مقابلات

أمل البلوشي: وجدت في الفن حريتي المطلقة بدون الخضوع لمدارس وأنطمة وقوانين

تمتلك الفنانة البحرينية أمل البلوشي الموهبة الكبيرة بكل تأكيد، فهي رسامة ومصممة متألقة على الساحة العربية، قدمت خطاً جديداً ومميزاً اعتمد إلى حد كبير على الوجوه والأناس بمختلف أشكالهم واختلافاتهم، وهي بالإضافة إلى عملها الإبداعي، شابة رياضية مليئة بالطاقة والحيوية، تمارس التنس بانتظام، كما أنها مغامرة ومحبة للسفر، تشارك تجاربها الشيقة فيه عبر مواقع التواصل، وهي أيضاً مؤثرة وذات آراء وأفكار خلاقة. اخترناها لتكون معنا في عدد أكتوبر من مجلة هيا، فتعكس خطها ورؤيتها الفنية على صفحاتنا، اكتشفي المزيد عنها في هذا اللقاء.

هل كان الرسم على الدوام أسلوبك في التعبير عن أفكارك؟

كنت أرسم منذ أن كنت صغيرة فالرسم موهبة نملكها كعائلة، لديّ الكثير من الأقارب الرسامين، ولكنّها كانت موهبة أقوم بها في أوقات الفراغ، حين وصلت إلى الجامعة عادت هذه العادة لتكون رفيقتي الدائمة، فكنت أتخلص من الضغط وكثرة الدروس من خلال تفريغ ما بداخلي على اللوحة، وكانت رسوماتي دائماً كبيرة جداً، وأعطتني إحساساً غامراً بالإنجاز، منذ ذلك الحين عرفت أني أريد أن أكون رسامة، وهذا الأمر لم يتعارض كثيراً مع دراستي للتصميم فبرأيي هذين المجالين متقاربين ومتكاملين، فالموهبة الفنية تنعكس بوضوح وتتبلور في التصميم وتعطي المصمم بصمة إبداعية تميّزه، كما أنّ معرفته بالألوان والخطوط والتصاميم تسهّل تقنياته وتزيد مهاراته خلال الرسم، لذا كان اختياري صائباً وساعدني لأن أكون اليوم فنانة ومصممة مؤثرة في المجالين.

كيف تبلور خطك أو بصمتك الفنية وكيف تصفينها؟

ما ميّزني في بداياتي أني كنت أرسم أشخاصاً، بالطريقة التي أراهم فيها وتعكس مشاعري تجاههم، كما رسمت شخصيات خيالية ليس لها وجود، لذا كانت الوجوه واضحة وقوية وأحياناً صادمة في فنّي. كنت أبيّن نظرتي الخاصة للناس من حولي، اليوم بدأت أتوسع بأفكاري الفنية، وأتطرق إلى قضايا عامة مثل البيئة والمشاكل الاجتماعية، فأطرح المشكلة ورؤيتي للحل وأشرح وجهة نظري في الوصف الذي يأتي مع اللوحة وأجده ضرورياً جداً لأنه يعبّر عن كامل رؤيتي الإبداعية.

هل تحتاجين إلى طقوس خاصة أثناء الرسم؟

أحتاج دائماَ إلى الاستماع إلى الموسيقى، فأنا لا أذكر أني رسمت من دونها، كما أني لا أضع “سكتش” أو مخطط، بالنسبة لي أرسم بشكل مباشر ما يجول في ذهني، وأدركت هذه الحقيقة حين صرت أتعامل مع عملاء يطلبون موضوعاَ محدداً، فصرت أرسم بخط واضح بالنسبة لي منذ البداية، وبتّ قادرة على القيام بالنوعين الفنيين، إلا أنّ متعتي الأكبر تتحقق حين أرسم ما أشعر به من دون تخطيط مسبق، وبعد الانتهاء من الرسم أقرء اللوحة جيداً وأضع وصفاً مفصلاً لها.

