مقابلات

سلمى مراد: یھمني الوصول إلى الآخر بقدر صدق ما أقّدمه لا بقدر حجم التأثیر فهذا ما يمنح الفن أبعاده

نتعرف على 7 نساء عربيات عرفن معنى التفوق وبرزن في صدارة مجالاتهن، فكيف وصلن إلى ما هنّ عليه اليوم من نجاح؟ وما هي التحديات التي واجهتهن، وكيف تخطينها ووصلن إلى درجة عالية من معرفة الذات ومكامن قدراتها التي لا تنحصر.

هي شابة متعددة المواهب، تبدأ إبداعاتها ابلكتابة فتصلها بالإخراج وتحويل الكلمات إلى صور مرئية، كما أنها تملك الصوت العذب الرائع الذي يحمل كلماتها بسلاسة وانسيابية عالية إلى الآخر، تخوض طريقها بثبات متمسكة بطموح كبير ورؤية فنية واصحة في وسط مجال كبير ومليء بالمنافسة. تحدثنا في هذا اللقاء عن فكرها ونهجها الفني وطموحاتها المقبلة.

أنتِ فنانة شاملة متعددة الاھتمامات والمواھب، كیف اكتشفت میلك لكل نوع إبداعي، بدایة الكتابة، وھل تبعھا شغف الإخراج؟ بالإضافة إلى امتلاك الصوت الجمیل واكتمال العملیة الإبداعیة بالوصول إلى الإنتاج الفني؟ 

كانت الكتابة بدایتي الطبیعیة، المساحة التي أفھم فیھا نفسي وأحّول مشاعري إلى كلمات، ومع الوقت تحوّلت الكلمات إلى صور فجاء الإخراج امتدادًا لرغبتي في تجسید رؤیتي بصرياً، أما الغناء فكان حباً قديماً أخفيه خجلاً، لكني كنت أعبّر عنه بطريقتي الخاصة من خلال إنتاج نغماتي بنفسي، وحين مرت فترة كورونا، عدت إليه لأكتشف أن شغفي به لم ينطفئ بل كان يكمل رحلتي الإبداعية من الفكرة إلى الإنتاج الفني المتكامل.

 متى عرفت أنك تملكين رؤية فنیة جدیدة ترغبین بإیصالھا؟ 

أدركت أنني أرى التفاصیل بطریقة مختلفة عندما لاحظت تفاعلي العمیق مع الأشیاء من حولي. لم تكن مجرد رؤیة فنیة، بل أداة أستخدمھا لتحلیل الحیاة وفھمھا، وطریقتي الخاصة في معالجة مشاعري وترتیب ما بداخلي ومنحه معنى.

حدثینا عن فیلمك “كبریت”، الذي ألفته وأخرجته، كیف اكتملت عناصر العمل وتبلورت النتیجة النھائیة الممیزة على الشاشة؟ 

كان فیلم “كبریت” تجربة شخصیة جًدا؛ أشعر أنه نما من خلالي أكثر مما صنعته بیدي. كتبته في البدایة كنص دون نية لتحويله إلى فيلم، لكن حين شاركت في ورشة وطلب مني تقديم سيناريو قمت بتطويره لیتناسب مع الشاشة. بعدھا عرضت صدیقتي بیان جمال إنتاجه لي، ومن ھناك بدأت الأمور تتكامل بسلاسة وكأن كل شيء وجد طریقه في الوقت المناسب، وقد كانت النتيجة واحدة من أصدق وأجمل التجارب التي عشتها فنياً وإنسانياً.

كیف تبلورت شخصیتك الفنیة وكیف تطورین الیوم أدواتك الإخراجیة والإنتاجیة والكتابیة؟

تبلورت شخصیتي الفنیة عندما أدركت أن الصدق ھو العنصر الأھم في كل ما أقّدمه. بالنسبة لي، أي فكرة لا تنبع من إحساس حقیقي لا یمكن أن تصل بصدق إلى الآخرین. لذلك أصبحت أبحث دائماً عن الحقیقة داخل العمل، حتى لو كانت ھشة أو مؤلمة، لأنني أؤمن أن الصدق ھو ما یمنح الفن روحه. الیوم أطور أدواتي الإخراجیة والإنتاجیة والكتابیة من ھذا المنطلق تحدیدًا؛ أسأل نفسي دائمًا: ھل ھذا حقیقي؟ ھل یشبھني؟ أعمل على تبسیط الفكرة بدل تزیینھا، وعلى حمایة جوھرھا في كل مرحلة من مراحل التنفیذ. بالنسبة لي، التقنیة مھمة، لكن الصدق ھو ما یصنع الفرق ویمنح العمل أثره الحقیقي.

 ما ھي المشاعر التي تعیشینھا في موقع التصویر؟ الحماس بأن تكوني المسؤولة أو ربما التوتر أو إحساس بأنك الآن في مكانك المناسب؟ 

الإخراج لیس سھلاً أبداً، فعليّ أن أملك جواباً منطقياً لكل سؤال يمكن أن يُطرح، وهذه مسؤولية كبيرة تضعني في حالة وعي وتركیز دائمین. لكن حین تكون لديّ الإجابات وتسیر الأمور بسلاسة، أشعر بتواضع عمیق وامتنان كبیر. وجود الجمیع بدافع إیمانھم بالفكرة، وشغفھم الذي یلتقي مع شغفي، یخلق طاقة خاصة في موقع التصویر .. لحظات تبدو وكأنھا سحر حقیقي یحدث أمام عینيّ.

ھل تفكرین في استكشاف أنماط جدیدة في الكتابة والإخراج، یمكن رومانسیة، خیال علمي أو أكشن..؟

 نعم، أفكر دائمًا في استكشاف أنماط جدیدة، لكن بالنسبة لي النوع لیس ھو الأساس بقدر ما ھو الإحساس الذي یحمله العمل. یمكن أن أقترب من الرومانسیة أو الخیال العلمي أو حتى الأكشن، لكن بطریقتي الخاصة، ومن زاویة إنسانیة صادقة تشبھني. أحب أن أجرّب وأتحدى نفسي، لكن دون أن أفقد ھویتي أو البوصلة التي تقودني، وھي الصدق قبل أي شيء آخر.

إلى أي مدى یعنیك الوصول إلى الآخر بأفكارك وفنك، أي ربما إحداث تأثیر في سلوكه أو یومیاته أو حالته النفسیة؟ 

یھمني الوصول إلى الآخر بقدر صدق ما أقّدمه، لا بقدر حجم التأثیر. إذا شعر أحدھم بأنه مفھوم ومحسوس أو وجد جزءاً من نفسه في عملي، فھذا یكفیني. لا أسعى لفرض تغییر مباشر، بل لخلق مساحة إنسانیة قد تترك أثراً هادئاً وطویل الأمد. وبصراحة، أنا أستمتع بھذه العملیة جدًا والمتعة جزء أساسي من علاقتي بالفن؛ إذا فقدت ھذا الشعور، یصبح العمل الذي اقوم به بلا معنى.

ما رأیك بالتجارب السینمائیة السعودیة، ھل باتت “صناعة” قائمة بحد ذاتھا، وما الذي ینقص الشباب لكي یبرع أكثر في مجال الإخراج والتمثیل؟ 

أعتقد أن السینما السعودیة تسیر نحو أن تصبح صناعة متكاملة، لكننا نحتاج إلى الوقت، ومع الشباب الیوم یملكون شغفاً كبيراً وطاقة واضحة، ومع الاستمرارية والتجربة سيتطور المستوى طبيعياً ويزداد النضج مع السنين.

ھل يهمك أن تحقق أعمالك نجاحاً عربياً ولاخقاً عالمياً؟ 

أي فنان سیسعد بالتأكید بالحصول على جوائز أو تحقیق نجاح جماھیري، فھذا تقدیر جمیل لأي جھد كبير قد یُبذل. لكن ھل ھو الھدف النھائي؟ بالنسبة لي لا، لأن تحویله إلى غایة أساسیة یضعني تحت ضغط ویفسد متعة وصدق العملیة نفسھا. أؤمن أن العمل الصادق حین یُصنع بنیّة حقیقیة وبإحساس نابع من الداخل، غالباً ما يجد طريقه للتقدير سواء من الجمهور أو المھرجانات، هكذا الجوائز تأتي كنتیجة، لكنها لیست ھي الدافع.

ھل ترین وجود تغییرات في ذوق الجمھور العربي وما الذي یبحث عنه في الأفلام والاغاني والفن بشكل عام؟ 

أرى أن ذوق الجمھور العربي یتطور بسرعة، وأصبح أكثر انفتاحاً بسبب تنوع المنصات وسھولة الوصول للمحتوى العالمي. الیوم یبحث الناس عن جودة أعلى، أفكار جدیدة، وتجارب مختلفة تواكب تطلعاتهم، سواء في الأفلام أو الأغاني أو الفن بشكل عام.

ما ھي الأغاني والأفلام التي تستھویك متابعتھا في أوقات فراغك؟ 

أمیل إلى الأفلام التي تركز على التفاصیل الإنسانیة والعلاقات المعقدة سواء كانت دراما هادئة أو أعمال بصریة تحمل حسّاً فنياً واضحاص، أحب أيضاً مشاهدة أفلام من ثقافات مختلفة لأنها توسع رؤيتي وتلهمني بصرياً وسردياً، أما في الموسیقى، فأتنقل بین أنماط متعددة بحسب مزاجي؛ أستمع أحياناً لأعمال هادئة وأحيان أخرى لأغا ن ملیئة بالطاقة، بالمحصلة ما یھمني هو الإحساس والجو العام أكثر من التصنیف.

ھل یوجد لدیك مصدر للالھام او القوة، شخص تعودین الیھ في لحظات الضعف ویضعك مجدداعلى الطریق الصحیح؟ 

مصدر إلھامي وقوتي في الأساس ھو داخلي وإیماني بنفسي وبالسبب الذي بدأت من أجله. في لحظات الضعف أعود إلى ھذا الدافع الأول، إلى الشغف الصافي الذي لا یرتبط بتوقعات أو نتائج لكن بالطبع ھناك أشخاص مقّربون أستمد منھم الدعم والاتزان، أشخاص یذكرونني بمن أكون حين أتوه قليلاً، وجودھم یمنحني طمأنینة، لكن الطریق أعود إلیه دائماً من داخلي أولاً.

ما ھو برأیك ما یقوي المرأة ویزید تمكینھا ویخولھا أن تتخطى أي عقبات أو علاقات غیر مفیدة في حیاتھا المھنیة والشخصیة؟ 

أعتقد أن ما یقوي المرأة ھو وعیھا بذاتھا وإدراكھا لقیمتھا.. عندما تكون واضحة مع نفسھا، یصبح من الأسھل أن تتجاوز أي عقبة أو علاقة لا تشبھھا. القوة الحقیقیة تبدأ من الداخل، من الثقة والاختیار الواعي.

 ما ھي مشاریعك المقبلة؟

أعمل على تطویر عدة أفكار قریبة من قلبي، بین الكتابة والسینما، وأمنح كل مشروع المساحة التي یحتاجھا لینضج بھدوء. أؤمن أن أجمل الأعمال ھي التي تأخذ وقتھا الطبیعي في التكّون، والفترة المقبلة تحمل بالتأكيد مشاريع مميزة وأتطلع لمشاركتھا وأطمح أن تكون أكثر عمقاً ونضجاً وتأثيراً.

اقرئي المزيد: هجان عبدالله: تعلمت في عام من بناء علامتي التجارية أكثر مما اكتسبته في سنوات الدراسة والأعمال

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية