اختيارك للمشاركة في .chaosfilms2022 lab هل أنت اليوم مستعدة لهذه البداية؟ ما هي الفكرة التي اخترتها لفيلك الأول؟

عملتُ في مجال الإخراج لسنوات، لكن إنجاز فيلمي الروائي الأول يبدو وكأنه بداية مختلفة تماماً؛ ففي مجال الإعلانات، تعلمتُ كيف أوجه الممثلين، وأبني العوالم، وأتواصل مع طواقم العمل، وأحوّل المشاعر إلى صور مرئية. ومن هذا المنطلق، أشعر بالفعل أنني مستعدة. غير أن هذا الفيلم يتطلب مني كشفاً أعمق لمشاعري وجوانب ضعفي؛ إذ لا أزال أشعر برغبة عارمة في حماية القصة ذاتها، فهي تبدو لي الآن أشبه بطفلٍ وليد، ولذا لست مستعدة بعد للإفصاح عن تفاصيل أحداثها. كل ما يمكنني قوله هو أن الفيلم ذو طابع شخصي للغاية، وينبع من تساؤلات حول الذاكرة، والارتباط، والعائلة، والحب، والغياب. لقد تحولت عملية الكتابة إلى ما يشبه جلسة علاج نفسي طويلة مع الذات؛ فلطالما كانت هناك أمور في حياتي تسبب لي ألماً عميقاً سواء كانت علاقات، أو أنماطاً سلوكية وجدت نفسي أكررها، أو تساؤلات عجزت عن إيجاد إجابات شافية لها. وبطريقة ما، ومن خلال كتابة هذا الفيلم، بدأت أكتشف الروابط الخفية بين تلك الأمور. فإذا شاهد شخص واحد هذا الفيلم ووجد فيه انعكاساً لجزء من ذاته، أو إذا ساعده ذلك على فهم أمرٍ كان يعجز عن تسميته أو منحه ولو قدراً بسيطاً من الشعور بالسكينة والرضا، فسأشعر حينها أنني قد حققت الفوز بالفعل. ولعل هذا هو السبب في أن هذا الفيلم يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لي؛ فهو ليس مجرد قصة أرغب في سردها، بل هو أمرٌ كنت بحاجة إلى فهمه، وربما -من خلال روايته- يتمكن شخص آخر أيضاً من فهم شيءٍ ما عن نفسه.

كونك امرأة وشابة، أين تقع قضايا ومشاكل النساء من الأفكار التي تنوين طرحها؟

أنا امرأة، لذا فإن فهمي للحب، والأسرة، والعلاقات، والطموح، والخوف، والحرية، والتوقعات، وحتى الطريقة التي نُعلَّم بها أن نرى أنفسنا، يتشكل حتمًا من خلال هذه الحقيقة. أنا مهتمة بالأمور الأكثر هدوءًا وتعقيدًا التي تحملها النساء: الأدوار التي يُتوقع منا أن نلعبها، والطرق التي نتعلم بها أحيانًا أن نتقلص أو نتكيف والجهد العاطفي الذي يصبح طبيعيًا لدرجة أننا نتوقف عن ملاحظته، والتوتر بين ما نريده حقًا وما تُرَبَّينا على أننا يجب أن نريده. لكنني مهتمة أيضًا بالنساء خارج نطاق الكفاح.. تناقضاتهن، روح الدعابة لديهن، رغبتهن، رقتهن، طموحهن، أخطائهن، أنانيتهن، قوتهن، ضعفهن كل ما يجعلهن بشرًا بكل معنى الكلمة. لا أريد تحويل النساء إلى رموز أو اختزالهن إلى مجرد قضية. أريد تصويرهن كبشر متكاملين. وبطبيعة الحال ستكون الأنوثة حاضرة فيها فالنساء كائنات متعددة الأوجه، مخلوقات بالغة التعقيد وأعتقد أننا بحاجة إلى المزيد من النساء ليروين قصصًا عن النساء.

لماذا لا تحقق معظم أفلام المهرجانات النجاح التجاري حين تعرض أمام الجمهور العريض؟

لا أعتقد أن أفلام المهرجانات “تفشل” تجارياً بالضرورة لكونها أقل نجاحاً كأعمال سينمائية؛ ففي كثير من الأحيان، تكون هذه الأفلام ببساطة ناطقة بلغة سينمائية مختلفة. إذ يُتاح لأفلام المهرجانات أن تتسم بإيقاع أبطأ وطابع أكثر هدوءاً وغموضاً وذاتية، كما أنها قد لا تكترث كثيراً بمنح الجمهور إشباعاً فورياً؛ فهي قد تتطلب صبراً أكبر من المشاهد أو تترك بعض الأسئلة بلا إجابة. وفي المقابل، غالباً ما يعتاد جمهور الأفلام التجارية السائدة على إيقاع مختلف وأسلوب سردي أكثر وضوحاً. ومع ذلك، أرى أن لعوامل التوزيع والتسويق دوراً هائلاً أيضاً؛ ففي بعض الأحيان، تُقدَّم هذه الأفلام للجمهور بوصفها أعمالاً بعيدة المنال أو صعبة الفهم أو “نخبوية وفنية بحتة” قبل أن تتاح للناس فرصة حقيقية للتفاعل معها، مما يجعل الفجوة بينها وبين الجمهور فجوة نفسية كذلك. بالنسبة لي، لا يكمن التحدي المثير للاهتمام في تحويل أفلام المهرجانات إلى أفلام تجارية، أو جعل الأفلام التجارية أكثر “فنية”، بل في إيجاد سبل لصناعة سينما صادقة وذات طابع شخصي، وفي الوقت نفسه قادرة على استقطاب الجمهور ودعوته للدخول في عالمها. وأعتقد أن أقوى الأفلام غالباً هي تلك التي تجمع بين الأمرين معاً: صوت فني متفرد ومميز، وبوابة عاطفية تتيح لجمهور أوسع نطاقاً التفاعل مع العمل.

كيف غيّرت المنصات مسار صناعة الدراما والسينما بشكل خاص؟

غيّرت منصات البث الرقمي تماماً الطريقة التي تنتشر بها القصص، لقد أتاحت هذه المنصات للأفلام والمسلسلات الوصول إلى جماهير كان من شبه المستحيل الوصول إليها في السابق. إذ يمكن لقصة ذات طابع محلي بحت أن تجد فجأةً مشاهدين في بلدان مختلفة تماماً، وأعتقد أن هذا الأمر شجّع صنّاع الأفلام على الثقة أكثر في الخصوصية الثقافية والمحلية لأعمالهم. ليس من الضروري دائماً صياغة العمل بطابع “عالمي” لكي يحقق انتشاراً واسعاً؛ ففي بعض الأحيان، كلما كان العمل متجذراً في بيئته المحلية، زادت جاذبيته وإثارته لاهتمام الجمهور في أماكن أخرى. كما أحدثت هذه المنصات تغييراً في أشكال الأعمال الفنية؛ فأصبحنا نرى مواسم أقصر، ومسلسلات محدودة الحلقات، ومرونة أكبر في مدة الحلقة، ومساحة أوسع لقصص ربما لم تكن لتلائم القوالب التلفزيونية التقليدية. وفي الوقت نفسه، غيّرت خدمات البث الطريقة التي نستهلك بها القصص؛ إذ أصبحنا نشاهد حلقات متتالية (بنمط المشاهدة المكثفة)، ونتخطى بعض المشاهد، ونشاهد المحتوى أثناء القيام بمهام أخرى، مما جعل جذب الانتباه معركةً أكثر صعوبة وتحدياً. وهذا يؤثر حتماً على الإيقاع، وأسلوب الكتابة، وحتى على طريقة تطوير المشاريع الفنية. وأعتقد أن هناك جانباً آخر للأمر أيضاً: فبما أن المنصات تمتلك كميات هائلة من البيانات حول ما يشاهده الناس ومتى يتوقفون عن المشاهدة، فإن هناك دائماً خطراً يتمثل في أن يصبح الإبداع خاضعاً بشكل مفرط لأنماط وخوارزميات محددة. فإذا بدأ الجميع في السعي وراء ما أثبت نجاحه سابقاً، فقد ينتهي بنا المطاف بقصص تبدو متشابهة بشكل متزايد. لذا، وبالنسبة لي، أرى أن البث الرقمي قد خلق فرصاً هائلة، لا سيما للأصوات الإبداعية التي ربما كانت ستواجه صعوبة في إيجاد مساحة لها في السابق. لكن التحدي يكمن في استغلال هذه الفرص دون السماح للتكنولوجيا أو السوق بفرض قيود على الخيال؛ إذ ينبغي للمنصة أن تساعد القصة في الوصول إلى الناس، لا أن تقرر هيئة القصة أو مسارها.

