في اليوم العالمي للصحة النفسية الواقع في 10 أكتوبر 2026، يعيد العالم برمّته تأكيد أهمية العناية بصحة العقل تماماً كما صحة الجسم.
والصحة النفسية ترافقنا في كل جانب من جوانب حياتنا، ونحتاج إلى الحفاظ عليها سواء في حياتنا الشخصية أو المهنية، أو حتّى مع أنفسنا وعلاقتنا مع ذواتنا.
ونلاحظ جميعنا أنّ الجيل الجديد يعطي أهمية كبيرة للصحة النفسية ويكاد يربط كل خطوة يقوم بها برفاهيته وراحته وصحته النفسية. وحتّى في بيئة العمل، يتطلّب الجيل الجديد بعض التغييرات التي تجعله يكون منتجاً ومجتهداً.
نتحدث أكثر عن هذا الموضوع مع Katrina Spartalis، الأخصائية في علم النفس ومؤسسة مركز Bloomfield Counselling & Psychology، حيث طرحنا عليها العديد من الأسئلة.

- إلى جانب الانعكاسات الإيجابية على العافية والرفاهية، كيف يبدو الدعم الحقيقي الذي يقدّمه صاحب العمل لأبناء الجيل زد اليوم في ما يتعلّق بالصحة النفسية؟
بالنسبة إلى الموظفين الأصغر سناً، لم يعد الدعم الحقيقي للصحة النفسية مرتبطاً بما يقدمه صاحب العمل كميزة إضافية للصحة النفسية، بل أكثر بشعورهم بالتواجد في موقع العمل يومياً.
قد يكون تطبيق التأمل أو يوم الصحة النفسية أو ورشة عمل المرونة النفسية خطوات مفيدة، غير أنّها لا تغني عن الإرهاق المزمن، أو التوقّعات غير الواضحة، أو سوء الإدارة، أو ثقافة يخشى فيها الموظفون الاعتراف بمعاناتهم.
لذلك، غالباً ما يتمثّل الدعم الحقيقي في وجود أعباء عمل معقولة، وتوقّعات واضحة، وحدود منطقية لساعات العمل، وإمكانية الوصول إلى الدعم المهني المناسب عند الحاجة، ومديرين يلاحظون معاناة الموظفين ويتفاعلون معها بفضول بدلاً من إصدار الأحكام، مع الإقرار بأنّ للموظفين حياة وعلاقات وأسر ومسؤوليات خارج العمل.
ثمة فرق جوهري بين مساعدة الموظفين على أن يصبحوا أكثر مرونة وبين مطالبتهم باستمرار بتحمّل ظروف عمل غير صحية. ينبغي لنا بالتأكيد تزويد الموظفين بأدوات لإدارة التوتّر، ولكن علينا أيضاً أن نكون على استعداد للنظر في أسباب هذا التوتّر في المقام الأول.
- ما مدى أهمية الأمان النفسي للموظفين الأصغر سناً، وما السلوكيات المحدّدة التي يتخذها المديرون وتجعلهم يشعرون بالأمان الكافي للتحدّث بصراحة عن التوتر أو الإرهاق أو الصحة النفسية؟
يُعدّ الأمان النفسي بالغ الأهمية لأنّ الموظفين لن يتحدثوا بصدق ما لم يتأكّدوا من عدم التعرّض لأي تبعات لاحقة بعد التعبير عن مشاعرهم أو آرائهم.
ويوفّر المديرون هذا الأمان من خلال سلوكيات صغيرة وثابتة نسبياً، وأبرزها: الاستماع من دون اتخاذ موقف دفاعي فوري، والتواصل على انفراد، والرد بهدوء عند حدوث أي مشكلة، واحترام السرية، وتجنّب استخدام لغة تصنّف الموظف على أنّه صعب المراس أو غير كفوء لمجرد أنه يمرّ بظروف صعبة.
وفي هذا السياق، يجب الانتباه إلى التمييز بين الأمان النفسي والإفصاح. فعندما تُعتبر الصحة النفسية أو الصعوبات الشخصية شديدة الخصوصية، لا يعني الشعور بالأمان النفسي بالضرورة الرغبة في مناقشة كل شيء. فبيئة العمل الصحية هي التي يمكنك فيها التحدث إذا احتجت لذلك، مع احترام خيارك في الحفاظ على خصوصيتك بنفس القدر.
- هل أصبح موظفو الجيل زد أقل تسامحاً مع “الرفاهية الشكلية”، أي المبادرات التي تبدو جيدة على الورق إنّما لا تعالج عبء العمل أو ثقافة مكان العمل أو التوقّعات غير الواقعية؟
أعتقد أن العديد من الموظفين الأصغر سناً أصبحوا قادرين بشكل متزايد على إدراك الفرق بين الرفاهية كقيمة تنظيمية حقيقية والرفاهية كعلامة تجارية.
هناك تناقض واضح: فبينما نقدّم جلسات تأمل للموظفين، نتوقّع منهم في الوقت نفسه الردّ على الرسائل في وقت متأخر من الليل، أو العمل خلال استراحة الغداء، أو إدارة أعباء عمل غير واقعية باستمرار.
لا يعني هذا أنّ مبادرات الصحة النفسية عديمة الجدوى، لكن يجب أن تندرج هذه المبادرات ضمن بيئة عمل صحية من الناحية النفسية.
- كيف تسهم المرونة – بما في ذلك العمل الهجين، وساعات العمل المرنة، والتحكم الأكبر في الجداول الزمنية – في الصحة النفسية للموظفين وشعورهم بالتوازن؟
يمكن أن تحدث المرونة فرقاً هائلاً، لأنّ الاستقلالية بحد ذاتها مهمة نفسياً. إن امتلاك بعض التحكم في متى وأين وكيف نعمل يساعد الأفراد على إدارة مسؤولياتهم العائلية، والتنقّل، ومستويات طاقتهم، ومتطلبات الحياة اليومية.
بالنسبة إلى العديد من النساء، لا سيّما اللواتي يوازنّ بين طموحاتهنّ المهنية ومسؤولياتهنّ العائلية أو رعاية الآخرين، يمكن أن تسهّل المرونة عليهنّ البقاء والتقدّم في سوق العمل بدون الشعور بأنهنّ مضطرات للاختيار باستمرار بين جوانب حياتهنّ المختلفة.
- ما هي أكبر الفجوات بين ما يطلبه الموظفون الشباب لرفاههم النفسي وبين ما يوفره أصحاب العمل فعلياً؟
أعتقد أنّ إحدى أكبر الفجوات تكمن بين الانفتاح المتزايد لدى الموظفين الشباب في ما يتعلّق بالصحة النفسية، وبين قدرة بيئات العمل على الاستجابة لهذا الأمر بشكل فعّال ومجدٍ.
لقد نشأ أبناء الجيل زد وهم يمتلكون حصيلة أكبر بكثير من المصطلحات والمفاهيم المتعلّقة بالصحة النفسية؛ فالكثير منهم يشعرون براحة أكبر عند الحديث عن القلق، والاحتراق الوظيفي، والحدود الشخصية، والرفاه العاطفي. ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أنّ بيئات العمل التي يلتحقون بها قد تطوّرت بنفس الوتيرة.
ففي العديد من المؤسسات، لا تزال أشكال الدعم تعتمد على رد الفعل (أي التدخّل بعد وقوع المشكلة)؛ إذ يتم التحرك فقط عندما يواجه الموظف صعوبات فعلية، بدلاً من اعتبار الرفاه النفسي جزءاً أصيلاً من ثقافة العمل اليومية.
كما قد توجد فجوة بين ما يعتقد أصحاب العمل أنّ الموظفين بحاجة إليه وبين ما يحدث فرقاً حقيقياً بالفعل. فغالباً ما تكون الأمور التي يبحث عنها الناس إنسانية وبسيطة بشكل مفاجئ: مدير يمكنهم التحدث إليه بدون خوف من إصدار أحكام عليهم، وتوقّعات معقولة، وقدر من الاستقلالية في أسلوب العمل، ووضوح بشأن أدوارهم، وتقدير لمساهماتهم، وبيئة عمل لا يُفسّر فيها طلب المساعدة على أنه عجز عن التأقلم أو التعامل مع الأمور.
وفي الوقت نفسه، ينبغي لنا الانتباه إلى أنّ الاحتياجات تختلف من موظف إلى آخر. فالثقافة، والأسرة، والشخصية، والنوع الاجتماعي، والظروف الفردية هي جميعها عوامل تشكّل مفهوم الرفاه والدعم المناسب. فقد يعني الدعم بالنسبة إلى شخص ما مزيداً من المرونة، بينما قد يعني لشخص آخر هيكلية عمل أكثر وضوحاً، أو خصوصية أكبر، أو مجرد معرفة الجهة التي يمكن اللجوء إليها عند الحاجة للمساعدة.
وفي النهاية، لا يتوقع الموظفون الشباب من جهة العمل أن تحل كل الصعوبات التي يواجهونها في حياتهم، ولكن هناك توقعات متزايدة بأن يدرك أصحاب العمل وجود ارتباط وثيق بين الرفاه النفسي وطريقة العمل. وستكون المؤسسات التي تدرك هذا الأمر في وضع أفضل بكثير لتهيئة بيئات عمل تتيح للأفراد تحقيق الأداء الجيد والحفاظ على سلامتهم النفسية في آن واحد.
اقرئي أيضاً: الشيخوخة الصحية: ما الذي يحتاج إليه الجسم فعلاً من العشرينات إلى الخمسينات؟