العملية الفنية الابداعية لديك مسلية مرحة، كما يبدو في لوحة لك بدأتها مع طفل صغير، ونشرت مقتطفات منها عبر صفحتك على إنستغرام amal_albalooshi فهل هي دائماً كذلك؟

هذا الطفل هو ابن أختي الذي قمت بتربيته معها وشهدت كل لحظاته المهمة، كان معي خلال الرسم منذ ولادته، وأدركت لاحقاً أنه صاحب موهبة مثلي ومثل والدته، غالباً ما أرسم في المنزل، وقد قمت بتصوير نفسي مرة حتى أعرف كيف أكون خلال هذه العملية وكيف تتبلور اللوحة أمامي، واكتشفت أنّ هذه العملية تمثّل داخلي ومشاعري بشكل كبير وهي جزء من كامل الحلقة الإبداعية التي تميّز موهبتي، لذا قررت أن أشاركها مع الجمهور، وكانت الردود جدّ إيجابية حيث أدركت أن الناس تهتم كثيراً بروح الرسّام او المبدع، وبكيفية تبلور رؤيته، فهذا الأمر يعطي معنى أكبر للّوحة.

كيف يؤثر مزاجك وكونك امرأة على تعبيرك الفني؟

كوني امرأة يؤثر كثيراً على تعبيري الفني، فالرسم هو “فشّة خلق” بالنسبة لي، واللوحة تختلف بحسب مزاجي ومشاعري من ناحية الخطوط والألوان، أحياناً أرسم من غضب أو فرح أو حزن، وبشكل مذهل تنعكس هذه المشاعر في النتيجة النهائية للعمل، وقد اكتشفت أني حين اكون في قمة السعادة لا أتمكن من الرسم، إذ احتاج إلى إحساس قوي ومسبب مهم لكي أبدأ بلوحة جديدة، بالتالي فإن تقلباتي المزاجية هي دافع قوي لكي أبدأ بفكرة جديدة.

كيف يساهم حبك الكبير للسفر واكتشاف العالم في إثراء حسك الفني؟

السفر يبعدني عن الرسم لوقت محدد، وهذا أمر ضروري أحياناً لكي أعود بأفكار جديدة، فأنا حين أرجع أشعر أني نسيت الرسم، ولكن ما يحصل لاحقاً أنّ أسلوبي الفني يتغير ويتجدد، فأنا أتأثر بالشعوب والمناظر والطبيعة والتجارب، فتتبدل طبيعة رسوماتي وأجد نفسي أعبّر عن أمور جديدة. حبي للسفر كبير جداً وهو ضروري في حياتي سواء كإنسانة محبة للمغامرة والتجديد والاكتشاف، أو كرسّامة تريد التجديد وتطلب المزيد من الإلهام من كل مكان.

كيف ترين المشهد الفني البحريني ومدى تلاقيه وانفتاحه على باقي الفنانين خليجياً؟

البحرين مليئة بالفنانين سواء رسامين أم مبدعين في مجالات أخرى، وهم يعرضون في الخارج ويتلقون الدعوات للتوسع بأعمالهم سواء عربياً أو عالمياً، وهناك دعم رسمي لهم. في الماضي كنت أرى المشهد الفني البحريني أكثر غزارة وأكبر من باقي الدول العربية، أما خلال السنوات الأخيرة، فقد ازداد الدعم العربي ولا سيما في الإمارات والسعودية للفن بمختلف أنواعه، من خلال فعاليات ومعارض محلية وأخرى تستقبل فنانين عرب وعالميين، وقد دعيت كثيراً للعرض خارجاً واستفدت من فرصة لقاء فنانين موهوبين واكتشاف المزيد عن المشهد الثقافي في عالمنا العربي.

هل ترين إقبالاً شبابياً على المجالات الإبداعية والفنية في البحرين؟

يلقى اليوم المجال الفني اهتماماً أكبر من قِبل الشباب والسبب يعود إلى تغيّر النظرة المحتمعية للفنانين، إذ بات هناك اعتراف بأهمية الإبداع ودوره في الارتقاء بذائقة الشعوب، وبعد أن كان الأهل يمنعون أولادهم من الدراسات المتعلقة بالفنون والابتكار، صاروا يشجعونهم حتى أن كثر تواصلوا معي ليستفسروا عن المجال ويقودوا أولادهم بالشكل المناسب نحو ما يجب فعله للانطلاق في المجال بقوة.

بإعتبارك من أهم الفنانين العرب حضوراً وتأثيراً عبر وسائل التواصل حالياً، هل تعتبرين أنها تخدم رسالة الفن والإبداع أم تؤثر سلباً على قطاع المعارض والفعاليات الفنية نظراً لأن الجمهور قادر على رؤية اللوحات دون الحاجة لزيارة معرض؟

أجد أنّ وسائل التواصل ساهمت في نشر الفن على نطاق أوسع، وهذا أمر مفيد جداً وضروري لكي نقرّب مختلف فئات المجتمع من الفنون ونعرفهم على أنواعه، فالمعارض تستقطب النخبة المثقفة في أغلب الأوقات، بينما يجب أن يكون الفن متاحاً للجميع فيستقبله كل شخص بطريقته الخاصة ويفسره ويتأثر به وقد يستفيد منه بشكل ما، أنا جربت تقديم المعرض الفردي وكانت التجربة ناجحة حيث كان الجمهور متشوّق للتعرف أكثر عليّ بعد أن تابعني على مواقع التواصل واكتشف نواح كثيرة من شخصيتي، ولا ضير أن يكون الفنان قريباً من جمهوره، لأنّ الناس تواقة إلى الاقتراب من الآخر ومعرفة أسبابه لتقديم فنّه ومشاركته.

كيف تصفين علاقتك بمن يشتري لوحاتك، وإلى أي مدى يعنيك المكان الذي ستتواجد فيه إحدى إبداعاتك بعد انتهائك منها؟

بدأت منذ وقت قريب ببيع لوحاتي، فأنا لطالما كنت متعلقة بها كثيراً ولا أتخيّل أن تكون ملكاً لغيري، إنما تقبلت الفكرة عندما شعرت أنني سأسعد شخصاً آخر وسأعكس أفكاره ربما من خلال فني، فصرت أتعامل مع عملاء على الطلب، وأنفّذ رؤيتهم بعد أن أتعرف إليهم جيداً وأفهم شخصيتهم. أهتم ان يقدّر زبوني عملي ويفهم أبعاده والقصة التي يرويها، فلوحاتي تأتي معها كتابات طويلة، فيقرؤها ويجد فيها شيئاً من روحه. أتذكر أنّ عميلي الأول كان الإعلامي والمؤثر أنس بوخش، فالتقيت به وكنت معجبة بشخصيته، ورسمت له لوحة تعكس حياته ومهنته وشغفه، فيها الكثير من الوجوه والأشخاص يمثلون الناس الذين يلتقيهم بالحياة، على مساحة كبيرة جداً وكانت النتيجة مميزة للطرفين.

هل استعنت بتقنيات الفن الرقمي في عملك وهل تعتبرينه محفزاً أم معيقاً لعمل الفنانين؟

التقنيات الرقمية ساهمت في جعل الفن مواكباً لتغيرات المجتمع، واستفاد منها فنانين ومصممين كثر في تطوير أعمالهم، ولكنها تحتاج دائماً إلى توجيه الإنسان وإحساسه ليعكس فكرته ورؤيته. بناء الفن نفسه يجب أن يكون نابعاً من التجربة البشرية، بالنسبة لي أفضّل العملية الإبداعية التقليدية، أرسم وأجرب وأختار الألوان والأنماط والأشكال.

ما هي المشاريع المقبلة التي تعملين عليها؟

أعمل حالياً على مشاريع إعادة تدوير، بمواد مستدامة حيث افتتحت متجراً يضم منتجات معاد استخدامها، وأحببت كثيراً مادة الدنيم، والتي سأعمل عليها كثيراً في الفترة المقبلة، أشعر أنها طريقة جديدة لنهجي الفني، وأتطلع لاكتشاف ما يمكن ان أقدمه تالياً.

ما هي رسالتك من العمل الفني؟

هدفي من عملي هو أن يرى الناس الفن كوسيلة للتحرر واكتشاف الحرية الحقيقية، فهو طريقة للتعبير عن مكنونات الذات، وقد وجدت فيه حريتي المطلقة من دون أي قيود أو قوانين أو أنظمة، حين كنت صغيرة كنت أكره التلوين داخل الحدود، لأني ببساطة غير راغبة بذلك وحين كبرت صرت أملك سلطة القيام بكل ما يحلو لي ضمن لوحاتي. لا أنتمي لمدرسة فنية محددة ولا أرغب بحدّ نفسي بأسلوب واحد، فهذه هي المتعة القصوى من الممارسة الإبداعية وهي امتلاك القدرة على الاكتشاف والتجريب والابتكار.

اقرئي المزيد: عايدة البوسعيدي… روحٌ تشبه دبي وشغفٌ لا يتوقف

العلامات: فن تشكيلي

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram