مقابلات

جوانا جميل: اخترت التركيز على إلهام الآخرين وتمكينهم لإيماني بأن تأثيري الأكبر ينبع من صياغة الروايات المجتمعية

نتعرف على 7 نساء عربيات عرفن معنى التفوق وبرزن في صدارة مجالاتهن، فكيف وصلن إلى ما هنّ عليه اليوم من نجاح؟ وما هي التحديات التي واجهتهن، وكيف تخطينها ووصلن إلى درجة عالية من معرفة الذات ومكامن قدراتها التي لا تنحصر.

الحديث معها مليء بالمتعة والحماس والمعرفة، فهي تتقد ذكاء وثقة وطموحاً، جوانا جميل اليوم تتبوأ منصب مديرة الشراكات العالمية الاستراتيجية في شركة ميتا العالمية، فبعد أن درست الصحافة في الجامعة الأميركية في دبي اختارت طريقًا غير متوقع أو مألوفاً، فبينما اتجه العديد من زملائها إلى وظائف تقليدية في غرف الأخبار، غيّرت مسارها من الصحافة إلى شركات التكنولوجيا العالمية.  تقول “انتقلتُ من التدريب في CNN والعربية إلى مايكروسوفت، ثم تويتر، حيث عملتُ ضمن فرق الشراكات والمحتوى في جميع أنحاء المنطقة. أتاح لي هذا التحوّل التواجد في نقطة التقاء الإعلام والتكنولوجيا. قبل ست سنوات، انضممتُ إلى ميتا، حيث أعمل الآن على بناء شراكات استراتيجية ضمن منظومة صناع المحتوى، أو كما أقول: التأثير في المؤثرين”. اكتشفي المزيد عن رحلتها الملهمة في هذا اللقاء.

من كانت جوانا قبل وصولها إلى هذا المنصب، ومن هي اليوم؟

قبل هذا المنصب، كانت جوانا تبحث باستمرار عن المجالات التي يمكنها فيها إضافة قيمة؛ تنظر حولها، وترسم مسارها، وتسير فيه بشغف كبير لتحقيق النجاح. رسمت خارطة الطريق وانطلقت لتحقيقها. أما جوانا اليوم فهي أكثر ثقة بنفسها، تُدرك قيمتها. لم يعد الأمر يتعلق بمطاردة الطموح؛ بل بالعمل بوضوح أكبر وعلى نطاق واسع وفي مسار واضح. لم تعد جوانا تكتفي بإنجاز المهام الروتينية، بل باتت تُشكّل العناصر التي تؤثر في قطاعات بأكملها.

كيف اختلفت خلال سنوات العمل في الشركات المالكة والمحركة لوسائل التواصل، لتكوني اليوم من أبرز الأصوات المؤثرة في تشكيل اقتصاد صُنّاع المحتوى؟

بدأت أولي اهتمامًا أكبر للقطاع ككل، ليس فقط المنصات، بل التحولات التي تحدث حولها. بدأتُ أعبر عن ملاحظاتي وآرائي بثقة أكبر، مستندةً إلى حوارات مباشرة مع بعض أكبر وأكثر الشخصيات تأثيرًا في صناعة المحتوى، بالإضافة إلى الشخصيات الداعمة في المنطقة. بمرور الوقت، تحولت تلك الحوارات إلى رؤية ثاقبة وتحولت تلك الرؤية إلى تأثير.

هل واجهتِ أي تحديات أو صعوبات في هذا المنصب المهم، الذي قد تعتبره العديد من الشابات العربيات الطموحات أن تبؤه يكاد يكون مستحيلاً؟

أولًا، لا شيء مستحيل وأنا خير دليل على ذلك. ستوجد التحديات دائمًا، خاصةً عندما تسعين لتحقيق شيء ليس من السهل الوصول إليه. دائمًا ما يكون لاختيار طريقٍ لا يسلكه الكثيرون ثمنٌ يجب دفعه وتنازلاتٌ يجب تجاوزها. بالنسبة لي، كان التحدي الأكبر هو إيجاد صوتي الخاص والتأكد من إيصاله. عندما تكونين شابة وتدخلين غرفًا مليئة بأشخاص ذوو خبرة وسلطة، قد تشعرين بالرهبة، وقد شعرتُ بذلك في البداية. لكن بدلًا من الانزواء والتوتر قررتُ أن أتطور.. اخترتُ التحدث والاستعداد للفرص وكسب مكاني بجدارتي بين الحضور، وبمرور الوقت، حلت الثقة محل الرهبة.

أنتِ تمتلكين رؤيةً جريئةً وحدسًا قويًا، ما مكّنكِ من قيادة مبادرات تربط العلامات التجارية بالمبدعين. كيف تعرفين أو تتوقعين أن هذه الشراكات ستكون ناجحةً ومؤثرةً على جمهور واسع؟

لا أعتمد على الحدس وحده، بل أبقى منخرطةً بعمق في السوق. أستمع باستمرار إلى المبدعين والعلامات التجارية والجمهور، وأرصد التغيرات في السلوك. عندما تكونين دائمًا حاضرةً في المكان ودائمًا مشاركةً في الحوار، تبدئين في استشعار الاتجاهات الثقافية قبل أن تصبح واضحة. أولي اهتمامًا للأنماط وأطرح الأسئلة: ما هي المحادثات المتكررة؟ ما هي الأشكال الرائجة؟ ما هي متطلبات الجمهور؟ وبالتأكيد فإن الإجابات تخولني الرؤية بوضوح. بالنسبة للتعاونات الناجحة فهي نادرًا ما تكون وليدة الصدفة، بل تتحقق عندما نكون منغمسين تمامًا في البيئة الرقمية، وقادرين على ربط الأفكار قبل أن يراها الآخرون.

برأيك، كيف يمكن إحداث تأثير دائم من خلال المحتوى الموجه للجمهور العربي في عالم رقمي سريع التطور والتغير؟

يبدأ التأثير الدائم لدى الجمهور العربي بالملاءمة، فيخاطب المحتوى هذه المنطقة تحديداً لا يلقى عليها، كما أن بناء الثقة أمر أساسي، بالإضافة إلى المصداقية والعمق والفهم الثقافي لطبيعة الجمهور.

ما نوع المحتوى الذي تعتقدين أنه سيكون الأكثر تأثيرًا وطلبًا في الفترة القادمة؟

هو المحتوى المدروس والواعي والملائم ثقافياً، الجمهور اليوم يتجه نحو الابتعاد عن الكمال المُبالغ فيه، فهو يريد منظورًا أوسع، وعمقًا، وسياقًا.

برأيك، ما الذي يُميّز بعض المحتوى ويجعله ينتشر انتشارًا واسعًا، في حين قد نجد محتوىً أكثر أهميةً برسائل أقوى، لكنه لا يحقق أي انتشار؟ 

إن ما يُميّز المحتوى الذي ينتشر انتشارًا واسعًا ليس دائمًا عمقه أو أهميته، بل قدرته على إثارة ارتباط عاطفي فوري وتفاعل واسع النطاق.

“التأثير على المؤثرين”، هذا ما تقولينه في التعريف عنك عبر صفحتك في إنستغرام، أي أنك تُلهمين مؤثرين آخرين. لماذا لم تُفكّري في أن تُصبحي مؤثرة بنفسك، وتحققي الشهرة والنجاح؟ وبالعودة إلى السؤال الأول، كيف يحدث هذا الإلهام للمؤثرين؟

اخترت التركيز على إلهام الآخرين وتمكينهم بدلًا من السعي وراء الأضواء لنفسي، لأنني أؤمن بأن تأثيري الأكبر ينبع من صياغة الروايات والقيم التي تنتشر في المجتمعات بأكملها. من خلال توجيه وتحفيز أصحاب المنصات الكبيرة، أُضخّم التغيير الإيجابي على نطاق أوسع بكثير مما يمكن أن تُحققه أي شهرة فردية، وهذا، في رأيي، هو المقياس الحقيقي للتأثير والنجاح.

يبدو تحقيق النجاح والشهرة والمال عبر وسائل التواصل الاجتماعي أمرًا سهلاً عندما يلاقي مقطع فيديو انتشارًا واسعًا، جاذبًا المعلنين والداعمين لشخص كان عاديًا في السابق، وتغيرت حياته فجأة. إلى أي مدى يُثبط هذا عزيمة الأشخاص الذين لديهم بالفعل أفكاراً جديدة ومبتكرة؟ وكيف، برأيك، يُمكن لشخص ما بناء اسم قوي وراسخ ومؤثر من خلال محتوى قوي وجديد وجذاب حقًا؟

إن ظاهرة النجاح الفيروسي التي تُشيرين إليها قد تُخلق بالفعل سردية خاطئة مفادها أن الشهرة بين عشية وضحاها هي السبيل الوحيد للتأثير، وهو ما يُثبط عزيمة المبدعين المبتكرين حقًا الذين يُدركون أن التأثير الحقيقي يتطلب وقتًا ومثابرة وجوهرًا. ومع ذلك، فإن أولئك الذين يفهمون حقًا المشهد الرقمي يعلمون أن لحظات الانتشار الفيروسي عابرة، لكن التأثير الأصيل دائم. لبناء اسم راسخ وقوي بمحتوى مميز، يجب التركيز على خلق قيمة مستدامة بدلاً من السعي وراء الانتشار السريع، وهذا يعني تطوير أسلوب فريد، والحفاظ على معايير جودة ثابتة، والتفاعل بصدق مع الجمهور، والتحلي بالصبر لبناء الثقة مع مرور الوقت.. المبدعون الذين يحققون تأثيراً دائماً هم أولئك الذين ينظرون إلى المحتوى الرائج كمكافأة إضافية، وليس كغاية، لأنهم يدركون أن السلطة الحقيقية تنبع من تقديم قيمة مستدامة، لا من الترفيه المؤقت. بينما يسعى الآخرون وراء الصيحات، يقوم المؤثرون الراسخون بصياغتها.

أنتِ اليوم شابة عربية تشغلين منصباً عالمياً هاماً. برأيك، هل نشهد مساواة في معاملة النساء في المناصب القيادية؟

على الرغم من أنني كنت محظوظة للغاية بالعمل في شركة ميتا حيث أشعر بالاحترام والتقدير كقائدة، إلا أن هذه التجربة جعلتني أدرك مدى ندرة هذا الوضع. أرى نساءً موهوبات يضطررن باستمرار لإثبات أنفسهن بجهد مضاعف، ويواجهن تحيزات خفية في الاجتماعات، ويتعاملن مع معايير مختلفة عن نظرائهن من الرجال. الحقيقة هي أن العديد من النساء في المناصب القيادية ما زلن يواجهن بيئات عمل يتعرضن فيها للاستجواب أكثر، والمقاطعة أكثر، وتحدي خبراتهن بشكل متكرر. ما يميز وضعي في شركة ميتا هو أنه يُظهر ما يمكن تحقيقه عندما تلتزم الشركة التزامًا حقيقيًا بالمساواة، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون استثناءً، بل يجب أن يكون هو القاعدة. ما زال أمامنا طريق طويل، قبل أن نتمكن من القول بصدق إن هناك مساواة حقيقية في المناصب القيادية.

ما هي الصفات المطلوبة من الشابة لتصبح قائدة ناجحة ومؤثرة، ولها صوت مسموع بين زملائها؟

من واقع خبرتي، أعتقد أن هناك عدة صفات أساسية كانت ضرورية لي كشابة أسعى لبناء نفوذي في المناصب القيادية. أولاً، يجب عليكِ بالتأكيد أن تثقي بخبرتكِ، ليس غروراً، بل ثقة حقيقية بما تقدمينه. لقد تعلمتُ أنه عندما تشكين في نفسكِ، سيشك الآخرون بكِ أيضاً. ثانياً، الأصالة أمر بالغ الأهمية. لقد رأيتُ الكثير من النساء يحاولن تبني أساليب قيادية لا تناسبهن، وهذا لا ينجح أبداً. عليكِ تطوير أسلوبكِ الخاص والثقة به. ثالثاً، أقول إنه التواصل بذكاء وحيوية، أي معرفة متى تتحدثين، ومتى تستمعين، وكيف تعبرين عن أفكاركِ بوضوح وإقناع. أخيراً، أعتقد أن بناء علاقات حقيقية على جميع مستويات المؤسسة أمر ضروري. يحتاج الناس إلى رؤيتكِ كفؤة ومتعاونة. بالنسبة لي، كان الأمر يتعلق بتحقيق النتائج باستمرار مع التمسك بقيمي وعدم الاعتذار أبدًا عن وجودي في دائرة صنع القرار.

هل لديك مصدر إلهام أو قوة، شخص تلجأ إليه في لحظات الضعف ليرشدك إلى الطريق الصحيح؟

هذا سؤال في غاية الأهمية، وبصراحة، استغرق مني الأمر سنوات لأجد التوازن الصحيح، وما زال أمامي طريق طويل. ما تعلمته هو قوة أخذ الوقت الكافي، أخذ الوقت الكافي حقًا لاستيعاب ما حدث خلال اليوم، ما الذي سار على ما يرام، وما الذي لم يسر على ما يرام، وعدم التسرع في اتخاذ القرارات، أو الافتراضات، أو ردود الفعل الفورية.

لقد غيّر هذا التوقف حياتي.. كنت في السابق أتفاعل بانفعال، أما الآن فأمنح نفسي مساحة للتفكير قبل الرد على المواقف الصعبة. أطفالي وزوجي هم أولويتي الأولى ومصدر راحتي وقوتي الأكبر. عندما أعود إلى المنزل وأقضي وقتًا مع عائلتي، أشعر بالاستقرار التام. إن التواجد معهم، سواءً كان ذلك بمساعدتهم في واجباتهم المدرسية، أو تناول العشاء، أو حتى مجرد الحديث عن يومهم، يعيد إليّ الحماس والوضوح اللذين أحتاجهما لأبذل جهدًا أكبر في حياتي المهنية.. إنهم يذكرونني لماذا أعمل بجد وما هو المهم حقًا.

برأيك، ما الذي يمكّن المرأة ويساعدها على تجاوز العقبات أو العلاقات غير المثمرة في حياتها المهنية والشخصية؟

الأمر يتلخص في ثلاثة أمور أساسية: مزيج من الثقة بالنفس، والوصول إلى شبكات داعمة، والالتزام بالتطور المستمر. عندما تؤمن المرأة بقدراتها وقيمها، تكون أكثر قدرة على وضع حدود صحية واتخاذ خيارات تتوافق مع أهدافها. يوفر الدعم من الموجهين والزملاء والعائلة التشجيع والتوجيه، بينما يساعدها التعلم المستمر والقدرة على التكيف، على تجاوز التحديات واغتنام الفرص الجديدة. في نهاية المطاف، ينبع التمكين من الداخل، ولكنه يتعزز ببيئة تُشجع على الاحترام والاستقلالية وحرية السعي وراء الطموحات.

ما هي المشاريع التي تعملي عليها حاليًا؟

لو أني سأخبرك بكل شيء، لكان عليّ أن أطلب منك توقيع اتفاقية عدم إفصاح! لكن ما يمكنني مشاركته هو أنني في ميتا، أقود بحماس حملات المسؤولية الاجتماعية للشركات التي يقودها المبدعون، مثل “مبدعون من أجل هدف”، والتي تُشعرني بالحماس والشغف وتُتيح لي أن أرى بشكل مباشر الأثر الإيجابي الذي يُمكن أن يُحدثه المبدعون في المجتمع. أُتابع دائمًا باهتمام اقتصاد المبدعين المتطور باستمرار، باحثة عن طرق ذكية لخدمة هذا القطاع بشكل أفضل. على الصعيد الشخصي، تبقى الكتابة ملاذي السري، وحالياً أعمل بهدوء على كتابي الثاني للأطفال، وسأشارك المزيد من التفاصيل عنه في الفترة اللاحقًة.

اقرئي المزيد: نور فليحان: يطغى الطابع العربي على فني برموزه المرتبطة بالمنطقة وذكرياتنا الجماعية المشتركة

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية