تعدّ صفيّة الصايغ أول درّاجة إماراتية تشارك في أولمبياد باريس 2024، وهي عضو فريق الإمارات القابضة ADQ للدراجات، وواحدة من اهم الرياضيات الإماراتيات اللواتي أثبتن بكلّ جدارة أنّ الأحلام يمكن أن تصير حقيقة، وأنّ الطريق نحو التفوق مفتوحة لكلّ من يمتلك الرؤية مصحوبة بالإرادة والقوة البدنية والذهنية والإصرار والثبات والسعي. نلتقي بها لنتعرف على شخصيتها ونكتشف ما الذي عاشته وتعلمته في مسيرتها ومؤخراً بعد الفترة الصعبة التي مرّت بها بلادها.
شاركت في الألعاب الأولمبية سنة 2024، ما تراه الكثير من الشابات ولاسيما الرياضيات حلماً بعيد المنال، بسبب كثرة الشروط والنقاط المطلوبة للتأهل إليه، حدثينا عن صفيّة الطفلة التي حلمت بهذا الإنجاز وحققته؟
بالفعل كانت المشاركة في الأولمبياد حلمي حين كنت طفلة تشاهد مع أبيها الألعاب، وتشعر بالدهشة والإعجاب حين ترى عدد اللاعبين المخضرمين الكبير، والرياضات التي يمارسونها أمام العالم، لطالما كنت شغوفة بالرياضة وأنتظر هذا الحدث كلّ أربع سنوات، بعكس أخوتي الذين لم تعنيهم متابعته، فوالدي رياضي سابق وكنت أرافقه دائماً لمشاهدة المباريات والمونديال، وقد نقل إليّ حب الحركة، فجربت جميع الرياضات في المدرسة، إلى أن تعرفت على قيادة الدراجات الهوائية، وأحببتها كثيراُ واستمريت في ممارستها لفترة طويلة حتى أوصلتني بداية إلى المنصات المحلية وتالياً إلى العالمية.

الأولمبياد كان حلماً لا أعرف السبيل الذي سيوصلني إليه، ولكنّ المداومة والتمرن والإصرار وراء الشغف، كانت العناصر الكفيلة بالتأهل، وساعدني كثيراً بطلنا يوسف ميرزا وهو حالياً مدير فريق الإمارات، وكان ملهماً لي في كل خطوة، وقد كان حينها لاعباً معنا وسبق له التأهل في ريو دجينيرو سنة 2016، وتالياً تأهل لطوكيو ولم يشارك، وقد شجعني ما وصل إليه بأن أعود لألاحق حلمي السابق، بأن أرى نفسي في الأولمبياد، وسنة وراء الأخرى ومع المواظبة والتمرين الشاق، بدأت بالمشاركة مع المنتخب في دورات عالمية، وفي سنتي الثالثة معهم وصلت إليّ فرصة التأهل كأول شابة إماراتية، فجمعت أكبر عدد نقاط وكان لي ما أردت، وبتّ أول إماراتية تشارك في الأولمبياد.. حين كنت صغيرة كان الأولمبياد حلماً ولكن لدى اكتمال نضوجي، بات الحلم هدفاً فالأحلام يمكن أن تظلّ رفيقة ليلنا ونحن مستلقون براحة على الفراش، أما الأهداف فتتطلب سعي واجتهاد وتفوّق وتعب وبكاء والكثير من المشاعر والانفعالات والخطوات الشاقة حتى نبلغها.
تجميع النقاط يتطلب المشاركة في العديد من المباريات خارج الإمارات والتفوق فيها، حدثينا عن فترة التحضّر والصعوبات التي تخطيتها حتى تتأهلي؟
صحيح، فالوصول إلى الأولمبياد يحتاج تجميع عدد محدد من النقاط قبل سنة تقريباً من انطلاقه، ففي الأسياد 2023 حققت الكثير منها، وضمن مباريات الدولة أيضاً ومع الفريق المحترف في الصين وأماكن أخرى خارج القارة الآسيوية، حيث تكون المنافسة صعبة جداً، لأن تاريخ اللاعبين أعرق وأقدم بكثير منّا، وبالتالي فإن قدراتهم تكون أعلى، ولا سيما في أوروبا، إلا أني كنت مقبلة على التعلّم والتحسّن واكتساب مهارات أكبر. خضعت لتدريبات قاسية ومعسكرات مختلفة، وسافرت كثيراً ربما أكثر من بلد في الشهر الواحد، وقد يظن البعض أنّ في السفر متعة وتسلية، وهو أمر صحيح نوعاً ما، إلا أنّ تكرار السفر وغياب الاستقرار والابتعاد عن الأهل والبلد والأصدقاء، تكون أمور صعبة مع وجود تمارين شاقة في بيئات طبيعية وعرة ومختلفة عما أنا معتادة عليه في وطني، فالطريق لم يكن سهلاً أبداً وفيه تعب وضغط وتناقضات في المشاعر، إلا أنّ النتيجة بالتأكيد تستحق.
قد يرى البعض أن الأولمبياد أقصى الطموح فما الذي يمكن تحقيقه تالياً، وأنتِ كيف ترين هذه المحطة وما الذي ترغبين به تالياً؟
اكتشفت خلال المسيرة أنّ لديّ أهداف أخرى تحركني وتدفع بشغفي وتقودني نحو المزيد من الإنجازات، منها المشاركة في بطولات العالم، والتعرف على مسارات جديدة في بلدان مختلفة، ورفع اسم بلدي وفريقي في المزيد من المحافل الدولية.
أنت شابة محجبة وملتزمة بلباس خاص خلال كل مشاركاتك، هل شكّل هذا الأمر أي عائق أمامك، ولا سيما أننا نرى العديد من الشابات المحجبات يقمعن طموحهن الرياضي خوفاً من نظرة المجتمع ولا سيما الأجنبي لهنّ، في حال وصلن إلى الخارج؟
أرى الحجاب كرمز ديني يميزنا في العالم، فأنا مسلمة وأشارك جزءاً من هويتي وثقافتي وديني من خلال حجابي وملابسي المحتشمة، حتى اليوم حين أكون في دولة أجنبية يسألني البعض عن سبب تغطية شعري ويعتقدون أنّ الوشاح يساعدني في التعامل مع حرارة الجو المرتفعة، ولكني أشرح لهم أني محجبة، وأن مظهري يعتبر جزءاً من تعاليم ديني والتزامي به. لم أواجه انتقادات أو صعوبات كبيرة في هذا الإطار، فقط بعض الاستفسارات، وأنا ممتنة لأني قادرة على الشرح، كما أحب كوني مثالاً أعلى لأيّ فتاة ملتزمة ومحبة للرياضة، فهي عليها أن تتأكد أنّ مهاراتها وموهبتها وقدراتها، هي ما ستميزها بغض النظر عن المظهر الخارجي.
ما الذي ميزك في قيادة الدراجة الهوائية هل هي موهبة أم يضاف إليها التدريب المكثف والمستمر؟
التميّز في قيادة الدراجة الهوائية يحتاج إلى امتلاك مهارة التوازن بداية، وما ساعدني أني أقود منذ كنت صغيرة جداً، حيث اشترى لي أهلي دراجة، وكنت معتادة على التجوّل فيها، طبعاً الاحتراف يختلف كثيراً عن الهواية ومجرد التنزه بها للاستمتاع ورؤية المناظر، ولكنّ هذا الأمر يظلّ جزءاً من المتعة حين أقود لفترات طويلة وتتغيّر الأماكن حولي، وأواجه تضاريس جديدة وتحديات مختلفة لم أواجهها قبل، فهناك تجدد دائم يمنعنا من الملل، كما تتطلب هذه الرياضة التمرين المتواصل واللياقة البدنية لعالية مع مراكمة الخبرة من خلال القيادة في مختلف البيئات والأماكن.
مرّت العديد من الدول العربية ومنها الإمارات في الفترة الفائت بوقت عصيب، كيف عشت هذه الأيام؟
خلال فترة الأزمة كنت داخل البلاد ولم أرغب يوماً بالمغادرة، مع أن المجال الجوي كان مفتوحاً أغلب الأوقات، إلا أني لم أخف او أخشى من شيء، فولائي للإمارات أقوى من أيّ شيء، استمريت بالتمرن وممارسة نشاطاتي المعتادة، وكنت محاطة بأهلي ومليئة بالثقة أن قيادتنا الرشيدة ستعبر بنا نحو الأمان.. لم أسافر إلا مؤخراً حين شعرت أنّ الأمور عادت لطبيعتها. بينّت لنا هذه الأزمة قوة بلادنا وثباتها وقدرتها على حماية كل مواطن ومقيم، كما ذكرتني كم أحب هذه الأرض وأنتمي إليها، وكم انا مستعدة لمواجهة أيّ خطر من أجلها. أنا صورة عن بلدي الذي يتحدى أيّ أزمة ويطورّ من نفسه خلالها بدل أن ينتكس أو يضعف، واستمراري بالتمرّن خير دليل على أنه لا وجود للخوف في قاموسنا، بل تجاوز للصعاب حتى نبلغ الأمان والطمأنينة التي اعتدنا عليها في ظل عيشنا على هذه الأرض الخيّرة والصلبة والقوية. هنا ألفت إلى أنّ الرياضة ساعدتني للتخفيف من التوتر والقلق والانفعالات، وهذا من جديد يدل على أهميتها في حياتنا ويومياتنا.
إلى أي مدى تشهبك القيم التي قامت عليها دولة الإمارات، من تمكين وقوة وشجاعة وإقبال وبحث عن التميّز والتفوّق؟
تعلمت كل ما أعرفه من هذه الأرض، واكتسبت قيمي من أهلها وشيوخها، فحين يقول لنا الشيخ محمد بن راشد ان لا نرضى إلا بالمركز الأول، يترسخ في أذهاننا هذا المبدأ ونسعى له في كل تفاصيل حياتنا، وانا بالتأكيد لا أقبل إلا بالأفضل، ومع أني أمارس رياضة شاقة وصعبة، إلا أني أصرّ على التحمل والصبر والتميّز فيها، حاملة كل القيم التي غرزتها الإمارات داخلي.
ما هي مشاريعك في المرحلة المقبلة؟
أستمر بحثّ الشابات على الالتزام بتعاليم دينهم وتربيتهم وقيمهم التي تربين عليها، تالياً بالتأكيد أشجعهن على ممارسة أي نشاط رياضي يفضلنه فيتبعن أحلامهن وشغفهن. بالتأكيد أواظب على تماريني وأسافر كثيراً في الفترة المقبلة للتدرب خارج البلاد لأن الطقس في أوروبا يساعدني أكثر ويسهّل تماريني، فأنا لاعبة محترفة في فريق الإمارات، وسأشارك في مجموعة سباقات أوروبية ودولية، ولديّ البطولة العربية واستحقاقات كثيرة للمشاركة في الآسياد، مع هدف جديد أن أكون بطلة القارة.
اقرئي المزيد: هيا آل خليفة: أنتمي للبحرين بكل كياني وقلبي وعقلي وأشبهه بالطيبة والإصرار والشجاعة
















