الصحة

الصحة النفسية وأهمية الحفاظ عليها في الأوقات الصعبة

الصحة النفسية وأهمية الحفاظ عليها في الأوقات الصعبة

لا شكّ في أنّ الحفاظ على الصحة النفسية لا يقلّ أهمية عن الحفاظ على الصحة الجسدية.

ففي أي مرحلة من حياتنا، نحتاج إلى تحقيق التوازن بين مختلف مشاعرنا وأحاسيسنا، فلا نضيع في دوامة السلبية. فكيف لو كنّا نواجه ظروف صعبة!

نعرف جميعنا أنّ ما تمرّ به منطقتنا من ظروف يفرض الكثير من التحديات على مختلف الأصعدة، سواء المهنية أو الاقتصادية أو غيرها. ومهما حاولنا أن نسيطر على أنفسنا ونتحكّم بمشاعرنا، نعجز أحياناً عن تجنّب التوتّر والقلق، حتّى أنّ ذلك قد يؤثر سلباً على مسار حياتنا.

ولذلك، تحدثنا أكثر عن هذا الموضوع مع د. Jane Halsall، الأخصائية النفسية المعتمدة.

  • كيف تؤثر حالة عدم اليقين المستمرّة على دماغنا؟

من منظور نفسي، صُمّم الدماغ البشري للتعامل مع الضغوط قصيرة المدى، وليس مع عدم القدرة على التنبؤ بالظروف المحتملة لفترات طويلة. لذلك، يمكن أن يتحوّل الدماغ إلى حالة تأهب مطوّلة عندما يصبح عدم اليقين أمراً مستمراً، سواء كان هذا بسبب أزمة جيوسياسية جارية، أو عدم استقرار في العمل، أو ضغوط مالية، أو ضغوط شخصية متواصلة.

وفي مثل هذه الحالات، تزداد اللوزة الدماغية – أي نظام كشف التهديدات في الدماغ – نشاطاً، ممّا يبقينا على وعي مفرط بالخطر أو التغيير المحتمل. في الوقت نفسه، يمكن أن تُصاب قشرة الفص الجبهي – أي المنطقة المسؤولة عن التفكير العقلاني، والتنظيم العاطفي، واتخاذ القرارات، والتركيز – بالإرهاق.

لهذا السبب، يلاحظ الكثيرون أعراضاً مختلفة مثل تشوش الذهن، والنسيان، وصعوبة التركيز، واضطراب النوم، والحساسية العاطفية، أو حتّى الشعور بالنشاط الذهني الدائم.

من المهم أن نفهم أن بعض الأفراد يؤدون وظائفهم ظاهرياً إنّما يشعرون بالإرهاق العاطفي من الداخل. وغالباً ما يستمر الجهاز العصبي في امتصاص الضغط لفترة طويلة بعد أن نعتقد بوعي أننا قادرون على التعامل معه.

  • لماذا يبدو التأقلم أحياناً أصعب من المعتاد؟

يفترض البعض أنّهم يستطيعون تجاوز أي فترات توتّر، لا سيّما إذا سبق لهم أن تغلّبوا على مرحلة صعبة في السابق. لكن، من الناحية النفسية، يحدث التوتّر التراكمي تأثيراً مختلفاً تماماً على العقل والجسم مقارنةً بالتوتر الحاد.

ففي المراحل الأولى من عدم اليقين أو الأزمات، يمكن للأدرينالين أن يساعد الناس مؤقتاً في الحفاظ على تركيزهم ومرونتهم. لكن مع مرور الوقت، يبدأ الجهاز العصبي في التعرّض للإرهاق العاطفي.

وغالباً ما يحدث هذا عندما يشعر الفرد فجأةً بالفتور، وفقدان الحافز، والإرهاق، وردود الفعل العاطفية المفرطة، أو الانفصال عن الواقع، حتى لو لم يطرأ أي تغيير جذري على محيطه.

بالإضافة إلى ذلك، نعيش في عالمٍ مليء بالتحفيز المستمرّ. فالدماغ يعالج كميات هائلة من المعلومات يومياً من خلال تنبيهات الأخبار، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومتطلبات العمل، والتعرض المستمر لعدم اليقين. وبالتالي، قد لا نصل إلى التعافي النفسي الكامل لأن الجهاز العصبي يبقى نشطاً باستمرار.

وفي الواقع، يُعدّ الأفراد ذوو الإنجازات العالية أو المسؤولون للغاية أكثر عرضةً لذلك لأنهم يستمرون غالباً في أداء وظائفهم، والعمل، وتربية الأبناء، ودعم الآخرين بينما يكبتون إرهاقهم العاطفي.

  • ما هي علامات الإرهاق العاطفي؟ ومتى تصبح مقلقة؟

غالبًا ما يتطوّر الإرهاق العاطفي تدريجياً، ولهذا السبب، يغفل البعض عن علامات الإنذار المبكرة.

يمكن أن يعاني الفرد في البداية من قلة صبر، وصعوبة في النوم، ومماطلة، وخدر عاطفي، وانخفاض في الاندفاع، وصداع، وزيادة في القلق، والشعور بالإرهاق الشديد من المهام الصغيرة. وفيما يصبح البعض منفصلين عاطفياً، يصبح آخرون أكثر تفاعلاً وحساسية.

وعلى مستوى العلاقات، قد يظهر الإرهاق العاطفي على شكل سرعة الغضب، أو الانطواء، أو النزاعات، أو صعوبة الشعور بالحضور العاطفي.

وفي الواقع، تظهر العلامات الأكثر إثارة للقلق عندما تستمرّ الأعراض لعدة أسابيع وتبدأ بالتأثير على الأداء اليومي. ويمكن أن يشمل ذلك الأرق المزمن، وأعراض الهلع، والشعور باليأس، والحالة المزاجية السيئة المستمرة، وفقدان المتعة، وزيادة سلوكيات التأقلم غير الصحية، والعزلة الاجتماعية، والشعور بالانغلاق العاطفي.

وإحدى العلامات التي يتم تجاهلها غالباً هي اللامبالاة العاطفية، أي عندما يتوقف الفرد عن الشعور بالتحفيز أو الأمل أو التفاعل العاطفي تماماً. ولا يُعدّ هذا كسلاً أو ضعفاً، بل إشارة من الجهاز العصبي تنبؤ بالإرهاق.

  • ما التغييرات البسيطة التي تساعدنا على تعزيز هدوئنا والتخلّص من التوتر؟

يستجيب الجهاز العصبي بقوة للثبات والأمان والقدرة على التنبؤ، مما يعني أن العادات اليومية الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثير نفسي كبير.

من أهم التغييرات تقليل التحفيز المفرط غير الضروري. فالتعرض المستمرّ للأخبار المقلقة، والتصفح اللامتناهي، ووفرة المعلومات هي عوامل تبقي الدماغ في حالة تأهب قصوى لمراقبة التهديدات. ويمكن أن يساعد وضع حدود لاستهلاك وسائل الإعلام، خاصة قبل النوم، في تنظيم مستويات التوتر بشكل كبير.

كذلك، يمكن إعطاء المزيد من الاهتمام للحركة المنتظمة، والمشي في الهواء الطلق، والتنفس العميق والصلاة أو التأمل، والروتينات المنظمة، والتواصل المباشر، وتحسين النوم، باعتبارها أساسية لإرسال إشارات الأمان إلى الدماغ.

وحتى أبسط أشكال التحكم يمكن أن تعيد الاستقرار النفسي خلال فترات عدم اليقين، مثل ترتيب السرير، وطهي الطعام، وتنظيف المكان، والالتزام بروتين صباحي، والتركيز على مهمة واحدة قابلة للإنجاز في كل مرة. فكل ذلك يساعد على تخفيف الشعور بالإرهاق وتمنح إحساس النظام والقدرة على التحكّم.

ومن المهم أيضاً أن نتجنّب لوم أنفسنا على المعاناة. فحتى لو اعتقدنا أنّنا لا نتأقلم بشكل صحيح، يستجيب الجهاز العصبي في الواقع بشكل طبيعي للضغط الطبيعي والتوتّر المستمرين.

فالإرهاق العاطفي لا يُعدّ علامة ضعف، بل علامة على أنّ العقل والجسم يحاولان البقاء قويين لفترة طويلة في ظل غياب الدعم الكافي.

اقرئي أيضاً: 5 أطعمة طبيعية لتقليل التوتر وتعزيز الهدوء

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية