حين كانت الشابة اللبنانية لجين طالب في السادسة من عمرها كانت ترسم وحوشًا، وفي السابعة صارت تكتب قصصًا عنها. هكذا بدأ حبّها للتعبير من خلال هذين الوسيطين الفنيين، فباتت تطلق على كل شخصية تبتكرها اسمًا وترسم لها مسارًا قصيرًا في الحياة يُشكّل هويتها. وبمرور الوقت، أصبحت هذه الوحوش وقصصها تُعبّر عن كل ما رأته، وما أثّر فيها. هي اليوم تعدّ من الأسماء الصاعدة في مجال الفن التعبيري، اخترناها لتعبّر عن معاني الثقافة والانتماء في عدد شهر مايو من مجلة هيا، فتعرفي أكثر عليها في هذا اللقاء.
كيف جمعتِ بين الرسم والكتابة لتُصبحي فنانة ذات أسلوبٍ وبصمةٍ مميزة؟
لم أجمع بينهما بقدر ما رفضتُ فصلهما. كنتُ أسمع شخصياتي تتحدث وأعرف من هم وما هي صفاتهم. شعرتُ أنه من الظلم ألا أمنحهم صوتًا.. إنها بمثابة طبقة ثانية للإبداع. اليوم، تحمل الكتابة حسي السردي، ويحمل الرسم إرثي العاطفي. أعمل على مدار الساعة، وليس لديّ إلا القليل من الوقت لأفعل الأشياء التي أحبها لكن يُتيح لي هذا التقاطع الحفاظ على الإبداع الذي أحبه وينسجم مع شخصيتي.
ما الذي تُعبّرين عنه في كتاباتك؟ وكيف ترين استقبال الآخرين للمعاني التي تُشاركينها؟
الألم شعورٌ مُزعجٌ للغاية، أُعبّر عنه كثيرًا في كتاباتي، وكذلك الحب. يتعايشان في حياتي بطرقٍ تُزعزع استقراري وتُشعلني في آنٍ واحد. أُحبّ أن أُسلّط الضوء على التناقض الذي يُصاحب هذا الوجود. هذا التوتر بين الضعف والحدة هو ما أتتبعه وأُترجمه في مُعظم أعمالي. يستقبل قارئي المعاني إما كطعنةٍ في الحلق أو كحضنٍ دافئٍ للقلب. لا يُمكن لعملي أن يكون في المنتصف، فهو شديد التطرف وأنا مُرتاحة وسعيدة بذلك.
حدّثينا عن كتابك Infatuation، بداية بعنوانه، فكرته، مراحل إبتكاره، والرسالة التي تُوصلينها من خلاله؟
هو كتابٌ مفتوحٌ على الهوس الذي يسكن في مكانٍ ما بداخلي. إنه جزءٌ مني بات مكشوفاً للعيان. خلال نوبة الهوس الأولى، كنتُ مُفتونة بنفسي، حرفيًا. من أقوى المشاعر التي قد تنتاب المرء خلال نوبة هوس هو ذلك الشعور الجارف بالعظمة؛ شعورٌ بأن لا حدود لما يمكن تحقيقه فيما يتعلق بهويتي وقدراتي. وأعتقد بصدق أنه من المهم إلى حد ما أن يختبر المرء هذا الشعور وأن يتواضع في خضمّ قليل من الجنون. استطعتُ أن أقول: “عشتُ تلك الفترة المظلمة بإعجابٍ كبيرٍ بنفسي، حتى وإن شعرتُ بشيءٍ من الجنون”. من الواضح أنني ألّفتُ الكتاب خلال نوبة هوس. كتبتُ الكثير في تلك الفترة؛ رسمتُ بكثافةٍ وكأن لا غد لي.. كان تصويري في منزل والديّ وفي غرفتي مقصودًا تمامًا.. أردتُ أن أُري الناس كيف أرى نفسي في الخفاء.
كيف تصفين أسلوبك في الرسم؟
أراه تعبيرياً شعرياً، من خلال الكثير من الرسومات أعكس مشاعري وأعبر عنها من خلال تكرار الأشكال. بصراحة، غالبًا ما أكون شاردة الذهن أثناء الرسم. لا أستطيع رؤية التفاصيل بوضوح، لكنني أستطيع تتبع الشكل الذي أريد للآخر أن يراه. هذا ما يمنح خطوطي تلك العفوية، وحرية الرسم دون التفكير في الكمال.

من هم الفنانون الذين ألهموك في مسيرتك الفنية؟
يعود الفضل كله لتيم بيرتون في ابتكاري للوحوش في طفولتي. ربما كنت أشاهد فيلم Edward Scissorhands obsessively بشغف، أكثر من عشر مرات أسبوعيًا. فيلم “أليس في بلاد العجائب”، يلهمني بطرق جديدة في كل مرة أشاهده، فهو عمل عبقري! شخصياته تبدو غريبة، رقيقة، ومجنونة بطريقة ما زلت أشعر بها بعمق حتى اليوم.
كيف ساعدتك دراستك في صقل موهبتك الفنية وتطوير أسلوبك الفريد؟
دفعتني الدراسة في أكاديمية ألبا إلى استكشاف آفاق فنية لم أكن أعرفها. لطالما شُجعنا على المضي قدمًا، وطرح الأسئلة الصحيحة، والبحث عن الإجابات بدلًا من الاختباء وراءها. نادرًا ما كان هناك صواب أو خطأ، بل كان التركيز على الكيفية والسبب. كان أساتذتي بمثابة عائلتي طوال سنوات دراستي، فقد آمنوا برؤيتي وعرفوا تمامًا كيف يمنحونني القوة التي أحتاجها للمضي قدمًا. أود أن أغتنم هذه الفرصة لأشكرهم جميعًا، وخاصة السيدة ريما صراف التي لولاها لما كنتُ أملك الشجاعة للتعبير عن جوانبي المظلمة.
هل يعكس فنك شخصيتك، أم تجاربك، أم الحياة من حولك؟
كل ذلك في آن واحد. فني هو تجربتي في الحياة ورؤيتها من خلال عينيّ، وقلبي، وكل ما بينهما.
كيف تختارين الوسائط التي تساعدك على التعبير عن أفكارك الفنية بصدق وقوة؟
كل ما أحتاجه هو ورقة بيضاء وقلم أسود لأني أُفضّل البساطة، فكلما كانت وسيلتي الفنية أقل تعقيدًا، زادت فرصتي في التعبير عن أفكاري. هكذا تُصبح أعمالي أصيلة.. إذا كنتُ أشعر برغبة في التعبير، فإن أقصى ما أستخدمه هو الألوان المائية أو الأكريليك.

نلاحظ حضور الفن الرقمي في أعمالك. كيف تُعرّفينه، وماذا يُضيف إلى بصمتك الفنية؟
يُتيح لي الفن الرقمي إضافة شغفي بالتصوير إلى أعمالي الفنية. تُمكّنني الوسائط الرقمية من دمج قصائدي ومقتطفات يومياتي المكتوبة بخط اليد مع الصور التي التقطتها، أو حتى مع الرسومات التي أرسمها.
كيف تبدأ العملية الإبداعية لعمل فني جديد، وكم من الوقت والتحضير يستغرق للوصول إلى شكله النهائي؟
هيلحظة، تخطر لي خلالها الفكرة، فأمسك أقرب دفتر رسم وأبدأ في تطبيقها. الأمر نفسه ينطبق على قصائدي، فهي تأتي كصفعة على وجهي. أجد نفسي دائمًا أسرع في تدوينها قبل أن تتلاشى من ذهني. كل ما أفعله يصبح نهائيًا في جلسة واحدة، وإلا فلن أستطيع النوم ليلًا.
لقد تطور الفن ليتجاوز مجرد تعليق لوحة جميلة على الحائط. كيف ترين تقبل الجيل الجديد ل0………….هذه الأشكال الجديدة من الفن والتعبير عن الذات؟
ما أراه مثيرًا للاهتمام هو أن الأجيال الشابة تنجذب إلى الصدق أكثر من انجذابها إلى الكمال. يتفاعل الناس مع الأعمال التي تبدو إنسانية، حساسة، مشحونة عاطفيًا، أو شخصية للغاية. هناك تقدير متزايد للنقص، والتجريب، والتفرد، بدلًا من الفن الذي يبدو بعيدًا أو صعب المنال. في الوقت نفسه، أعتقد أن هذا الجيل يستهلك الفن بسرعة كبيرة، مما يخلق حرية وضغطًا في آن واحد. أصبح بإمكان الفنانين الآن مشاركة عوالمهم الداخلية فورًا مع ملايين الناس، لكنهم في الوقت نفسه يواجهون باستمرار تحديات الظهور، والإفراط في التحفيز، ومتطلبات الإنتاج المستمر… بشكل عام، أرى أن الحدود بين الفنان والكاتب والمصمم وصانع الأفلام والموسيقي وراوي القصص بدأت تتلاشى، وأعتقد أن هذا ما يجعل هذا العصر مثيرًا إبداعيًا.
يركز هذا العدد من مجلة هيا على الثقافة. كيف تُعرّفيها وما هي السب التي ستساعدك في التعبير عنها على الصفحات؟
أرى الثقافة كأرشيف عاطفي حيّ، شيء نبنيه جماعيًا من خلال التعبير والعادات واللغة والذاكرة والطقوس. إنها تتجلى في طريقة كلامنا، وطريقة حبنا، وطريقة حزننا. الثقافة هي ما يبقى حيًا عندما يموت كل شيء آخر.
ماذا يعني لك أن تكون عربية، وما سبب اهتمامك بالخط العربي الذي يعكس جذورنا بأشمل صورة؟
أعتقد أن كوننا عرب يحمّلنا مسؤولية كبيرة في الحفاظ على عمق ثقافتنا، بكل ما فيها من جمال وألم. نحن ننحدر من تاريخ حافل بالشعر والموسيقى والفلسفة والعمارة ورواية القصص والصمود والترابط العاطفي العميق، ولكنه أيضًا تاريخ موشوم بالصراع والتهجير والحزن والصمود. أعتقد أن هذه التناقضات متأصلة فينا، وتؤثر على طريقة إبداعنا وتعبيرنا، بل وحتى إدراكنا للعالم.
أهتم بشكل خاص بكيفية استمرار تطور الخط العربي ضمن الفن المعاصر دون أن يفقد جوهره. أعتقد أن الحفاظ على جذورنا لا يعني البقاء جامدين بصريًا في الماضي، بل السماح لثقافتنا بالنمو وإعادة تفسير نفسها والوجود ضمن لغات فنية جديدة مع الحفاظ على روحها وقيمتها.

كيف ستعكسين مفهوم الثقافة والانتماء من خلال أعمالك في مجلة هيا؟
أعتقد أن الثقافة غالبًا ما تتجلى لا شعوريًا في أعمال الفنان. حتى عندما لا أجسد التراث أو الهوية بشكل مباشر، فإن تجاربي ومشاعري ولغتي وتربيتي لا تزال تشكل جوّ الأعمال. الكثافة العاطفية، والسرد المتقطع، والنص المكتوب بخط اليد، والضعف الصادق في أعمالي، كلها تعكس جوانب من تجربتي للانتماء والهوية كفنانة عربية.
ما أثار اهتمامي أثناء تنسيق هذه الأعمال لمجلة هيا هو اكتشاف الخيط الخفي الذي يربطها، أي مواضيع الذاكرة، والرقة، والوحدة، والإرث العاطفي، وتعلم الحب. أدركتُ أن الانتماء موجود بهدوء في المشاعر، وفي الإحساس، وفي طريقة إدراك الإنسان للعالم.
ما هي مشاريعك للفترة القادمة؟
أولاً وقبل كل شيء، نشر وطباعة كتاب جديد يضم العديد من الأعمال الفنية المعروضة في هذا العدد من المجلة. لطالما كنتُ أُبدع أعمالاً تُشبه الأرشيف – أشبه بحفظ المشاعر والذكريات وشذرات الأفكار في شكل مادي. أشعر أنه من الصواب مشاركتها مع كل من قد يشعر بوحدة أقل في حال شاهدها واطلع عليها. إضافةً إلى ذلك، أرغب في مواصلة البحث عن طرق أوسع لأكون صوتاً لمن يعانون في صمت. لقد كنتُ نازحةً في يوم من الأيام، ومشاهدة واقع مماثل يتكشف في بلدي اليوم أثّرت بعمق في طريقة تفكيري في الفن والإنسانية والمسؤولية. أؤمن أن هناك قوةً في إبداع أعمال تُتيح للناس الشعور بأنهم مرئيون، وخاصةً أولئك الذين غالباً ما يمر ألمهم دون أن يلاحظه أحد أو يُفصح عنه… أطمح أيضاً إلى تنظيم تجربة عرض فريدة لبعض أعمالي، تجربة حميمية وغامرة عاطفياً بدلاً من التجربة التقليدية. لا يزال هناك الكثير مما أرغب في ابتكاره واستكشافه والتعبير عنه، وبصراحة، الوقت ضيق للغاية.
اقرئي المزيد: عود أبو النصر: أنجذب فنياً للمشاريع التي تستكشف التصوف والفولكلور والروايات الشخصية والقضايا البيئية في منطقتنا
















