مقابلات

جويل جبّور: الانتماء هو إحساس عارم نحو أماكن وأشخاص وقيم وثقافة

يتقاطع الفن مع التصميم في أعمال المهندسة الشابة جويل جبّور، فهي التي درست الهندسة وتعمقت في تقنياتها، اختارت العودة إلى موهبتها الأولى في الرسم بعد مرورها بظرف صعب، لكي تعيد اكتشاف شغفها وتتجه بثبات نحو مستقبل مبهر في مجالي التصميم والفن. اخترناها لتعبّر بأسلوبها الفني الخاص عن مفهوم الانتماء على صفحات هيا، فاكتشفي المزيد عنها في هذا اللقاء

كيف جمعت الموهبة والمخيلة الفنية مع تقنيات التصميم والغرافيك؟

لم أنظر قط إلى الفن والتصميم كممارستين منفصلتين. فقد علمتني خلفيتي في الهندسة المعمارية الداخلية كيفية التفكير المنهجي وحل المشكلات، بينما تتيح لي ممارستي الفنية استكشاف الأفكار بحرية أكبر وبشكل حدسي، لذا فإن أحدهما يغذي الآخر باستمرار. سواء كنت أصمم مساحة، أو أبتكر ملصقًا، أو أرسم غلاف ألبوم، أو أشرف على معرض، فإنني أجمع بين عقلية المصمم النظمة، وفضول الفنان ومخيلته الخصبة. يوفر التصميم بنية وهدفًا، بينما يضفي الفن مشاعر وقصصًا وخيالًا. كثيرًا ما أستخدم أدوات مرتبطة بالهندسة المعمارية التي درستها، مثل AutoCAD، لإنشاء رسومات وأعمال فنية، فأمزج الدقة التقنية بالتجريب الإبداعي. بالنسبة لي، يكمن الإبداع الحقيقي في تداخل الفن والتصميم ليشكلا تجربة متكاملة. 

بدايتي مع الرسم تعود لسنوات طويلة واستمرت أثناء دراستي الجامعية ولكني ابتعدت قليلاً عنه بعدها، إلا أنّه حين وقع انفحار مرفأ بيروت، تغيّرت نظرتي للكثير من الأمور وأحببت أن أعبّر عما عشته من مشاعر قاسية كوني كنت قريبة جداً منه، عبر الرسم والفن، لذا عدت لممارسة هذه الهواية وأردت اختبار المزيد من المجالات لأرى أين تأخذني مخيلتي، فتغيّر مسار حياتي لاحقاً بشكل إيجابي.

تقولين “يستطيع المصمم تصميم أي شيء، من أكبر مبنى إلى كرسي”، إلى أي مدى تحققين هذا القول في عملك؟ وهل تؤمنين أنّ مبادئ التصميم مثل حل المشكلات وبيئة العمل والابتكار هي أمور قابلة للتطبيق على أي نطاق عملي؟

بالتأكيد، أعتقد أن هذه المبادئ قابلة للتطبيق على جميع أنواع الأعمال تقريبًا. سواء كنت أصمم مبنى، أو قطعة أثاث، أو ملصقًا، أو عملًا فنيًا، أو قطعة ملابس أو أكسسوار، فإن جوهر عملية التفكير يبقى متشابهًا بشكل مدهش. يبدأ كل مشروع بفهم الغاية، وحل مشكلة ما خلال العمل، وتطوير مفهوم يستجيب لحاجة أو سياق محدد. بينما تختلف الوظيفة نفسها من تخصص لآخر، تظل اعتبارات مثل سهولة الاستخدام، والمواد، والبناء، والتنفيذ حاضرة بشكل أو بآخر. ما يتغير هو النطاق ومستوى الخبرة التقنية المطلوبة.

هل ترين الانتقال بين التصميم الداخلي والفن والتوسع في المجالات الإبداعية متاحاً ومطلوباً في وقتنا الحالي للمبدعين؟

أعتقد أن طريقة تفكير المصمم يمكن أن تمتد عبر العديد من المجالات الإبداعية، فنحن في عصر يتطلب منا توسيع معارفنا والخروج من حدود اختصاصنا الجامعي، فحين ندخل إلى وظيفة يطلبون من المصمم الكثير من المهام التي تفوق ما تلقاه من تعليم.. ولهذا أستمتع أنا وغيري كثر، بالتنقل بين الهندسة المعمارية، والتصميم الغرافيكي، والرسم، وتصميم المعارض. مع ذلك، عند تصميم شيء خارج مجال تخصصك، يصبح التعاون ضروريًا. إن معرفة متى تستعين بالخبراء وتثق بمعرفتهم التقنية لا تقل أهمية عن تطوير مفهوم قوي بمفردك، فهناك دائماً شيئاً نجهله، والتعاون يثري كل تجربة جديدة ويضيف إلى معارفي.

إلى أي مدى يلاحظ الفنان التغيرات في مجتمعه ويعكسها في عمله؟

أعتقد أن الفنانين غالبًا يكونون أشخاصًا شديدي الحساسية والعاطفة. يميلون إلى استيعاب ما يدور حولهم ويتعاطفون بطبيعتهم مع الضغوط والتحديات والمشاعر التي يمر بها المجتمع. لهذا السبب، يجد التغيير الاجتماعي طريقه حتمًا إلى أعمالهم. سواء بوعي أو بغير وعي، غالبًا ما يبدع الفنانون استجابةً لمحيطهم – أحيانًا يعكسون الواقع، وأحيانًا يشككون فيه، وأحيانًا يعارضونه تمامًا. غالباً ما تتأثر المواضيع التي يتناولونها، والصور التي يستخدمونها، وحتى المشاعر الكامنة في أعمالهم، بالمناخ الثقافي والاجتماعي لعصرهم. لهذا السبب، أعتقد أن الفن يصبح بطبيعته سجلاً للتجارب الجماعية، مقدماً انعكاساً للمجتمع وطريقة بديلة لفهمه.

يبدو في فنّك حبك الكبير للألوان، فهل تعتبرين أنها بصمتك الخاصة؟

أرى أنّ الأنماط الكبيرة والمتعددة والألوان البارزة تجذب النظر وتدفع المشاهد للتعمق بما يراه، كان أسلوبي يعتمد الأبيض والأسود قبل الانفجار، ولكن بعده ومع التغيّر الكبير الذي حصل في نفسيتي، أردت خلق عالم جديد ومختلف عما عرفته سابقاً فأحببت التعبير بالألوان الصارخة واستمريت بهذا الخط.

كيف تستقين الأفكار الجديدة لمشاريع فنية تحمل طابعاً تجارياً فتطرحينها في الأسواق وتكون بمتناول عدد كبير من الناس؟

أستلهم جزءاً من عملي من فكرة المشروع الجديد الذي أتعامل فيه مع عميل ما، من مضمون حدث أو معرض أو منتج، أما بالنسبة لفني ومنتجاتي الخاصة فهي تمثل ذوقي الخاص الذي يحبه البعض بينما يراه آخرون غير مطابق ومناسب لذوقهم، لذا أستمتع باختلاف الآراء ولا أمانع أن لا يفهم البعض مقصدي، فهذا هو الفن لكلّ طريقته في رؤيته والإحساس به أو حتى عدم الشعور به، وترجمته.

حدثينا عن فكرة متجرك الإلكتروني Hot Ice Shop وعن المجالات التي يغطيها؟

الفكرة جاءت بالصدفة، فحين كنت أعرض منتجاتي في معارض أو أسواق محلية لبنانية، كنت أقابل بعبارات المدح وكثر سألوني أين يمكن الحصول على المنتجات، ففكرت بالمتجر الإلكتروني، حيث أعرض اللوحات والملابس والأكسسوارات وقطع الأثاث، مع تفاصيل وشرح عنها وسعرها. المتجر حالياً يغطي لبنان ولكني أفكر بتوسيعه لإيصال المنتجات للخارج.

ما هو المشروع الذي تفخرين بتحقيقه أكثر من غيره؟

أكثر مشروع أسعدني هو تعاوني مع شركة تنظيم مهرجانات في أبوظبي، بأسلوب RNB وهو ما اعشقه بصراحة، فنظمت كل الفعاليات وابتكرت الملصقات والرسوم التوضيحية، وتعاونت مع أسماء كبيرة في عالم الفن والرياضة، كما عرضت 5 لوحات بتوقيعي في معرض تابع للمهرجان وقد بيعت جميعها. أحببت مؤخراً مشاركتي مع سوق الفن في حملة تبرعات، وهذا الأمر  يتعلق بسؤالك حول كيفية تفاعل الفنانين مع بيئتهم وتكاتفهم في أوقات الأزمات أو عند حدوث تغييرات مجتمعية. حيث تم تنظيم سوق بيع إلكتروني لمدة أسبوعين لجمع التبرعات للمنظمات الشعبية التي تدعم مختلف المجتمعات المتضررة من الحروب والأزمات. ضم المعرض صورًا فوتوغرافية ورسومات تبرع بها أكثر من 50 فنانًا ومصورًا لبنانيًا، وذهبت جميع الأرباح مباشرةً إلى المنظمات الشعبية التي تدعم المتضررين. وقد كانت حملة تبرعات دولية، لذا كان بإمكان الناس الشراء من أي بلد.

كيف تسترجعين شغفك في حالة فقدان الإلهام؟

أرجع خطوة إلى الخلف وأتوقف كلياً عن العمل، وأبدأ بتعلّم أمور جديدة، ربما أطلع على أعمال فنانين آخرين، أو أراقب الطبيعة وحين أشعر أني مستعدة للعودة، أعود بأفكار ونفسية جديدة.

ما هي الخطوات التي تتبعينها لبدء مشروع جديد؟

عملي ينقسم إلى جزئين، فبعد أن أفهم الفكرة، أضع الخطوط العريضة على أوتوكاد من دون ألوان، والخطوة التالية هي تخيّل الألوان وإحياء ما أرسيته من أنماط، فأعمل في هذه المرحلة مثل الروبوت، أي أني أؤدي ما يمليه عليّ عقلي من تلوين الأنماط التي اخترتها، وحين أرى النتيجة النهائية يغمرني شعور رائع بالإنجاز والفخر بما قدمته، إذ تكون النتيجة عمل فني مميّز بالنسبة لي.

ما هي القضايا التي تحبين طرحها في فنّك؟

هي ليست قضايا بقدر ما هي أمور أحب رسمها نتيجة لتأثري بظروف تمر في حياتي اليومية وأراها حولي في المجتمع، قد أرسم عن الحرب أو القصف، أو أذهب بالاتجاه الآخر تماماً لأرسم أموراً مفرحة، كما أني أحب القطط كثيراً فهي موجودة في أعمالي، بالتالي لا أختار بقدر ما أبثّ الورقة مشاعري وما يتحرك في داخلي.

حدثينا عن عملك في مجال الملصقات، وعن الأفكار التي تطرحينها من خلالها؟

دخولي عالم الملصقات جاء بالصدفة، ففي يوم رأيت إحداهن تطلب مصمم ليقدم بوستر لمناسبة فنية، فتقدمت وعملت على أوتوكاد وكانت النتيجة مرضية للغاية للعميلة، وحين تمّ عرضها بت أتلقى المزيد من العروض، وركزت على البوسترات الفنية لأني أحب الموسيقى كثيراً.

عدد مجلة هيا المخصص حول الانتماء، ما الذي يعنيه لك وكيف ستعبّرين عنه في أعمالك الفنية التصميمية على صفحات هيا؟

الانتماء هو إحساس عارم نحو أماكن وأشخاص وقيم وثقافة، بالتأكيد أريد أن أبرز بعض الرموز الثقافية والتراثية في عالمنا العربي، فنحن الشعوب العربية تجمعنا الكثير من الرموز التي تشكل هويتنا ورؤيتنا للحياة.

هل تخافين على الفن والتصميم من الأساليب التقنية الحديثة التي باتت تسيطر على كل المجالات؟

أعتقد أنّ جيلي من الفنانين والمصممين يشعر بالخوف بكل تأكيد، ولا سيما بسبب سيطرة الذكاء الاصطناعي، فقريباً الكثير من المهن الإبداعية ستكون بخطر الاختفاء، ما يهدد الحس الإبداعي الإنساني، لذا علينا أن نسعى بكل جهد إلى المحافظة على بصمتنا الخاصة وموهبتنا، من خلال معرفة التقنيات الجديدة، والاستفادة منها وليس الاعتماد الكلي عليها لتأدية عملنا.

ما هي مشاريعك المقبلة؟

أعمل حالياً على إعداد الرسوم التوضيحية والبوسترات والغلاف لألبوم فني جديد، كما لديّ مشروع Arcade ممتع للغاية، وطموحي هو تقديم المزيد من الأعمال الفنية والتصميمية لمناسبات ومهرجانات مهمة.

اقرئي المزيد: شيخة الحبشي: أبتكر من خلال فني عالماً تشعر فيه النساء بالسعادة والراحة

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram