Ahlan My Darling بهذه الكلمات تستقبل اللفنانة اللبنانية –الفرنسية عود أبو النصر من يزور صفحتها عبر إنستغرام، فهي اختارت التوجّه للجمهور العريض بعبارات ترحيبية مميزة، تخوّل زائر صفحتها التعرف على خطها الفني واكتشاف موهبتها الكبيرة التي تنعكس أفكاراً ورسائل ومشاعر في أعمالها متعددة الوسائط. تعرفي على هذه الفنانة اللامعة واكتشفي المجالات التي خاضت بها، وغوصي في أبعاد أعمالها من خلال تعاون جمعنا بها في عدد شهر مارس المخصص للاستدامة.
إلى أي مدى تسمحين للآخر بدخول عالمك سواء الفني والشخصي من خلال ما تشاركينه عبر صفحتك Ahlan.my.darlings؟
عندما بدأت الصفحة كنت أجرب فقط! لم يخطر ببالي أبدًا أنني سأصبح رسامة بدوام كامل يومًا ما. أحببتُ دفء كلمة “أهلًا” ممزوجًا بـ “أحبائي”، وكان التبديل بين العربية والإنجليزية مناسبًا. كان الأمر مرحًا ورقيقًا في آن واحد، ولم أتخيل أبدًا أن يعرفني الناس بهذا الاسم، لكن ها نحن ذا!
تصفّي وسائل التواصل الاجتماعي هويتنا تلقائيًا، هكذا تسير الأمور. لكن المواضيع التي أستكشفها قريبة جدًا من قلبي لدرجة أنني أعتقد أن الناس يتعرفون على جانب شخصي جدًا مني من خلال أعمالي. في بيروت، المجتمع صغير، وأنا أحب الناس، لذلك يسعدني دائمًا اللقاء وجهًا لوجه، سواء في فعاليات المجتمع أو في أنحاء المدينة. كان يُخيفني في السابق فكرة أن الغرباء على الإنترنت لديهم إمكانية الوصول إلى مثل هذه الأفكار والصور الشخصية الخاصة بي. مع مرور الوقت، أدركت أن الناس يعرفونني، لكنهم في الوقت نفسه لا يعرفونني حقًا، وهذه برأيي قضية معاصرة نعيشها جميعاً وقد أصبحنا نقضي نصف حياتنا على الإنترنت، لكن في النهاية نحن نعرف فقط ما يريده الآخر إظهاره.
كيف اخترت الرسم وIllustrations للتعبير عن أفكارك الإبداعية من خلالها؟
كنتُ أعزف على الفلوت في طفولتي ومراهقتي. أتذكر أنني في الخامسة عشرة من عمري تقريبًا، شعرت فجأةً برغبةٍ في ترك الموسيقى والتوجه نحو الأشكال البصرية للإبداع. لم أكن أجيد الرسم آنذاك، لكنني كنتُ أشعر بانجذاب شديد للغة البصرية بطريقةٍ لا أستطيع شرحها. أفتقد الفلوت الآن، لكنني ممتنٌة لأن حدسي قادني إلى هنا! درستُ الهندسة المعمارية ولم أرسم كثيرًا لعدة سنوات لأن معظم عملي كان على البرامج، ولكن بمجرد أن أدركتُ أن الهندسة المعمارية ليست مناسبةً لي وبدأتُ استكشاف تصميم الديكور، عاد لي الإحساس الذي انتابني في أواخر مراهقتي. أصبح الرسم مهارةً إضافيةً عندي، وعندما وصلتُ إلى مرحلةٍ عرفتُ فيها أنني أريد أن أكون صاحبة عمل خاص ومستقل، فأقدم مواضيع مهمة بالنسبة لي، دفعتُ نفسي لتعلم المزيد وتحسين مهاراتي في الرسم. أما الرسم التوضيحي فقد منحني الحرية التي لطالما كنتُ أحلم بها.

حدثينا عن مجالات عملك الفني الذي يحمل بصمتك الخاصة؟
يغطي عملي مجالات متنوعة للغاية.. منها سياسية واجتماعية، بالإضافة إلى أعمال شخصية، قصصية، تركز على المشاعر واللاوعي. أنا مهتمة بالطبيعة البشرية، وأسعى لفهم المجتمعات التي عشت فيها. لطالما كافحت لفهم العالم، سواء على المستوى الجماعي أو العلاقات الشخصية، والفن يساعدني في ذلك. كما أنني أستمتع بالتعاون مع الكتّاب والفنانين الآخرين! الحوار بين النص والصورة يثير إعجابي، وفي هذه الأيام، أنجذب بشكل خاص إلى المشاريع التي تستكشف التصوف، والفولكلور، والروايات الشخصية، والقضايا البيئية في منطقتنا. هناك الكثير من المواهب وأنا منفتحة دائمًا على التعاون الذي يتوافق مع هذه المواضيع. لقد تعلمت الكثير من خلال العمل مع الآخرين، وعرفت متعة اكتشاف كيف يمكنني المساهمة في تجسيد رؤيتهم جنبًا إلى جنب مع رؤيتي.
صفي لنا الأعمال التي تقدمينها ومصدر إلهامك لابتكارها؟
تحمل أعمالي طابعًا حزينًا إلى حد كبير، حسبما سمعت. فيها رقة، حالمة، لكنّ فيها ثقل ومعنى عميق.. تشدني الفضاءات الحدية، الروحانية، الشوق، التحول. تتكرر درجات الأزرق والبنفسجي والوردي في لوحتي اللونية، بالإضافة إلى البورتريه والمناظر الطبيعية والحياة البرية. أعتقد أني لم أتأثر بفنانين محددين، بل بالثقافات التي نشأتُ فيها. كما أني ممتنة جدًا لوالديّ، اللذين، رغم عدم تلقيهما أي تعليم فني، يتمتعان بحساسية عالية للجمال، سواء في العالم الطبيعي من حولنا أو في إبداعات البشر. أعتقد أن أسلوبي مستوحى من نظرتهما، ومن العالم الذي بنياه لي ولأختي في طفولتنا: أختي مصورة فوتوغرافية! لقد منحنا والداي كل ما تمنّيا الحصول عليه، وكانا دائماً يلفتان انتباهنا إلى الجانب الروحاني في الأشياء العادية، مع غرس الكثير من الحماس والرغبة في التعبير عما شعرنا أنه غير عادل من حولنا، وأنا ممتنٌّة لهما للغاية، إذ كانا أفضل مدرسة لي.
ما هي الرسائل التي تحاولين إيصالها من خلال أعمالك الفنية؟
عليّ أن أوضح أن الرسم هو طريقتي في فهم العالم، وإحدى الوسائل الرئيسية التي أستخدمها للتواصل مع الآخرين. ما أريد إيصاله جزء من ذلك، لكن غالبًا ما تبدأ أعمالي الفنية لأنني أحتاج إلى التعبير عن إحباطي أو محاولة فعل شيء حيال مشكلة ما، سواء في المجتمعات التي أعيش فيها أو في داخلي.
أعمل على قضايا سياسية واجتماعية، بالإضافة إلى مواضيع أخرى تتجاوز حدود المألوف، تتعلق باللاوعي والمشاعر والتحول. آمل فقط أن تساعد أعمالي الناس على الشعور بأنهم أقل وحدة وأكثر ارتباطًا بشيء أكبر. كما آمل أن تكون أعمالي مفهومة لأنني لطالما كنت أختلف مع فكرة أن الفن يجب أن يكون مفاهيميًا وغامضًا لكي يكون له قيمة.. على العكس من ذلك، أرى أن العمل الفني ناجح عندما لا يحتاج إلى كلمات لشرح ما يحاول تحقيقه وإيصاله، وعندما يكون لكل شخص يراه قصته الخاصة معه.

تعاونتَ مع منصات مستقلة في الشرق الأوسط وأوروبا، ساعية إلى إيصال أصوات المهمشين ومعالجة القضايا الاجتماعية. كيف لمستَ أثر عملك على الآخرين؟
لقد تطور نهجي وتغير مع السنوات، فأنا نشأتُ في الشتات، وكان لديّ بعض الأمل برفع مستوى الوعي خارج مجتمعاتنا، ولكن مع الأسف، أدركتُ مع مرور الوقت أنه على الرغم من ازدياد وعي الناس بقضايا الشرق الأوسط، خاصةً منذ 7 أكتوبر، إلا أن الأمور غالبًا ما تكون استعراضية، وتدور حول استغلال معاناة الآخرين وآلامهم تجاريًا. أركز اليوم على الحوارات والمساحات المجتمعية، وعلى أعمال أكثر تعمقًا حول جوانب محددة مما يمر به لبنان، بدلًا من محاولة إقناع الناس بأن منطقتنا تستحق العيش، وقد منحني هذا التحول بعضًا من الراحة.
عملتِ أيضاً في تصميم أغلفة الكتب، والمشاريع التحريرية، بالإضافة إلى التعاون مع الفنانين والكتاب. كما أن التصوير الفوتوغرافي جانب مهم من تعبيرك الفني. كيف أتقنتِ هذه الأساليب المختلفة؟
بالتجربة! أنا سيئة في التعلم من خلال الاستماع، بل أحب تجربة الوسائط المختلفة، واللعب بها حتى أجد ما يعجبني. لقد قللتُ من التصوير الفوتوغرافي مؤخرًا، وانفتحتُ على أعمال النسيج مثل طباعة الحرير، والتطريز، وأيضًا الرسوم المتحركة وكتب الأطفال. كما أنني أعود إلى الألوان المائية، حبي الأول. أثق بالعملية وإلى أين تقودني كل خطوة، أحاول أن أبقى منفتحة على ما يمكنني تعلمه من خلال تجربة شيء جديد، بينما أدفع نفسي أيضًا لأصبح أفضل في كل وسيط أجربه. إذا شعرتُ أنني لم أعد مستمتعة أغيّر أدواتي. أعتبر أن الإبداع تدفق، فأتبعه وأدع الحياة والفرص ترشدني قدر الإمكان.. لذا فإن كل مشروع عملت عليه علمني شيئاً ما، ليس فقط كفنانة ولكن كإنسانة.
ما هي المشاريع التي تُشكّل تحديًا لك وتتطلب منك عمقًا أكبر في التفكير والتنفيذ والابتكار؟
كلما طال المشروع، زادت صعوبته بالنسبة لي. أشعر بحماس شديد تجاه التجارب الجديدة وأحب التعاون والتخيّل، وأشعر دائمًا بدافع قوي يحركني في عملي وتعاوناتي. لكن التحدي يكمن عندما يمتد المشروع لسنة أو سنتين أو ثلاث سنوات، حيث يتعين عليّ تحويل طاقتي إلى ماراثون بدلًا من سباق قصير. لكني أعتقد أني مستمرة بالمشاريع الطويلة، فأنا أطمح أن أقدم المزيد من القصص المصورة، والمزيد من الأعمال النسيجية، مما يعني الالتزام لوقت طويل. أقرأ كثيرًا عن علم الأعصاب وكيفية عمل أدمغتنا لأجد طرقًا تُساعدني على التركيز وعدم تشتيت ذهني في مئة اتجاه في آن واحد، ويأتي التوازن من ممارستي الروحية أيضًا. أتعلم أيضًا أن أكون أكثر لطفًا مع نفسي، وأن أمنحها استراحة عند الحاجة، وهذا جزء من العمل على التركيز.
كيف تُوازنين بين التعقيد والوضوح بحيث يبدو عملك مبهرًا، نابضًا بالحياة، ومليئًا بالأفكار؟
أنا بالتأكيد من مُحبي الأسلوب البصري المُبالغ فيه! أحاول أن أكون مُنفتحة على الآراء، سواء من المتعاونين معي أو من حولي، عندما أشعر أن العمل قد يُصبح مبالغاً أسأل من ليسوا في مجال الفنون أو التصميم عن رأيهم، لأنهم غالبًا ما يمتلكون نظرةً أنقى، غير مُثقلة بالمفاهيم والأفكار حول كيف ينبغي أن تكون الأشياء. هذا يُساعدني كإجراء وقائي، بالإضافة إلى الحفاظ على مرونتي كفنانة.
ما هو انطباعك عن الذوق الفني للجيل الجديد؟ هل يمتلكون وعيًا ثقافيًا وفضولًا لتقدير الفن والاستمتاع بتأثيره؟
يجب أن أعترف أنني أُحب الجيل الجديد: فهم أكثر جرأةً من جيلي، وأُعجب بالطريقة التي تعاملوا بها مع نشأتهم في بيئة مليئة بالمعلومات والآراء منذ صغرهم! كثيرًا ما أسمع أنهم يحظون باحترام أكبر في مكان العمل، وأشعر أنهم أكثر مرونة في نظرتهم لأنفسهم، وبفضل نشأتهم في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أتيحت لهم فرصة الوصول إلى كم هائل مصادر الإلهام منذ صغرهم! أتمنى أن يتمكنوا من الحفاظ على معنوياتهم عالية رغم سوء الأوضاع البيئية والسياسية والعالمية بشكل عام.
من هو جمهورك المستهدف؟ هل تهدفين إلى تقديم فن حديث وثوري يتناسب مع المستقبل الذي ينتظرنا ودمج التقنيات الرقمية في الفنون؟
جمهوري واسع النطاق كما لاحظت من حيث الموقع الجغرافي والخلفية، ولكنه يتكون في الغالب من النساء، وهو ما أشعر بامتنان كبير لهأما فيما يتعلق بالتقنيات الرقمية، فأنا بصراحة لست متأكدة من أنها دائمًا أمر جيد. لقد رأيت مشاريع رائعة تستخدم التكنولوجيا بشكل إبداعي، ولكن مع تصاعد الذكاء الاصطناعي، أصبحت الكثير من الأعمال تبدو وهمية وفارغة. أعتقد أن ذلك قد يكون فخًا للفنانين، خاصةً عندما يتنازلون تمامًا عن رؤيتهم.
في هذه الأيام، أُكرّس المزيد من طاقتي للتعاونات التي تُثمر أعمالًا مادية وملموسة (كتاب، وشاح حريري، قطعة مطرزة، لوحة) بدلًا من الأعمال الرقمية البحتة، فهذا يُساعدني على الشعور بمزيد من الرسوخ والثبات في هذه الأوقات المتغيرة. وأنا لستُ ممن يُصوّرون أعمالهم على أنها ثورية! طموحاتي أكثر تواضعًا بكثير، فأنا أؤمن ببساطة التعبير عن الرأي عندما تتاح لنا الفرصة. جميعنا قادرون على ذلك، بالطبع قد يتطلب الأمر بعض التنازلات، لكن التنازل يكون أفضل بكثير عندما يكون مُنسجمًا مع ما تؤمن به أفضل من أن يكون مُخالفًا له.

تتعاونين مع مجلة هيا في عدد خاص حول الاستدامة. إلى أي مدى تأخذين الاستدامة في الاعتبار في فنكِ، وأفكاركِ، وحياتكِ، وممارساتكِ اليومية؟
أحاول قدر الإمكان أن أكون مستدامة في عملي، مع أنني يجب أن أكون صادقة، فالأمر ليس سهلاً دائمًا، خاصةً كفنانة مستقلة. ولكني سعدت كثيراً بالعمل مع العلامات التجارية المحلية والحرفيين فهذا يقع في صلب الاستدامة، كما أحرص على العمل في مشاريع ذات وتيرة بطيئة، وأنتبه على الموارد، وأراعي إنتاج أعمال تزيد الوعي بالإبادة البيئية التي تحدث في لبنان وفلسطين.
كيف ستعكسين مفاهيم الاستدامة في أعمالكِ الفنية على صفحات هيا؟
سأركز على الرسوم التوضيحية التي تُقدم عناصر موجودة في الطبيعة في الخليج، حيث يقع مقر مجلة هيا. الأزهار، والحيوانات، والكائنات الحية الأخرى المتوطنة في المنطقة. أعتقد أن هناك قوة في إظهار جمال وهشاشة أنظمتنا البيئية المحلية، خاصةً عندما يكون الكثير منها تحت التهديد.. إنها طريقة للقول: هذا ما سنخسره إن لم نحمِه.
ما هي أجدد مشاريعك وتلك التي تخططين لها للفترة المقبلة؟
كنتُ أعمل مؤخرًا على قطعة نسيج مطرزة للمتحف الوطني في بيروت حول الإبادة البيئية التي تحدث في جنوب البلاد، بالإضافة إلى كتاب للأطفال عن إيجاد التوازن والمشاركة. كما أنجزتُ مؤخرًا عددًا من قطع النسيج مع علامات تجارية محلية وإقليمية، وأتعاون في مشاريع مستوحاة من فن الخزف مع حرفيين محليين.
آمل أن أُطوّر هذا العام المزيد من القطع المستوحاة من التقنيات المحلية التقليدية وتراثنا، مع الحفاظ على ثقافتنا الغنية. أنا مهتمة بشكل خاص بالتعاون مع الحرفيين والكتّاب الذين يستكشفون مواضيع روحانية أو فولكلورية، والعلامات التجارية أو المبادرات التي تعمل على العدالة البيئية. نعيش أوقاتًا عصيبة، لكن لدينا الكثير مما يدعو للفخر، والكثير من الجمال الذي نجد فيه ملاذًا. أنا دائمًا منفتحة على التعاون المثمر، فلا تترددوا بالتواصل معي إذا كنتم تعملون على مشروع يتماشى مع هذه المواضيع!
اقرئي المزيد: حسناء باقر: النجاح في أي مشروع ريادي يتطلب مزيجاً من الدراسة والمراقبة والتأقلم مع التغيرات
