ما هو برأيك دور السينما في إلقاء الضوء على قضايا مهمة في المجتمعات العربية؟ كيف تسعين من خلال ممارساتك الفنية والمهنية، إلى الحفاظ على الفن والثقافة المصرية وتقديمهما بصورة تحاكي جيل اليوم؟

لطالما دار جدل حول ما إذا كان ينبغي للسينما أن تحمل رسالة أم لا، ولا أعتقد أننا سنصل يوماً إلى إجابة قاطعة لهذا السؤال. لكن بالنسبة لي، فالسينما تحمل رسالة بالفعل؛ ليس بالضرورة بمعنى إملاء طريقة التفكير على الناس، بل لأن السينما فعلٌ مقصود؛ فهي تجعلك تشعر بشيء ما، أو تلاحظ أمراً، أو تفهم شيئاً بمنظور مختلف، بل وتجعلك أحياناً تستشرف المسار الذي قد يتخذه المجتمع. إنني أرى السينما مرآةً للمجتمع وقوةً مؤثرة فيه في آن واحد. وفيما يتعلق بالحفاظ على الثقافة المصرية والعربية، أرى أن الحفاظ لا يعني النظر الدائم إلى الماضي، ولا يعني التعامل مع الثقافة وكأنها معروضات داخل متحف؛ فالثقافة كائن حي يتغير بتغيرنا. إنها حاضرة في بيوتنا وشوارعنا وموسيقانا ولغتنا وطقوسنا وعمارتنا وألواننا وروح الدعابة لدينا وأقمشتنا ومقتنياتنا وطعامنا وحرفنا اليدوية، وفي طريقة حديث الناس بعضهم مع بعض، وطريقة تجمّع العائلات، وتعايش الأجيال، وفي التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية المصرية. أريد لهذه العناصر أن تكون حاضرة بشكل طبيعي في أعمالي، دون مبالغة أو تحويلها إلى مجرد رموز تزيينية لمجرد أنها مألوفة ثقافياً. وفي الوقت نفسه، أعتقد أننا بحاجة إلى مزيد من الثقة بجذورنا وهويتنا؛ فأحياناً أشعر أننا أصبحنا مهووسين بالظهور بمظهر عصري أو عالمي أو تقدمي لدرجة أننا بدأنا نتخلى عن السمات التي تمنحنا تفرّدنا؛ إذ أصبحت بيوتنا تميل إلى الطابع الأوروبي، وألواننا أكثر خفوتاً، وتوجهاتنا الفنية أكثر بساطة ونعومة (خالية من التباين والملمس الغني)، وبدأنا نربط الرقيّ -بطريقة ما- بالابتعاد عن ملامحنا وهويتنا الأصلية. وأعتقد أن هذا فخٌ نقع فيه. لسنا بحاجة إلى التقليل من شأن أنفسنا لنحظى بتقدير المجتمعات الأخرى؛ بل على العكس تماماً، أؤمن بأن كلما كنا أكثر صدقاً مع جذورنا وشعوبنا، أصبحت سينمانا أكثر تميزاً. لطالما بلغت السينما المصرية ذروة قوتها حين وثقت في هويتها الخاصة؛ حين كان المصريون يظهرون ويتحدثون ويعيشون ويتصرفون بطبيعتهم المصرية، وحين كان صناع الأفلام يثقون بأن الجانب الإنساني في تلك القصص قادر على الوصول إلى العالم. وهذه هي الطريقة التي أرى أنها تتيح للثقافة أن تلامس وجدان الجيل الشاب؛ إذ تمنح التقليد والحداثة فرصة التعايش في إطار واحد، وتُظهر كيف يرتدي الناس ملابسهم، ويتحدثون، ويحبون، ويتجادلون، ويصلّون، ويحتفلون، ويكافحون، ويتغيرون في واقعنا اليوم، مع احتفاظهم في الوقت ذاته بكل ما ورثوه عمن سبقوهم. هذا هو الجوهر الذي أسعى لحمايته في أعمالي؛ فلا أريد لثقافتنا أن تتحول إلى مجرد عنصر تجميلي أو ديكور، ولا أريدها أن تُمحى في خضم السعي للظهور بمظهر عصري. أريد أن أُبرز قدرتنا على التطور دون أن نفقد صلتنا البصرية بجذورنا؛ فالحفاظ على الثقافة -في نظري- لا يعني تجميدها عند لحظة زمنية معينة، بل يعني توثيق استمرار تطورها دون التخلي عن حقيقة جذورها. فجذورنا ليست عقبة يجب تجاوزها لننال الاعتراف والتقدير، بل قد تكون هي السبب ذاته الذي يجعلنا جديرين بهذا التقدير.

ما الذي يبحث عنه جيل اليوم من خلال الدراما والسينما؟

أعتقد أن جيل اليوم يبحث عن الصدق قبل كل شيء؛ فهم يمتلكون إمكانية الوصول إلى كم هائل من المحتوى من شتى أنحاء العالم، مما يعرضهم لثقافات ولغات بصرية وأساليب سرد قصصي متنوعة للغاية. ولهذا السبب، أرى أن لديهم قدرة فائقة على استشعار أي عمل يبدو مصطنعاً أو متكلفاً في صقله أو منفصلاً عن واقع حياة الناس. إنهم يرغبون في رؤية أنفسهم منعكسة في الأعمال الفنية؛ ليس بالضرورة بشكل حرفي ومباشر، بل على الصعيد العاطفي. إنهم يبحثون عن شخصيات تتسم بالتناقض وعدم المثالية والتعقيد، وعن علاقات لا تخضع دائماً لتعريفات نمطية محددة، وحوارات تبدو وكأنها حديث بشري واقعي وتلقائي. كما يتطلعون إلى قصص تدرك وتعبّر عن حالة الحيرة والوحدة، وتساؤلات الهوية، والديناميكيات المتغيرة التي يعيشها.. أعتقد أن هذا الجيل يتوق إلى الشعور بأن صوته مسموع ومُقدَّر، لا أن يُوجَّه إليه الكلام والنصح فحسب.

ما هي أجدد مشاريعك على الشاشة، وخططك لمستقبلك المهني؟

أواصل العمل في إخراج الأفلام والحملات الإعلانية، وهو مجال لا أزال أستمتع به كثيراً نظراً للاختلاف الكبير الذي يميز كل مشروع عن الآخر. غير أن المشروع الذي أكرّس له مشاعري واهتمامي الأكبر حالياً هو فيلمي الروائي القصير الأول؛ إذ أعتبره بحق بوابتي الحقيقية لدخول عالم السينما، وبداية لفصل جديد طالما تطلعتُ لخوض غماره. والواقع أنني لا أرى هذه القصة تنتهي عند حدود فيلم واحد؛ فهي قصة غنية بالتفاصيل ومتعددة الطبقات، وأثناء تطويرها أدركتُ أن هناك جوانب أخرى لهذا العالم العاطفي تستحق أن تُصاغ في أفلام مستقلة. لذا، يحدوني الأمل -إذا ما نجح هذا الفيلم القصير الأول في ملامسة مشاعر الجمهور كما أرجو- أن أواصل البناء عليه من خلال أفلام أخرى تستكشف جوانب ومراحل مختلفة من هذا العالم العاطفي ذاته. كما أطمح إلى مواصلة الجمع بين الإخراج والتصوير السينمائي كلما أتاح المشروع المناسب ذلك، فهذا المزيج لطالما كان أمراً بالغ الأهمية بالنسبة لي. ولكن قبل كل شيء، آمل أن يكون هذا الفيلم القصير بمثابة بوابةٍ نحو ذلك النوع من السينما الذي أرغب في مواصلة تقديمه: سينما تتسم بالطابع الشخصي والصدق العاطفي، وتتمتع بعمقٍ يجعل فيلماً واحداً -أحياناً- غير كافٍ لاستيعاب كل ما أريد استكشافه.

اقرئي المزيد: فرح الهاشم: الإخراج يسمح لي بعكس التجربة الإنسانية بحقيقتها وملامسة الجمهور من خلالها

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

JEDDAH, SAUDI ARABIA - DECEMBER 10: Haya Alghanim attends the "The Voice of Hind Rajab" screening at the Red Sea International Film Festival 2025 on December 10, 2025 in Jeddah, Saudi Arabia. (Photo by Vittorio Zunino Celotto/Getty Images for The Red Sea International Film Festival)

هيا الغانم: أوثق في أفلامي قصة امرأة لم تنتقل تجربتها إلى الشاشة أو تم تجاهلها

في المشهد الفني الكويتي، تبرز المخرجة والكاتبة هيا الغانم التي أحبّت الأفلام

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram