في المشهد الفني الكويتي، تبرز المخرجة والكاتبة هيا الغانم التي أحبّت الأفلام منذ صغرها وقررت أن تخوض بنفسها مجال صناعة الدراما فدرست لتحصل على ماجستير في الفنون الجميلة في مجال صناعة الأفلام من جامعة كولومبيا، وقد عُرضت أعمالها في مهرجانات ومؤسسات عالمية، منها مؤسسة الشارقة للفنون والمتحف العربي الأمريكي القومي. تعرفي على رؤيتها الفنية في هذا اللقاء.
كيف أدركتِ أن سرد القصص بما فيها الكتابة والإخراج وتحويل ما دوّنتِه على الورق إلى واقع ملموس هو شغفكِ الحقيقي؟
لطالما تخيلتُ عوالم وواقعاً بديلاً منذ صغري، وكنتُ أنتقل إليها عبر الأفلام الكثيرة التي شاهدتها خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة. وعندما أتيحت لي فرصة دراسة السينما في الجامعة، حصلتُ أخيراً على الأدوات والمهارات اللازمة لبلورة القصص التي أردتُ رؤيتها وشعرتُ بضرورة أن يراها الآخرين.
حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة (MFA) في صناعة الأفلام من جامعة كولومبيا ودرجة البكالوريوس من جامعة “ذا نيو سكول”، كيف ساهمت سنوات دراستكِ في تشكيل رؤيتكِ الفنية؟
ساعدت جامعة “ذا نيو سكول” في تشكيل رؤيتي الفنية من خلال توفير بيئة داعمة منحت الأولوية للحرية الإبداعية والتجريب لأول مرة. واصلتُ تعليمي في كلية السينما وحصلتُ على الماجستير في الفنون الجميلة (تخصص سينما) من جامعة كولومبيا، حيث كان التركيز منصباً بشكل أكبر على الجوانب العملية للصناعة. لذا أؤكد دائماً على أهمية التعليم المستمر والانفتاح على تجارب جديدة بالنسبة للفنان؛ فأنا أتعلم باستمرار أشياء جديدة تدعم ممارستي المهنية ومساري الوظيفي، وتتيح لي أيضاً مواكبة التغيرات والتطورات المستمرة في هذا المجال الحيوي.
ما هي الأفلام والمخرجون الذين أثّروا في أسلوبكِ الفني؟
هناك العديد من الأفلام والمخرجين الذين تركوا بصمة في أعمالي بطرق مختلفة. وإذا أردتُ اختيار بعض الأعمال التي ألهمت أسلوبي الإخراجي بقوة، فأذكر فيلم “Monsoon Wedding” للمخرجة ميرا ناير، وفيلم “As I Open My Eyes” للمخرجة ليلى بوزيد، وفيلم “Fish Tank” للمخرجة أندريا أرنولد. أما بالنسبة لصنّاع الأفلام الذين أثروا فيّ من خلال مجمل أعمالهم ومسيرتهم المهنية، فأذكر صوفيا كوبولا، ولوكريسيا مارتيل، وسوزان سيدلمان.
كيف توازنين بين أدواركِ كمخرجة وكقائدة لفريق العمل في موقع التصوير، وكيف تصفين نفسكِ أثناء العمل؟
يشبه موقع تصوير الفيلم الكائن الحي؛ فكل فرد فيه يمثل جزءاً مختلفاً من هذا الجسد، وهو جزء حيوي لصحة وعمل الكيان بأكمله. أشبّه الأمر بقيادة السفينة، حيث يعتمد البقاء والنجاح على العمل الجماعي. نحن في موقع التصوير نشكل وحدة واحدة، وغياب أي جزء أو حصول مشكلة مع أي عنصر قد يؤثر سلباً على الفيلم بأكمله. كما نحتاج إلى إيقاع مشترك يوجهنا نحو وجهتنا النهائية: أي الفيلم المكتمل، لضمان النجاح.
هل تكون لديكِ رؤية واضحة لشكل الفيلم قبل بدء التصوير، أم أن العمل مع الممثلين يُغيّر النتيجة النهائية أو يصقلها؟
في الأفلام الروائية، أسعى غالباً إلى تنفيذ الرؤية بالكامل في موقع التصوير بناءً على كل ما أعددناه مع طاقم التمثيل وفريق العمل، لكنني أظل منفتحة دائماً على المفاجآت. في حال كانت الأمور مثالية، فنحن حقاً نود الحصول على وقت كافٍ لتصوير كل ما خططنا له، مع وقت إضافي يتيح لنا مساحة للتجريب واكتشاف أفكار جديدة، لكن هذا نادراً ما يحدث. ومع ذلك، فأنا أعمل حالياً على مشروع مع شريك سيؤدي دور البطولة فيه، مما يستلزم تعاوناً أكبر مع الممثلين منذ مرحلة الكتابة نظراً لطبيعة الفكرة. أما في الأفلام الوثائقية، فالعملية أكثر مرونة وتغيراً؛ إذ أكتشف أشياء جديدة دائماً أثناء التصوير، وتتبلور أجزاء كبيرة من القصة في مرحلة المونتاج.
تتشارك أعمالكِ ولا زال، سهرة مع ليلى، مكان ثاني و Labor Day في تركيزها على قضايا المرأة. ما هي أكثر القضايا إلحاحاً التي تتعلق بالمرأة وتحتاج إلى تسليط الضوء عليها؟
الجانب الأهم بالنسبة لي عند تسليط الضوء على قصص النساء في أفلامي هو السعي لإبراز وجهات نظر جديدة، لا سيما تلك المتعلقة بالمرأة العربية والخليجية. ومع كل امرأة أوثق قصتها أو شخصية أكتبها، آمل أن أنقل إلى الشاشة تجربة لم تُعرض من قبل أو تم تجاهلها في سياق تمثيل المرأة.
عرضت أفلامكِ في العديد من المهرجانات المحلية والدولية. من وجهة نظركِ، ما مدى أهمية المهرجانات في تكريم المخرجين وعرض أفكارهم على جمهور أوسع؟ وهل تُعد أيضاً ملتقى للمواهب ومساحة لازدهار الحوار بين الثقافات؟
تُعد المهرجانات منصات قيّمة لتقدير والاحتفاء بالجهد الكبير الذي يبذله كل من شارك في صناعة الفيلم؛ فهي تمنحنا فرصة الشعور بالوصول إلى خط النهاية -وهو أمر صعب في أي فيلم- ومشاهدة أعمالنا على الشاشة الكبيرة مع الجمهور. وبالإضافة إلى كونها مساحات جوهرية تتيح لصنّاع الأفلام والمحترفين في هذا المجال التواصل وبناء العلاقات، تلعب المهرجانات دوراً حاسماً في تحديد الأفلام الجديرة بالاختيار ضمن برامجها، ومن خلال جمهورها، تحدد أيضاً صنّاع الأفلام الذين سيحظون في النهاية باهتمام قطاع الصناعة.
ما هو الإنجاز الذي تفتخرين به أكثر في مسيرتكِ الإبداعية؟
أكثر ما أفتخر به هو قدرتي على رصد التطور المستمر في مسيرتي المهنية وأعمالي؛ ويتجلى ذلك في تعميق روابطي بالكويت والعالم العربي مع كل مشروع جديد، وفي ازدياد معرفتي بنفسي وبالعالم من خلال كل تجربة، فضلاً عن توسع نطاق أعمالي ونموها مع كل مشروع أنجزه.
لماذا لا تحقق معظم الأفلام التي تُعرض في المهرجانات النجاح التجاري عند طرحها للجمهور العام؟
إذا كان السؤال يدور حول سبب عدم تحقيق الأفلام المختارة للمهرجانات نجاحاً في شباك التذاكر أو عبر منصات البث الرقمي، فالسبب يعود إلى حد كبير إلى نماذج التوزيع والأعمال غير المواتية. كما يلعب المشهد الإعلامي والرقمي الحالي دوراً محورياً في تشكيل سلوك الجمهور وتوجهاته؛ لذا يتعين على صناعة السينما وصنّاع الأفلام تعلم كيفية التعامل مع جمهور اليوم والتكيف مع متطلباته بدعم من المؤسسات الثقافية وفي الوقت نفسه، لا بد من تحفيز الجمهور على التفاعل مع الأفلام غير التجارية وغيرها من أشكال الفنون والثقافة.
كيف غيّرت منصات البث الرقمي مشهد الدراما والسينما على وجه الخصوص؟
تُعد السينما مجرد شكل واحد من أشكال المحتوى بالنسبة لمنصات البث؛ فهي لم تُغيّر طبيعة الدراما أو أفلام السينما الفنية (arthouse) كأنواع فنية بحد ذاتها، لكنها أثرت بشكل كبير على الصناعة من حيث التمويل والتوزيع، ومدى إقبال الجمهور على مشاهدة الأفلام في دور العرض والتفاعل مع أشكال إعلامية ذات طابع ثقافي أو فني، وهو أمر لا يصب دائماً في مصلحة منصات البث. كما أدى صعود خدمات البث إلى التأثير على استعداد المستثمرين لدعم صنّاع الأفلام مادياً في العالم العربي، وهو عامل لم يكن يؤخذ في الحسبان سابقاً عند السعي لتمويل فيلم ما.
