مقابلات

سارة البطوطي: امتلكت صوتاً جديداً شجّع أناس مثلي لرفع أصواتهم والتحدث بلغة التنمية المستدامة

في فلك الاستدامة، 4 رائدات كرّسن جهدهن وعلمهنّ ليحققن إنجازات مبهرة، فتعرفي على قصص نجاح تستحق الإضاءة، من خلال هذه اللقاءات الحصرية.

قبل 20 سنة وخلال دراستها للهندسة المعمارية، اختارت سارة البطوطي سفيرة الأمم المتحدة وسيدة الأعمال والمهندسة اللامعة التي تملك خبرة 20 عاماً في مجال المباني الخضراء والمستدامة، التخصص في العمارة التفاعلية والبيئية، وقد كان هذا الاتجاه مستغرباً في ذلك الوقت نظراً لكونه جديداً وغير مطلوب في السوق المصري، إلا أن سارة التي رأت هناك فجوة تفصل بين العلوم الهندسية وبين احتياجات المستقبل، أرادت أن تكون الرائدة في ردم هذه الهوة، وأن تسهم في تقليصها من خلال عملها الدؤوب وأيضاً من خلال تشجيع الجيل الجديد من المهندسين على تبني العمارة البيئية والمستدامة. الحديث معها يبدو بمثابة الإبحار في فكر حيوي جديد لسيدة ناجحة لا تعرف التعب ولا تعترف بالعقبات، بل تسعى إلى البحث وأحياناً ابتكار الحلول، هي تؤمن بأهمية الجيل الجديد وقوته وقدرته على السير بمجتمعه نحو المزيد من الوعي بالبيئة والطبيعة والثروات المتاحة، لحمايتها قدر الإمكان، وفي هذا اللقاء سنكتشف المزيد عن بداياتها وأهم إنجازاتها وأعمالها المقبلة.

تنحدرين من أسرة عريقة في مجال الهندسة، لماذا قررت الابتعاد عن كنف العائلة وشركتها المعروفة في مصر والعالم العربي، ؤللتخصص في مجال العمارة التفاعلية والبيئية، فتبدأي مسارك المهني المنفصل وتحققي النجاح بمشروعك الخاص؟

أنتمي إلى الجيل الرابع من المعماريين في عائلتي، لذا كان من المنطقي أن ألتحق بهذا المسار، فالهندسة تأتي ربما بجيناتنا أو هي مجال نتوارثه من دون تفكير، ولطالما كنت مقتنعة أن العمارة على مدار التاريخ هي الواجهة التي تنعكس من خلالها أحوال البلاد، تعكس الثقافة والتراث وتحكي قصة التاريخ والتقدم، وقد تربيت على أن دور المهندس له أبعاد مهمة جداً. خلال طفولتي كان الحديث قد بدأ يكثر عن المخاطر التي تطال البيئة وعن الثقب في طبقة الأوزون، وعن الحركة التفاعلية في العالم والاتجاه بعد الثورة الصناعية نحو المزيد من الوعي البيئي، ووجدت في داخلي اهتماماً بهذه الأمور، ولاسيما بسبب حرصي على النباتات والحيوانات ومظاهر الحياة حولي، إذ كنت أشارك في نشاطات اجتماعية قبل وصولي إلى الجامعة، فأزور الغابات وأخيّم في الطبيعة وأتعرف على أنواع الحيوانات المهددة بالانقراض، ولكني لم أعرف كيف يمكنني أن أربط هذا الاهتمام بالمسار المهني المرسوم لي. حين بدأت الدراسة في جامعة كمبريدج العريقة كانت العمارة تابعة لفرع تاريخ الفنون، بعكس ما هو الحال لدينا في العالم العربي حيث ترتبط فقط بالمجالات الهندسية المعروفة، فأحببت الخيارات المتاحة لي بالتعرف على التاريخ والعلوم البيئية المستدامة، ما سمح لي بربط دوري المعماري باهتمامي الإنساني والثقافي. حين عدت إلى مصر لم أتمكن من الالتحاق بعمل العائلة في السعودية، لأنه كان من الصعب على شابة أن تلتحق بالعمل الميداني على الأرض، وشعرت بالإحباط لأني أردت أن أعمل بيديّ وآخذ فكرة عن المواقع التي سأعمّرها. في تلك اللحظة اتخذت قراراً بأن أعمل بمفردي فتوظفت في مكتب ينفذ مشاريع تنموية كجامعات في مصر ودار الأوبرا في عمان، ومكتبة وحديقة الأزهر في القاهرة، ومع تقدم السنوات بدأت الأمم المتحدة تركز على موضوع التغيّر المناخي، ودور مختلف القطاعات في التأثير عليه، فكنت أعمل وأواكب التغيرات وأدرس المزيد من الاختصاصات المعمارية، فدرست علوم المناخ لإيماني بأننا وصلنا إلى مرحلة من التفوق في التصميم، بالاعتماد على التكنولوجيا مع عدم مراعاة المشاكل التي تواجه الإنسان والتفكير بحلول لها، لأنه برأيي المهندس هو كالطبيب ولكنه يعالج مشاكل الأماكن التي نعيش ونتواجد فيها.

بدأت بالبحث عن مجالي وشغفي الخاص في ظلّ هذه التغيرات، وعملت مع الأمم المتحدة لفترة على مشاريع بيئية وإنمائية، وأخذت خبرة من مكاتب الهندسة في مصر، إلى أن قررت أن أفتتح شركتي للهندسة البيئية، بدأت في عام 2010 بموازاة الثورة وكنت أدرس الماجستير في سياسات التغيّر المناخي وإدارة المشاريع في المناطق المهمشة، فجمعت بين علم الهندسة والإدارة، حتى تمكنت في عام 2012 من تسجيل شركتي EConsult كأول شركة هندسية وبيئية في مصر، وأخذت وقتاً طويلاً حتى يتقبل مجتمعي معنى عملي، ولا سيما أن الفترة بعد الثورة شهدت تغيرات سريعة في محاولة لتطوير الاقتصاد، قوبلت باستغراب حين كنت أتحدث عن الهندسة الخضراء، والعمارات الصديقة للبيئة التي تراعي صحة الإنسان، ولاسيما حين كنت أقصد البنوك لتمويل مشاريعي، فقد رفضوا أفكاري لأنها لا تحاكي سياسات الدولة، ولا يوجد مطالب عليها، حتى أنّ أهلي لم يدعموني فهم لم يفهموا إصراري على هذا المجال الجديد، وانتظروا فشلي لأعود وأنضم إلى أعمالهم، إلا أني لم أستسلم فبعت سيارتي لأحصل على العلامة التجارية وأسجّل الشركة وأقدمها بشكل قوي في السوق.

تملكين شركتين هما ECOnsult وMubun Sustainable Products، اللتان تركزان على الحلول المستدامة، حدثينا عنهما وعن الأثر الذي تحدثانه في السوق التصميمي والهندسي في مصر؟

انطلقت بشركتي EConcult بإيمان شديد أن المستقبل سيحمل فرصاً كبيرة، وكان عليّ أن أكوّن فريقاً يحمل نفس مبادئي وثقتي ورؤيتي، وكنا ثلاث رواد أعمال يملكون القناعة والإصرار، بدأنا بمشاريع صغيرة خارج مصر، إلى أن رفعت الدولة المصرية الدعم عن الكهرباء، وبات ترشيدها ضرورياً في المنشآت لتقليص تكلفتها، حينها بدأت الفرص تظهر أمامنا، فالعملاء والبنوك تذكروا شركتنا، وبدأوا بالاستماع إلينا وتالياً العمل معنا، حتى أن الطلب على العمل معنا ازداد من قبل المهندسين الشباب، ومع الوقت تحقق النجاح لمشروعنا الريادي. أما شركة Mubun فهي امتداد لاهتمامي بالتصميم المستدام، حيث تقدم قطع أثاث وأكسسوارات منزلية فاخرة معظمها مصنوع يدوياً من مواد صديقة للبيئة، فتحاكي الصيحات الرائجة وتحمل روح التراث والثقافة المصرية العريقة.

عرفي لنا العمارة المستدامة أو الخضراء؟ هل هي أكثر تكلفة من العمارة التقليدية؟

العمارة الخضراء تعني تصميم مكان يُعنى بالدرجة الأولى براحة الإنسان: كيفية عيشه ونومه وتوفيره مع الحفاظ على البيئة من حوله. حين بدأنا بتطبيق المشاريع كانت مكلفة لأننا لم نكن نملك موارد المواد الخام في السوق، فكنا نستوردها من الخارج، ولكن حين صرنا نجرّب مواداً متاحة أمامنا في المنطقة وتحديداً مصر، بدأت الكلفة تتقلص وصرنا نكتشف أن كل دولة عربية لديها هبة من الله تميزها، ففي مصر يوجد الغرانيت والحجر والطمي والطوب والأسمنت والحديد، وبتنا نحتاج فقط إلى المكنات والإنارة والتكنولوجيا. ومع اكتمال المشاريع الخضراء صرنا ندرك أن ما يتم دفعه داية من أموال، يتم تعويضها لاحقاً حين تتقلص أسعار الطاقة من كهرباء ومياه والتبريد على مدى سنوات طويلة. حين نستخدم المواد المحلية الموجودة في طبيعتنا والمناسبة لبيئتنا، سنرصد نجاح معادلة الحصول على أعلى نسبة راحة مع إدخال التكنولوجيا الحديثة، والحفاظ على البيئة من خلال استخدام الهواء وإضاءة الشمس بأفضل طريقة ممكنة، وكل ذلك سيصب في مصلحة الإنسان الذي سيعيش في هذا المكان.. أفكر بأماكن بهندستها تكون مخصصة لهدفين، فأصل بمبنى إلى بعد ودور مختلف وجديد، مثلاُ التعافي من التوتر يحصل في مسجد مبني من الطين والملح، فيه فكر روحاني وراحة للجسد أيضاً، مثال ثان أن تتحول محطة توليد للكهرباء إلى متجف، أيضاً سينما مفتوحة يتم استخدامها كموقف للسيارات، في النهاية المهم هو إحساس الإنسان في المكان، وطاقته وكيفية استخدامه بأفضل طريقة.

حدثينا عن مبادرة حياة كريمة، وعن معايير بناء القرى الخضراء.

مشروع تطوير القرى المصرية شغل الحكومة ورجال الأعمال لسنوات طويلة، فهناك 50 مليون مواطن يعيشون فيها، و90% منها تقوم على الزراعة وتالياً السياحة، لذا فإن هذه المناطق هي التي تؤمن لنا غذاؤنا في المدن المصرية، ما يبيّن لنا أهميتها وضرورة تنميتها بشكل متوازن. تستهدف مبادرة “حياة كريمة” 4200 قرية في 21 محافظة مصرية، وعملنا يتطلب معرفة ما الذي ينقص في كل واحدة منها حتى نؤمنه ونعيد تأهيله، فبعضها تحتاج إصلاح البنية التحتية، وأخرى تحتاج منشآت عامة كالمستشفيات والمدارس، ومنها يحتاج إلى شوارع  وآبار مياه، فعملنا باجتهاد لمعرفة النواقص وتحسينها ومدهم قدر الإمكان بالطاقة النظيفة. بداية توليت تحويل قرية تقليدية إلى قرية خضراء وعملت ليكون هناك تجديد لكل الأماكن العامة والخدماتية، مثل محطات المواصلات وقمت بإعادة تأهيل الصرف الصحي وتوفير طاقة نظيفة من خلال الطاقة الشمسية وتأمين سبل الري وترشيد المياه والتشجير، وتحسين مراكز الشباب والملاعب والحدائق العامة، كل ذلك بالشراكة مع وزارة التخطيط، والمحافظ وكافة الإدارات. كان عملي إدارياً وقيادياً، فالتصميم لم يكن فقط مقتصراً على الأماكن، بل تضمن إدارة فريق العمل من رواد أعمال رجال ونساء، لكي يفهموا أبعاد عملنا ويتمكنوا من اعتماد نمط العيش الجديد الذي بات متاحاً أمامهم. كان هدفي أيضاً إيصال صوت الناس واحتياجاتهم إلى الجهات الرسمية، واليوم أنجزت العمل مع 8 قرى أخذت شهادات دولية وتمكنت من التأقلم مع النمط المستدام في العيش، مع تحسين نظم الحياة والمداخيل.                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   كيف يمكن توطين الحلول لإنجاح تنفيذ التنمية المستدامة عربياً؟

المشكلة الأولى التي تواجه مشاريع الاستدامة هي عدم رغبة أو تقّبل الأكبر سناً للتغيير، وسأعطي مثالاُ أساتذة الجامعات في مجال الهندسة بمصر، وهم أصحاب المعرفة الكبيرة في مجالهم، يرفضون الاطلاع على أفكار الهندسة البيئية المستدامة، وتغيير النظم التعليمية التقليدية والقديمة، وهذا ما يبقينا في نفس المكان، فهذه المقاومة للفكر الجديد تقيّدنا وتحد من اطلاعنا على ما يحصل حولنا في العالم. لذا فالمطلوب تغييرات جذرية تبدأ بطرق التفكير والنظم التعليمية وتنفيذ المشاريع التنموية وتثقيف الشعوب حولها.

ما الذي عناه لك تكريم الأمم المتحدة لك في مجال الهندسة؟ 

تكريم الأمم المتحدة كان مهماً جداً في مسيرتي، ففي وقتها كان التكريم للأشخاص الذين يعملون على أهداف التنمية المستدامة الـ17، وكان تكريمي عن الهدف رقم 11 لتحقيق النجاح في تطوير المجتمعات المستدامة، وحينها أحسست أن رؤيتي التي امتلكتها حين تخرجت ولم يؤمن بها أحد، وجعلتني أعاني وأعمل بكل جهدي لكي أوصلها، وجدت صدى عالمياً، وأنه بالفعل علينا استخدام التكنولوجيا مع العلوم مع التصميم والهندسة، لكي نربط الشكل والإبداع باستمرارية الإنسان والمجتمع. 

اختارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لتمثيل ملف البيئة المصري، كيف ترين هذا التكليف وما هو الدور الذي تقومين به اليوم؟

في عام 2013 تلقيت اتصالاً من رئاسة الجمهورية يطلبونني للعمل مع مجموعة من المستشارين للرئيس عبد الفتاح السيسي، كنت حينها في الصحراء أعمل على بناء مبنى جديد، وشعرت بإحساس غامر لا يمكن وصفه، فقد تسنى لي أن أشارك في تعافي بلدي، مع رئيس قدير صاحب رؤية أدرك أهمية ملف البيئة والاستدامة، حمّلني هذا الأمر مسؤولية كبيرة، وجعلني أستخدم بكلّ حماس علمي وخبرتي لخدمة مصر في كل المجالات ولاسيما البيئية والتنموية. كانت المجموعة التي انتميت إليها كبيرة، تضم المختصين في الصحة الإنجابية، والطب العام، وغيرها كان الملف البيئي مسؤوليتي، وفعلياً كنت أعمل بإجتهاد كبير لكي أوصل صوت بلدي وأمثله في المنابر العالمية، وأحصل على تمويل للمشاريع المستدامة وأسعى لإنجاحها وتبيان أثرها على المجتمع ككل.

أنت مهندسة ومصممة تعملين مع المواد الطبيعية بيديك، في أكثر فعل له علاقة بالإبداع والابتكار، إلى أي مدى ما زلت حريصة على العمل اليدوي والتواجد الحقيقي كمهندسة ومصممة، بجانب كامل التزاماتك؟

أخذت في شركتيّ مساراً بعيداً قليلاً عن التصميم، وبات اهتمامي منصباً على تطوير الأعمال، فأنا أهتم بالاستراتيجة والاقتصاد وإقناع العملاء والبنوك وحتى الحكومات منها فرنسا والمغرب والسعودية والإمارات وبريطانيا ومصر، فأنا أقدم استشارات على مستوى دولي وليس فقط محلي. أشتاق للتصميم بالطبع ولكن قناعتي حالياً تؤكد لي أن ما قوم به أهم، وأّنّ لديّ فريق موثوق وكفوء من المصممين والمهندسين والمعماريين، قادر أن يكون على الأرض وينفّذ رؤيتي على أكمل وجه. 

نرى العديد من المدن الجديدة في مصر (الكمباوند) والتي تذهل العالم بهندستها وجمالها وتطور الخدمات فيها، هل تعتبرين أن الاستدامة يجب أن تكون ضمن أولوياتها؟ أم أن التغيير الحقيقي يجب أن يبدأ من ممارسات المواطن لكي يفهم أهمية كل فعل يقوم به بحق البيئة والطبيعة والكوكب؟

مما لا شك فيه أن هناك صيحة عالمية منتشرة بين الشباب تتعلق بالاستدامة، وأنا أرحب بها فأيّ معلومة يحصل عليها ويتشجع لتطبيقها تكون مفيدة للمستقبل، فنحن حالياً نرصد جميعاً المشاكل الحاصلة في أسعار الوقود والطاقة، وبالتالي يتبين لنا أهمية الحفاظ على مواردها بكل الطرق، وإيجاد البدائل المستدامة، وهذا ما يدفع الحكومات وأصحاب رؤوس الأموال للتحرك والبحث عن هذه البدائل. هذا لا يعني أنه لا يوجد فئات كبيرة من الشعوب التي لا تدرك فعلياً أهمية الاستدامة، وهي بعيدة عن النخب الفكرية والرأسمالية، فلم تعتد الترشيد أو اعتماد الطاقة البديلة لذا يجب أن نصل إليها لكي تبدأ بإجراء بعض التغييرات في سلوكياتها واختياراتها. بالنسبة للمدن السكنية الجديدة، فهي بمعظمها بدأت تفكر بمعايير الاستدامة لأنها تخفف الكلفة على المدى الطويل، فتحافظ على معايير الفخامة والرقي في التصميم مع الاستعانة بمتخصصين في العمارة الخضراء لكي تواكب التطورات الحاصلة في هذا المجال.

اقرئي المزيد: ندى حكيم: نجذب في Wetheloft العلامات التجارية التي تُدرك أن الهوية القوية هي نتاج موازنة القيم الوظيفية والتماسك الثقافي

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية