الكوفية الفلسطينيّة رمز للصمود والعزيمة والتضامن

لطالما شكّل تطوّر سلعة رمزيّة جزءاً من تقاليد العالم وثقافاته، بحيث تكون المواد المتعلّقة ببعض الحضارات عبارة عن قطع رمزية تتطوّر مع مرور الوقت لتصبح سلعاً أيقونيّة. ولطالما ارتبط أحد أبرز رموز الصمود الفلسطيني بالكوفية الشهيرة التي ارتبطت بدورها مع مرور الزمن بانتفاضات عدّة. مع ذلك، ظهرت هذه القطعة الأيقونيّة عبر التاريخ وتحوّلت مع الوقت من إكسسوار عمليّ إلى واحد رمزي.

ويعرف العالم اليوم الوشاح الشهير المطبوع بالأبيض والأسود باسم الكوفية الفلسطينية، غير أنّ تاريخها المذهل يعود إلى عهود السومريّين والبابليّين القدماء. وفي زمن معيّن، كانت شخصيّات دينيّة رفيعة المستوى ترتدي الكوفية المعروفة أيضاً بالحطّة كوسيلة لتمييز درجة شرفهم ومناصبهم الرفيعة. ومع مرور الزمن، أصبحت قطعة قماش عمليّة كان يرتديها الأفراد العاملون في الحقول لتغطية رؤوسهم كشكل من أشكال الحماية من الشمس والرمال، وخلال الشتاء لتغطية رأسهم ووجههم من المطر والبرد. ووفق المناطق والثقافات والتقاليد المختلفة، حملت الكوفية عدّة معانٍ وألوان مختلفة طوال الأزمان بحسب المواقع الجغرافيّة المختلفة. وتُصنع الكوفية الفلسطينيّة بوشاح مربّع الشكل منسوج من القطن أو ممزوج أحياناً بالبوليستر، وتُطرّز خيوط سوداء على هذا الوشاح الأبيض بحيث يمكن ارتداؤه إمّا حول الرقبة أو فوق الكتفين أو فوق الرأس. أمّا اليوم، فلا يزال مصنع واحد في منطقة الخليل يصمّم الكوفية الفلسطينيّة الأصلية.

ويُعطى اليوم أفضل وصف للكوفية الملوّنة بالأبيض والأسود على أنّها رمز المقاومة، وتعزّز ذلك بشكل كبير مع الوقت واكتسبت اعترافاً عالمياً لما تمثله. وعلى مدار السنوات العدّة الماضية، اعتمدت بعض علامات الأزياء الطبعة الشهيرة لهذه القطعة الأيقونيّة وطرحتها على أنّها قطعة بارزة بألوان متعدّدة اختلفت عن لونَي الأسود والأبيض التقليديّين، ما أثار في المقابل جدلاً لدى الفلسطينيّين والعرب. ومع اشتداد رواج هذه الصيحة التي اعتمدها أفراد يتبخترون بالكوفية بدون أن يفهموا المعنى أو الأهمية الرمزية لما تمثله، اعتبر البعض ذلك فعلَ استيلاء ثقافيّاً إذ انّ كامل جوهر وجود الكوفية وما ترمز إليه تمّ إخراجه من سياقه.

لكن سيكون من الخطأ القول إنّ هذا ما حصل مع كلّ ماركات الأزياء. ومع ازدياد التوعية من خلال منصّات كوسائل التواصل الاجتماعي، بلغ العالم اليوم مرحلة يتم فيها التعرّف على الكوفية الفلسطينيّة والاعتراف بمعناها الرمزيّ على نحو هائل. وعندما يعتمد المصمّمون طبعتها ضمن مجموعاتهم، يتعرّف الناس عليها بسهولة ويربطونها بكونها مشتقّة من الثقافة الفلسطينيّة. بالإضافة إلى ذلك، طرح مصمّمون عرب متضامنون مع هذه القضية، على غرار المصمّمة اللبنانية سارة بيضون صاحبة العلامة الشهيرة Sarah’s Bag، قطعاً مستوحاة من الكوفية الملونة بالأبيض والأسود مع الحفاظ على الجمالية والألوان الأصلية والمعنى الرمزي وراءها. كما أنّ المصمّمة ميرا طوقان صاحبة علامة ByMeera التي من خلال تصاميمها الجميلة تمزج بين الشرق والغرب، ركّزت مجموعاتها حول المعنى الرمزي لفنّ الخطّ التقليدي والكوفية الفلسطينيّة التي تستخدمها على حقائب اليد المصنوعة من الأكريليك.

 

ولمجموعة خريف 2007، أضافت Balenciaga أوشحة للرقبة مزيّنة بطبعة الكوفية وبشراشيب ذهبية كجزء من مجموعة كانت متعدّدة الثقافات. ولمجموعة Cruise في العام 2015 التي أُطلقت في دبي، قدّمت Chanel مجموعة جميلة من القطع التي تخطف الأنفاس والتي يشبه بعضها طبعة الكوفية. وكان النمط الشرقي الحديث عاملاً مشتركاً بين قطع هذه المجموعة بحيث كانت سترات وحقيبة يد كبيرة تعكس إلى حدّ كبير طبعة الكوفية الفلسطينيّة التي تمّ تقديمها بالأسود والأبيض كما بالأحمر والأبيض بنسيج التويد الذي تشتهر به Chanel. واعتُمد نهج حديث في ما يتعلّق بالوشاح الرمزي المربّع بحيث كانت التقاليد والثقافة العربيّة جلية في كلّ قطع المجموعة.

وتحوّل الوشاح الأسود والأبيض، الذي اكتسب مع الوقت شعبيةً هائلة حول العالم، إلى قطعة أزياء ترمز بشكل كبير إلى نهج الصمود والمقاومة والنضال الذي قاساه الشعب الفلسطيني لفترة طويلة. فالمعنى العاطفي للكوفية، والتاريخ المرتبط بأصلها، ورمزيّتها لثقافة وتقاليد معيّنة، جعلت منها إحدى أكثر السلع شهرةً على صعيد دولي. وتزيد بساطة تصميمها وعمق معناها من جمالها وقوّتها، إذ لطالما ارتبطت الكوفية بهذه الصفات. وفي حين أنّ عدّة مصمّمين على مستوى العالم قد قدّموا مؤخراً مجموعات مستوحاة من الكوفية الفلسطينيّة، إلّا أنّه لا يزال من الضروري أن يكون المعنى الرمزي والجوهر الحقيقي لما تدلّ عليه الكوفية متصدّراً في الواجهة. ومع ازدياد التوعية والشهرة الدولية، اكتسب الأفراد الذين ليسوا على دراية بالمبادئ التي تمثّلها الكوفية مع الوقت معرفة بأهميّة جوهرها. فطرح لباس يحمل كمّاً هائلاً من التاريخ والمعاني في طيّاته هو فعلاً لأمر جميل. وفي ظلّ رمزيّة كبيرة مرتبطة بهذه الطبعة، والكثير من التوعية المنتشرة في جميع أنحاء العالم بشأن ما تمثّله الكوفية، يربط الأشخاص اليوم بشكل كبير الطبعة الشهيرة للغاية التي تعتمدها ماركات عالمية بثقافة فلسطين وتقاليدها الغنية. من هنا، يتمّ الاعتراف بالصمود والقوّة والعزيمة لأرض ناضلت طويلاً من أجل نيل حريّتها عبر وسائل مختلفة يكمن بعضها في جمال الموضة والفنّ والطبخ.

اقرئي أيضاً: بيلا حديد تناصر فلسطين من نيويورك مرتدية الكوفية الفلسطينية ‎