حدثينا عن فيلمك الروائي الطويل الأول Road 250 فكرته وسياقه، وكيف تختلف مرحلة التحضير له عن الفيلم القصير؟
يدور سيناريو الفيلمي حول دراما تتناول مرحلة النضج، حيث يروي قصة مراهقة في الكويت تواجه اختباراً للبقاء تفرضه عليها ظروف مجتمعها. وبما أن مدة الفيلم تتجاوز 80 دقيقة وهي مدة تفوق بكثير أي عمل كتبته أو أخرجته سابقاً، فإن عملية التطوير والتحضير تتطلب بطبيعة الحال وقتاً وجهداً أكبر، والأهم من ذلك، ميزانية ضخمة مقارنة بالأعمال السابقة. وتتمثل أصعب مرحلة في العملية والتي ما زلنا نعمل على تجاوز تحدياتها في تأمين التمويل؛ إذ أن تكلفة التصوير في الكويت ومنطقة الخليج عموماً باهظة للغاية، لا سيما في ظل محدودية الوعي والبنية التحتية اللازمة لدعم الإنتاجات المستقلة.
حصل السيناريو على دعم لتطويره من “الهيئة الملكية للأفلام – الأردن” و”مختبر البحر الأحمر للأفلام الروائية الطويلة”. إلى أي مدى يساهم هذا الدعم في تمكين المخرجين الشباب من إطلاق مشاريعهم بفعالية ومشاركة أفكارهم على نطاق أوسع، لا سيما وأن نقص الدعم المالي يُعد تحدياً يواجه العديد من صناع الأفلام العرب الشباب؟
لقد كانت “الهيئة الملكية للأفلام – الأردن” ومختبر البحر الأحمر للأفلام الروائية داعمتين لأعمالي ولمسيرة العديد من صناع الأفلام المستقلين الآخرين، ليس فقط من خلال الموارد التي يوفرونها، بل أيضاً عبر مساهماتهم في نمو صناعة السينما الإقليمية. لا يقتصر الدعم المؤسسي على إتاحة الفرص لنا لتطوير مشاريعنا وإنتاجها فحسب، بل يخلق أيضاً بيئات تتيح لصناع الأفلام والمحترفين في هذا المجال الالتقاء والتعرف على أعمال بعضهم البعض، مما يمهد الطريق لفرص التعاون المشترك.
من وجهة نظرك، ما هو الدور الذي تلعبه السينما في تسليط الضوء على قضايا هامة داخل المجتمعات العربية؟
أرى أن السينما هي الشكل الأكثر انتشاراً ووصولاً للجمهور من بين أشكال الفنون والثقافة، وهذا أحد الأسباب التي جعلتها وسيلتي الفنية المفضلة. أنظر إلى كل فيلم عربي باعتباره توثيقاً صادقاً لوجهات نظر إنسانية، ومصدراً أصيلاً يعكس واقعنا بعيداً عن أي أجندات خارجية أو داخلية قد تشوب عملية التمثيل هذه. يمنح صناع الأفلام العرب وأعمالهم صوتاً للمجتمعات التي واجهت تاريخياً عوائق حالت دون رؤيتها أو سماعها، مما يتيح نقل قصص هامة إلى بقية العالم. وعلى الصعيد الإقليمي، ساهمت الأفلام المحلية في إثارة نقاشات حول قضايا اجتماعية وتحولات ثقافية.
من خلال عملك الفني والمهني، كيف تسعين للحفاظ على الفن والثقافة العربية المعاصرة مع تقديمهما بأسلوب يلامس اهتمامات جيل اليوم؟
أعتقد أن أي تفاعل مع العالم العربي من خلال الفن في العصر الحالي يُعد بحد ذاته فعلاً من أفعال الحفاظ على الهوية، بالنسبة لي كصانعة أفلام كويتية؛ فصناع الأفلام والفنانون في جميع أنحاء العالم العربي يقومون بتوثيق وأرشفة التاريخ في الوقت الفعلي. تتضمن أعمالي مستويات متعددة؛ فهناك جوانب واضحة ترتبط بالواقع الراهن أو بطبيعة المشروع الذي تدور أحداثه في سياق معاصر، وأحياناً تأتي هذه الجوانب في صورة سياق لهوياتنا أو كتحيات إبداعية لأعمال أخرى.
اقرئي المزيد: زين دريعي: جمهور السينما لا يريد ما يراه في الأخبار كل يوم بل موضوعاً مهماً يُقدم درامياً بشكل مختلف






