في عالم الموضة الواسع، أصبح كل شيء اليوم مصدراً للإلهام، غير أنّ مفهوم السفر برز في السنوات الأخيرة كواحد من أبرز المحاور التي تدور حولها المجموعات وعروض الأزياء. فمنذ سنوات طويلة، اعتادت دور الأزياء الفاخرة تقديم مجموعات تحمل في طياتها حكاية وهوية ثقافية وتراثية ترتبط بموضوع المجموعة، إلا أنّ السفر تحوّل اليوم إلى مصدر إلهام متكامل تستقي منه الدور رؤيتها الإبداعية، من خلال استحضار الوجهات والثقافات المختلفة وما يرتبط بها من تفاصيل وتجارب. وبصفته وقوداً للإبداع، لا يقتصر السفر على إلهام مجموعة جميلة فحسب، بل يخلق عالماً متكاملاً تتحوّل فيه الأزياء من ضرورة إلى أسلوب حياة، قائم على الهروب من الواقع وعيش تجربة لا تُنسى.
ومن العمارة، ولوحات الألوان الساحلية، والحرف المحلية، والمنسوجات التقليدية، وصولاً إلى الموسيقى والفنون، يمنح السفر المصممين نافذة على لغة بصرية جديدة، تفتح المجال أمام تطوّر إبداعي يولد من التبادل الثقافي وفنّ السرد القصصي. وقد استوحت دور الأزياء الفاخرة مجموعاتها من وجهات بارزة مثل ساحل أمالفي ومراكش وسان تروبيه وروما وفلورنسا، لتنسج عوالم مفعمة بالفخامة والحرية والتعبير، تتجاوز فيها الأزياء مجرد كونها قطعاً تُرتدى لتصبح ذكرى وحالة شعورية ورحلة متخيَّلة. كما أتاحت المجموعات المستوحاة من السفر للدور اكتشاف تقنيات حرفية مختلفة، من التطريزات الفنية إلى تقاليد الحياكة وأساليب معالجة الأقمشة المستوحاة من مختلف الثقافات.

CHANEL
وسواء كان الإلهام مستوحى من الهروب إلى السواحل، أو سحر الصحراء، أو حياة المدن، أو ثقافة اليخوت، أو الوجهات الاستوائية، أو رحلات التزلّج، تبقى الخيارات بلا حدود. وقد ارتبطت مجموعات الكروز ومجموعات ما قبل الخريف تاريخياً بفكرة السفر، إذ صُمّمت أساساً لعملاء يعيشون أسلوب حياة يتطلّب أزياء خاصة بكل وجهة يقومون بزيارتها. وفي عام 2026، علامات بارزة مثل Gucci و Chanel و Louis Vuitton و Max Mara ركّزت في مجموعات الكروز الخاصة بها على حرف مرتبطة بوجهات سفر محددة، ومواقع ثقافية وتراثية، ووجهات شاطئية، في احتفاء واضح بجمالية دمج عناصر السفر ضمن المجموعات الفاخرة. وجزء كبير من سحر هذه المجموعات يكمن في أنّ دور الأزياء لم تعد تكتفي بابتكار ملابس مخصّصة للسفر، بل باتت المجموعات نفسها ثمرة أسلوب حياة متكامل قائم على الحركة والهروب من الواقع والخيال المرتبط بوجهة معيّنة. وقد ازدادت شعبية مفهوم “التجارب التي تُلبس وتُعاش”، فلم يعد الاهتمام اليوم محصوراً في الصيحات أو محتويات خزانة الملابس، بل تحوّل السرد في عالم الموضة، بالنسبة إلى المستهلك ودور الأزياء معاً، نحو مساحة تلتقي فيها الثقافة بالقصص المستوحاة من الوجهات المختلفة.
“أصمّم للنساء اللواتي يعشقن السفر، ويجدن الفخامة في بساطة الأشياء.” Michael Kors

LOUIS VUITTON
فعلى سبيل المثال، احتفت دار Gucci الإيطالية خلال عرض مجموعة الكروز 2026 الذي أُقيم في فلورنسا، بروح البذخ الإيطالي والسحر الفاخر المتأصل في هوية الدار، في عودة إلى جذورها الأصلية. معاطف الفرو الصناعي الطويلة، والسترات ذات الأكتاف المنسدلة، والتنانير الضيقة، وطبقات الدانتيل المتباينة، جميعها منحت المجموعة طابعاً متجذّراً في روح فلورنسا. أما Chanel، فقد قدّمت مجموعة احتفت بجذورها الساحلية وسحرها المستوحى من السينما، من خلال عرض أُقيم في مدينة بياريتز الفرنسية، حيث افتتحت Coco Chanel أول متجر لها. وجسّدت المجموعة أجواء البحر والحياة الساحلية عبر قصّات انسيابية وطبعة خطوط الملابس بحرية وتطريزات مستوحاة من حراشف السمك ولوحة ألوان صيفية تضم الأزرق والوردي والأبيض، استحضرت وجهة حالمة ومشمسة. وفي المقابل، التقطت العلامة الأسترالية Zimmermann الجمال الساحر لأزقّة ميكونوس الشهيرة في تصاميمها.

DIOR

ZIMMERMANN
ولا تعني مجموعات الكروز ومجموعات ما قبل الخريف بالضرورة ملابس للعطلات بالمعنى الحرفي، بل هي مجموعات تستوحي روحها من مدن وسواحل ووجهات سينمائية وذكريات الإجازات، إذ تترجم دور أزياء فاخرة أجواء هذه الأماكن إلى حالة شعورية تنعكس في خزائن ملابس فاخرة قابلة للارتداء. ففي مجموعة ما قبل الخريف 2026، استلهم المصمّم اللبناني Elie Saab المجموعة بالكامل من بيروت، المدينة التي وصفها بأنها المكان الذي يوازن بين النور والظل، من خلال تناقضاتها الساحرة وعمارتها وإحساسها. وقد عكست التصاميم، بقصّاتها الراقية والمريحة، بريقاً كلاسيكياً يفيض بالحنين والملامح المعمارية التي تحاكي هوية بيروت الجامعة بين الحداثة والإرث العريق.
استُلهمت من الأجواء الفريدة لبيروت، وصُمّمت بحساسية عالمية، تمنح مجموعة Elie Saab لما قبل خريف 2026، المتناقضة والمتكاملة في آنٍ واحد، كل امرأة فرصة التعبير عن ذاتها بكل تعقيدها وتناقضاتها وجمالها

ELIE SAAB

MISSONI
وإلى جانب المجموعات المستوحاة من السفر، دخلت دور الأزياء الفاخرة خلال السنوات الأخيرة عالم الضيافة، مع تركيز واضح على المنتجعات الشاطئية والفنادق الفاخرة. فمنذ عام 2020، لم تعد الموضة الفاخرة تكتفي بتقديم المنتجات، بل اتجهت إلى ابتكار تجارب متكاملة تغمر المستهلك في أسلوب حياة يعكس الهوية الكاملة للعلامة. واشتهرت دور مثل Dior و Jacquemus و Dolce & Gabbana باستحواذاتها الصيفية على شواطئ ووجهات عالمية، من الريفييرا التركية وكابري وبالي إلى موناكو وصقلية وسان تروبيه وماربيا، فيما رسّخت Louis Vuitton و Bottega Veneta و Chanel و Loewe و Prada حضورها في عالم المتاجر الصيفية المؤقتة، مقدّمة لعشّاق السفر تجربة فاخرة تنساب بسلاسة من الشاطئ إلى المتجر.
“نعشق الشمس والبحر والحرارة. الصيف بالنسبة إلينا ليس فصلاً من فصول السنة، بل هو حالة ذهنية.” Domenico Dolce & Stefano Gabbana

GUCCI
في عالم الموضة، لا حدود للإبداع، وكل شيء قابل لأن يتحوّل إلى مصدر إلهام. وبالنسبة إلى دور الأزياء الفاخرة، تؤدّي الوجهات السياحية والسفر دوراً محورياً في صناعة الأحلام وتحويلها إلى واقع، حيث أنّ المصممين يعكسون أجواء هذه الوجهات وثقافتها وطبيعتها ورابطها العاطفي من خلال الألوان والأقمشة والقصّات والسرد البصري، في مجموعات لا تُترجم المكان بحد ذاته، بل تنقل الإحساس الذي يخلّفه، ليتحوّل إلى سردية قابلة للارتداء، تصبح فيها كل تفصيلة، من النسيج إلى تصميم منصّة العرض، انعكاساً لمكان معيّن. وغالباً ما تكون الألوان أول ما يحدّد المزاج العاطفي للمجموعة، فتستحضر درجات الذهبي والبرونزي والتيراكوتا مثلاً أجواء الصحراء، فيما تعبّر التدرّجات البحرية من الأخضر والكحلي والفيروزي والأبيض عن الوجهات الساحلية، بينما ترتبط الألوان الحمضية بالمناطق الاستوائية. ولا تقتصر التجربة على الألوان وحدها، بل تكتمل من خلال الأقمشة والقصّات والحرفية وتصميم منصّات عروض الأزياء، لتصبح الوجهات نقطة انطلاق لخلق شعور بالحرية والمغامرة والحنين إلى الماضي والاكتشاف. وهكذا، لا تسعى المجموعات المستوحاة من السفر إلى محاكاة المكان حرفياً، بل إلى التقاط روحه وتحويلها إلى تجربة حيّة يمكن ارتداؤها.
اقرئي المزيد: 20 عاماً من الإبداع والجرأة في عالم الترصيع مع Richard Mille






