مقابلات

عايدة البوسعيدي… روحٌ تشبه دبي وشغفٌ لا يتوقف

تشغل عايدة البوسعيدي منصب نائب الرئيس لحملات المنصات الاجتماعية في دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، وتعدّ من أبرز الرائدات الإماراتيات اللواتي حققن النجاح في مجالات الإعلام والتواصل والعلاقات العامة وتنظيم الفعاليات، وأسهمن في تعزيز دور الإمارة في المجال السياحي والاقتصادي.خاضت مسيرة طويلة بدأتها من أولى درجات السلم الوظيفي، لتتدرج وتبدع وتتألق بسبب قدرتها على اقتناص الفرص وصنعها، والمضي بثقة نحو تحقيق رؤيتها. يأتي الحوار معها أشبه بالغوص في بحر مليء بالكنوز؛ فأفكارها متجددة، وتشبه إلى حدٍ كبير دبي التي أحبتها وبرعت في الترويج لها بأجمل صورة ممكنة. تعرفي إليها في هذا اللقاء.

كيف رصدت شغفك بالإعلام والعلاقات العامة وقدرتك على التواصل المباشر مع الآخر، مع العلم أن ليس الجميع لديهم القدرة على الوصول للناس بأفكارهم والتفاعل الإيجابي معهم؟

سأبدأ بوالدتي، فهي صاحبة الفضل الأكبر فيما أنا عليه اليوم. وأؤمن بأن الأم هي من تزرع القيم وتغرس في أبنائها طريقة التفكير التي ترافقهم طوال حياتهم. كانت والدتي تدرس الهندسة في الجامعة، لكنها لم تُكمل دراستها بعد زواجها، وكرّست وقتها لأسرتها وتربيتنا. ورغم ذلك، كانت تؤمن بأن التعليم هو المفتاح الحقيقي للمستقبل، وكانت حريصة دائماً على أن نتميز ونواصل مسيرتنا الأكاديمية.

وخلال سنوات الدراسة، أتيحت لي فرصة التعرف إلى زملاء من جنسيات وخلفيات ثقافية مختلفة، وهو ما وسّع آفاقي وأثار فضولي للتعرف أكثر إلى العالم من حولي. ومن هنا، بدأت أفكر في استكمال دراستي في الخارج. ورغم أن هذه الفكرة قوبلت بالاستغراب والرفض من بعض أفراد العائلة، فإن والدتي آمنت بي وشجعتني على المضي وراء طموحي، وهو ما منحني ثقة كبيرة بنفسي وبقدرتي على اتخاذ قراراتي.

هذه التجارب كانت نقطة البداية لاكتشاف شغفي بالإعلام والعلاقات العامة، ثم جاءت الخبرة العملية لتؤكد لي أن هذا هو المجال الذي أنتمي إليه. وخلال مسيرتي، كنت محظوظة بالعمل في بيئة تؤمن بأهمية الاستثمار في الإنسان، سواء من خلال المبادرات الحكومية التي تدعم إعداد الكفاءات الوطنية، أو عبر الفرص التي وفرتها لنا دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي للتعلم المستمر، واكتساب خبرات جديدة، والعمل إلى جانب فرق ملهمة. وكل تجربة خضتها أضافت لي شيئاً جديداً، ورسخت لدي قناعة بأن التواصل الحقيقي يبدأ بالاستماع، والتعلم، وفهم الآخرين.

في مسيرتك المهنية، هل امتلكت دائماً هذه الرؤية أو فلنقل نمط التفكير، بأن الفكرة تأخذ أهميتها الحقيقية مع التطبيق، وعدم التردد والتأخر أو التراجع قبل رؤية النتائج؟

في بداية مسيرتي المهنية، كنت أبحث عن طريق مختلف عن المسار التقليدي الذي كانت تسلكه معظم النساء في ذلك الوقت. لذلك اخترت دراسة الصحافة مع التركيز على العلاقات العامة والدعاية، إلى جانب حصولي على درجة في الأدب الإنجليزي، لأنني كنت مؤمنة بأن اللغة ستفتح أمامي آفاقاً أوسع للتواصل والعمل.

بدأت العمل في سن العشرين، وكانت طبيعة العمل مختلفة تماماً عما هي عليه اليوم. كنا نرسل الدعوات للمؤتمرات الصحفية عبر جهاز الفاكس، وقد يستغرق الحصول على رد أياماً، بينما كنت أتابع المدعوين هاتفياً واحداً تلو الآخر. ورغم أنني كنت قد تخرجت للتو من الجامعة، لم أنظر يوماً إلى هذه المهام على أنها أقل من طموحي، بل اعتبرتها جزءاً أساسياً من رحلة التعلم. وما زلت حتى اليوم أؤمن بأنه لا يوجد عمل أقل من مستواي، كما لا توجد مهمة أكبر من قدرتي على خوضها.

أتذكر في بداياتي أن بريد الإمارات كان يعمل على تنفيذ لوحة «كولاج» للمغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه. وعندما طُرحت فرصة المساهمة في هذا العمل، بادرت إلى توليه ورأيت فيه فرصة لأتعلم وأثبت نفسي. كرّست له عطلة نهاية الأسبوع، وعندما عرضته على مديرة الإدارة، أعجبت بجودة التنفيذ وسألت عن الشخص الذي أنجزه. وعندما علمت أنني صاحبة العمل، كانت تلك من اللحظات التي أدركت فيها أن الفرص التي تبدو بسيطة قد تكون نقطة تحول حقيقية في مسيرة الإنسان.

منذ ذلك اليوم، أدركت أن الأفكار لا تكتسب قيمتها إلا عندما تتحول إلى عمل، وأن كل فرصة، مهما بدت بسيطة، تستحق أن نبذل فيها أفضل ما لدينا. كما تعلمت ألا نحكم على الأشخاص بناءً على أعمارهم أو خبراتهم أو جنسياتهم، بل أن نمنحهم الفرصة لإثبات قدراتهم.

ولهذا، إذا كان لديّ ما أنصح به الشباب اليوم، فهو ألا يستعجلوا الوصول إلى المناصب الكبيرة. لا أحد يبدأ مديراً، وكل تجربة، مهما بدت صغيرة، تضيف مهارة وخبرة تبني ما بعدها. عندما تؤدي كل مهمة بإتقان وتضع فيها بصمتك، فإنها تصبح خطوة حقيقية نحو المستقبل الذي تطمح إليه.

تنظيم الفعاليات كان شغفك لفترة طويلة، ما هي المفاتيح التي اعتمدت عليها خلال فترة خبرتك المهنية في مجالات العلاقات العامة والاتصال المؤسسي للكيانات الحكومية، في التوجّه لكل جمهور حسب اهتماماته ولغته وخلفيته؟

لطالما أحببت الإعلام والتواصل والتسويق وتنظيم الفعاليات، وخضت تجربة تقديم البرامج لفترة من الوقت، وهو ما منحني فهماً أوسع لطبيعة التواصل مع الجمهور. ومنذ بداية مسيرتي، كنت مؤمنة بأن النجاح في هذا المجال لا يتحقق إلا بالاستمرار في التعلم، بالتوازي مع العمل ومواكبة التغيرات التي يشهدها القطاع.

في تنظيم الفعاليات، كل شيء يبدأ بالفكرة والهدف، لكن نجاحها الحقيقي يعتمد على فهم الجمهور الذي نخاطبه. لذلك أحرص دائماً على التعرف إلى اهتماماته وخلفيته الثقافية وطريقة تفكيره وما الذي يتوقعه من حضوره للفعالية. فعندما نفهم الجمهور، تصبح جميع التفاصيل الأخرى أكثر وضوحاً؛ من اختيار المتحدثين والمحتوى، إلى تصميم التجربة، والديكور، والألوان، والموسيقى، وحتى نوعية الضيافة. فكل عنصر يجب أن يخدم الرسالة ويعزز تجربة الحضور، لأن نجاح أي فعالية لا يقاس بحجمها، بل بالأثر الذي تتركه لدى جمهورها.

كيف ترين إقبال الجيل الإماراتي الجديد على قنوات المعرفة والتواصل والثقافة؟

أعتقد أن الجيل الإماراتي اليوم يمتلك فرصاً كبيرة لم تكن متاحة للأجيال السابقة. الوصول إلى المعرفة أصبح أسهل وأسرع، وهذا يمنح الشباب إمكانات هائلة للتعلم والتطور. لكن في المقابل، أرى أن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومة، بل في كيفية تحليلها وتوظيفها وتحويلها إلى أفكار وحلول قابلة للتطبيق.

لهذا، أحرص في عملي على ألا أقدم لفريقي جميع الإجابات. أشاركهم الفكرة الأساسية، ثم أترك لهم مساحة للبحث والتفكير واقتراح الحلول. لا أبحث عن شخص ينفذ التعليمات فقط، بل عن شخص يمتلك فضولاً، ويطرح الأسئلة، ويجرب، ويتعلم من أخطائه. فالثقة التي نمنحها للشباب، إلى جانب الاستماع إلى خبرات من سبقوهم، هي ما يساعدهم على بناء شخصيتهم المهنية وصقل رؤيتهم الخاصة.

واليوم، وبعد سنوات من العمل، أشعر أن من أهم مسؤولياتي نقل الخبرة إلى الجيل الجديد. أكثر ما يسعدني أن أرى شباباً يكتشفون قدراتهم، ويشقون طريقهم بثقة، ويحققون نجاحاتهم بأسلوبهم الخاص، لأن الاستثمار الحقيقي في أي مؤسسة أو مجتمع يبدأ بالاستثمار في الإنسان.

كيف تغيّرت رؤيتك القيادية وأساليبك في العمل بعد سنوات الخبرة التي اكتسبتها؟

أعتقد أن أكثر ما تغيّر في أسلوبي القيادي هو انتقالي من التركيز على إدارة العمل إلى التركيز على تمكين الأشخاص. اليوم أقود إدارتين في دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، وأحرص على منح فريقي المساحة للمبادرة واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، لأنني أؤمن بأن أفضل الأفكار تولد عندما يشعر الإنسان بالثقة والمسؤولية تجاه ما يقوم به.

هذا النهج ينسجم مع ثقافة العمل في دولة الإمارات، والتي تجسدها فلسفة «دبي الأفعال» القائمة على المبادرة، وسرعة الإنجاز، وتحويل الأفكار إلى نتائج ملموسة. وفي دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي، نعيش هذه الثقافة يومياً، حيث نشجع على التفكير الإبداعي، واتخاذ المبادرة، والعمل بروح الفريق، مع التركيز دائماً على تحقيق أثر حقيقي ينعكس على المدينة وزوارها وسكانها. ولذلك، نحرص على منح الموظفين الفرصة لتجربة الأفكار الجديدة، وتحمل المسؤولية، والتعلم من التجربة، لأن التطور لا يتحقق إلا بالممارسة..

ومع مرور السنوات، أصبحت أؤمن بأن نجاح القائد لا يقاس بما ينجزه بنفسه فقط، بل بما يمكّن الآخرين من تحقيقه.

أنت اليوم نائب الرئيس للدفاع عن المستهلك، ولحملات المنصات الاجتماعية في دائرة الاقتصاد والسياحة – دبي. حدثينا عن دورك في هذا المنصب؟ وما الذي تفخرين بتحقيقه؟

بدأت مسيرتي في دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي ضمن فريق العلاقات العامة، ثم أُتيحت لي فرصة المساهمة في تأسيس إدارة حملات المنصات الاجتماعية مع تنامي أهمية المحتوى الرقمي في الترويج للوجهات السياحية. ومنذ ذلك الوقت، أصبح دورنا يتمثل في بناء شراكات استراتيجية مع مؤثرين وصناع محتوى وعلامات تجارية وشخصيات عالمية، بهدف تقديم دبي للعالم من خلال تجارب وقصص أصيلة تعكس هويتها وتنوعها.

من أكثر المشاريع التي أفتخر بها شراكتنا مع Red Bull، والتي أثمرت عن تنظيم نهائي بطولة The Red Bull Tetris World Final تحت برواز دبي، باستخدام أكثر من أربعة آلاف طائرة “درون”. وقد حظي الحدث باهتمام عالمي، وأظهر كيف يمكن دمج الابتكار والترفيه مع معالم دبي بطريقة غير تقليدية.

كما أعتز بالشراكة التي بنيناها مع المؤلف الموسيقي العالمي هانز زيمر على مدى ثلاث سنوات. لم نرغب في أن يزور دبي كضيف، بل أن يعيشها بكل تفاصيلها. تعرّف إلى ثقافتها، وزار مجالس إماراتية، والتقى بمواهب شابة، واستكشف جوانب مختلفة من المدينة، قبل أن يقدم مقطوعته Diamond in the Desert، وهي عمل موسيقي استلهمه من دبي وأصبح جزءاً من التجربة التي يعيشها ملايين المسافرين عبر طيران الإمارات، إلى جانب الفيلم الوثائقي الذي وثّق هذه الرحلة.

هذه النوعية من المشاريع تلخص فلسفة عملنا؛ فنحن لا نبحث عن تعاون مع شخصية معروفة لمجرد شهرتها، بل نسعى إلى بناء ارتباط حقيقي بينها وبين دبي، بحيث تنقل تجربتها بصورة صادقة وتترك أثراً يمتد إلى جمهورها حول العالم.

تعرّفين عن نفسك عبر إنستغرام بأنك أم دعيج وزايد، في تصريح ضمني بأنّ الأمومة هي أسمى ما يمكن للمرأة تحقيقه، إلى أي مدى تعتبرين إعداد وتربية أولاد صالحين أساس تطور المجتمع وازدهاره؟

الأمومة كانت ولا تزال أهم تجربة في حياتي، لأنها علمتني دروساً لا يمكن لأي تجربة مهنية أن تمنحها، وفي مقدمتها الصبر، والحب غير المشروط، وتحمل المسؤولية. كما أنني مدينة لوالدتي بالكثير، فقد كان لدعمها دور كبير في قدرتي على التوفيق بين عملي وأسرتي، خاصة عندما كان ابناي صغيرين.

ولهذا أقول دائماً لكل أم: لا تترددي في طلب المساعدة. لسنا مطالبات بأن نكون مثالاً للكمال أو أن ننجز كل شيء بمفردنا. طلب الدعم لا ينتقص منا، بل يمنحنا القدرة على الاستمرار والعطاء، سواء في العمل أو داخل الأسرة. كما أن التنظيم وإعطاء كل جانب من جوانب الحياة حقه هو ما يصنع هذا التوازن.

أما علاقتي بابنيّ، فهي قائمة على الثقة والاحترام والحوار. يقدّران طبيعة عملي ويدعمانني، وأحرص في المقابل على أن يكون الوقت الذي أقضيه معهما وقتاً حقيقياً، لا مجرد وجود في المكان نفسه. نتشارك حب الرياضة، ونتحدث كثيراً عن اهتماماتهما وطموحاتهما، لأنني أؤمن أن بناء الإنسان يبدأ داخل الأسرة. وعندما نربي أبناءً يتحلون بالمسؤولية، والاحترام، وحب العمل، فإننا لا نبني مستقبلاً لأسرنا فقط، بل نُسهم أيضاً في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وازدهاراً.

اقرئي المزيد: لاريسا يونس: هدفي كمؤثرة هو إلهام الناس وتشجيعهم على التحدث والتعبير عن أفكارهم

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram