ليلى الجندان: قدّمتُ في العديد من أعمالي الفنيّة التراث والأزياء السعودية بحلّة عصريّة

يشكّل رسم البورتيه والوجه مصدر الإلهام الأساسي للفنانة السعودية المعروفة ليلى الجندان، حيث أن ملامح الانسان هي ما يلامس إحساسها مع كل ما تعبّر عنه من مشاعر وأحاسيس مختلفة. وتركّز على المرأة لتُظهر قوّتها وعزيمتها، عاكسةً أيضاً مشاعر الضعف والشك والحديث مع النفس التي تواجهها كأنثى تسعى لإثبات وجودها في المجتمع. تُظهر الجندان الأزياء والبيئة السعودية، وتتناول موضوع الصحراء التي تعتبرها موطن الهدوء والسكينة والتأمّل والجمال. نغوص معها في عالم النّجاح والقوّة والتحديات لنكتشف إنسانة شديدة الثقافة والعمق والتفكّر.

المرأة بملامحها العربية حاضرة في الكثير من لوحاتك، لماذا اخترتِ التركيز على إبراز جمال ملامحنا السعودية مع الخصوصية والحشمة التي تميزها؟

عندما أرسم جمال المرأة، فأنا أرمز بهذا الجمال ليس فقط إلى جمالها الشكلي، ولكن أيضاً إلى جمال صفاتها وعزيمتها وقوتها وثقتها بنفسها, والحشمة في لوحاتي ترمز في بعض الأحيان الى القيود أو التحديات التي يمكن أن تمرّ بها المرأة في العالم العربي والتي تحاول أن تتخطّاها من أجل تحقيق طموحاتها وأحلامها. بشكلٍ عام، أحاول في لوحاتي نقل الملامح مع إيصال رؤى حسية أو نقل حالة مزاجية معينة للمتأمّل.

تبدو النساء في لوحاتك قويّات وواثقات وفخورات، هل تعكس هذه اللوحات أحاسيسكِ أو صفاتكِ الخاصة؟

الفنان يقوم بالتعبير في لوحاته عن مشاعره وأحاسيسه أو قد يتناول قضيّة مجتمعيّة معينة، فالمشاعر المرتبطة بالمشاهد والحالات والهواجس والتجارب والمواقف اليومية تلعب دوراً كبيراً في إلهامنا، حيث أن الفن طريقة من طرق التعبيرعن النفس. وكَوني امرأة عربية وسعودية واجهت الكثير من التحديات على الصعيدين الشخصي والعملي، فقد جعلني هذا الأمر قويّة وفخورة بقدرتي على الصمود أمامها وتخطّيها ونجاحي في أن أكون ما أنا عليه اليوم، واحدة من نساء كثر مهّدنَ الطريق للأجيال الحالية والقادمة.

هل تعتبرين نفسكِ إمرأة قوية كونكِ لاحقتِ حلمكِ بالرسم ونجحتِ في تحقيقه؟ من أين تستمدين هذه القوّة؟

بكل تأكيد، أشعر بالفخر الشديد بأنني لم أتخلّى عن حبّي وشغفي للرسم وأنني تمكّنت من تحقيقه إذ إنني لم أحترف الفن التشكيلي مبكراً لكونه كان غير مدعوماً بشكل كبير من قبل المجتمع السعودي في تلك الفترة. وعلى الرغم من أنني كنت أعشق الفن منذ طفولتي وكنت أمارس الرسم كهواية، أكملت دراستي الجامعية في مجال علوم الحاسب الآلي واحترفت هذا المجال فيما بعد. وبقي الفن مآلي الثابت، ومهما تفرّقت بنا السبل وانشغلتُ عنه بحياتي العملية، إلا أنّنا كنّا دائماً على موعد. ولأن الموهبة ملازمة لصاحبها مدى الحياة، فقد حرصت على دعم موهبتي وصقلها بالدراسة، فحصلت على دبلوم في الفن التشكيلي وشاركت فب عدد من الدورات لأنّمي مهاراتي الإبداعية.

أرى أنّه يجب على الانسان أن يستمر في البحث عن شغفه وألا يرضى بالمتاح أمامه وأن يقوم بخوض خبرات عديدة في حياته. الشغف مهمّ في الحياة لما يثيره في روحنا وطاقتنا من آفاق. ويجب دائماً أن نبحث بداخلنا عمّا يعيد إلينا ذلك الشغف، بالتأمل فيما حولنا وتغيير ما كان يوماً حلماً إلى حقيقة ملموسة ونجاح يسمو بصاحبه ويقوده إلى الخروج عن المألوف وتحقيق الذات والتصالح معها.

الفنّ شكلٌ من أشكال التعبير البسيطة والتي تلامس الناس بغض النظر عن الهوية والثقافة والانتماء. ما هي رسالتكِ من خلال فنك؟

الفنّ رسالة تنقل وتحيي ثقافة الفنّان وبيئته لتوصلها بلغّته الإبداعية المميّزة، ومشاركاتي خارج المملكة ألهمتني أن أكون سفيرة لبلادي عبر أعمالي وشخصيّتي الفنية وأن أساهم في الارتقاء ونشر الفن والثقافة السعودية محلياً وعالمياً.

ما هي الحالة النفسية والذهنية التي تحتاجين إليها للبدء بعمل جديد؟

البدء بعمل جديد يحتاج إلى إلهام، وأجد أنّ الإلهام يأتي نتيجة حالة صفاء ذهني بعد المرور بأنواع من المواقف منها الفرح أو الحزن أو المعاناة، ويمكن استحضاره بعد عمل طقوس معيّنة أو توفير أجواء خاصّة، وهذا من أحد الأسباب التي دفعتني لأن أخصص مساحة خاصّة أو استوديو أنعزل فيه ليساعدني إلى أن أصل إلى تلك الحالة من الصفاء التي تمكّنني من أن أبدع بعيداً عن صخب الحياة اليومية ومشاكلها، مع العلم بأن الالهام يتطلّب مخزوناً ثقافياً وفكرياً وتراكمات حياتية تترجمها القدرة على تحويل هذا الصراع إلى عمل فنّي.

حدّثينا عن مصادر إلهامكِ وعن المدارس أو الفنّانين الذين تركوا أثراً فيك؟

يُعتبر والدي المؤثّر الأول في حياتي فيما يتعلق بتنمية حبّي للفن بشكلٍ عام، فكان دائماً يشجعني على تنمية مهاراتي في العزف على البيانو بما أنه كان بدوره يُتقن العزف على آلتي البيانو والعود. وبحكم عمله في السلك الدبلوماسي، كان يحرص دائماً في جميع أسفارنا للخارج أن يأخذني وأخوتي لزيارة المتاحف الفنيّة والتاريخيّة حيث كنت أمعن النظر والتأمل في اللوحات وكأنني أعيد رسمها في مخيلتي، مما أدّى إلى تغذية الحسّ الفني عندي وزاد من تأثّري بالفن الأوروبي بشكل كبير. فيُعدّ الفنان النمساوي tmilK vastuG من أكثر الفنانين المؤثّرين في أعمالي بحكم قضاء والدي كسفير اللمملكة العربية السعودية لسنوات كثيرة في مدينة فيينا الغنية بعبق التاريخ والفن والموسيقى وجمال الطبيعة الملهمة.

والدتي أيضاً كان لها أثر في موهبتي. أذكرأنني كنت أراقبها وهي ترسم سكيتشات للأزياء النسائية التي تنوي تفصيلها، ما يفسّر حبّي لإبراز جمال الأزياء النسائية في أعمالي، إذ إنني مثلت في العديد من أعمالي التراث والثقافة السعودية من خلال إبراز أزياء المرأة التراثيّة بطريقة عصريّة مبهجة.

ما هو أكثر إنجاز فني تفتخرين بتحقيقه، وما هي مشاريعك للفترة المقبلة؟

نشر لوحتي على غلاف جريدة القبس الثقافي من أكثر المحطات العزيزة على قلبي والتي أفتخر بها بشدّة. وبما يتعلق بمشاريعي القادمة، سأقوم بالمشاركة في عدد من المعارض المحليّة في السعودية.

ما رأيكِ بانتشار الفن الرقمي، وهل تعتقدين أنه يجب أن تدخل هذه التكنولوجيا إلى الفن؟

أرى أنّ الذكاء الاصطناعي أداة من الأدوات الابداعية التي يمكن أن يستخدمها الفنان في إنتاج أعمال فنيّة مبتكرة. فالأمر لا يتعلَّق بقدرة الآلة على تجاوز قدرات الفنان البشري أو حتى محاكاتها لإبداعه أو أن تحلّ محله. فالإبداع البشري تحديداً يختلف عن الإبداع التقني مهما بلغت قدرات هذا الأخير، ومهما احتوى بيانات، فالفن مقترن بالمشاعرالانسانية وهو عبارة عن انعكاس لها، فعادةً ما نلمس إحساساً ما خلف اللوحة، سواء كان غضباً أو حزناً أو رغبة. أمّا تعبير الذكاء الاصطناعي، فهو اصطناعي.

من الجيد أن يكون الفنان منفتح على كل ما هو جديد وأن يجرّب طرق وأساليب فنية باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي. وأعتقد أنّنا سنعتاد على وجود أساليب أعمال مشتركة بين الفن والذكاء الاصطناعي.في النهاية أجد أن ريشة الفنان وألوانه وجماليّتها لا يمكن استبدالها بأي شيء آخر أو الاستغناء عنها.

كيف تقيّمين تواجد المرأة السعودية في المجالات الثقافية؟

قطاع الثقافة والفنون في السعودية يشهد مؤخراً دعماً غير مسبوق وعلى أعلى مستوى، وذلك بعد إطلاق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية 2030 الهادفة لتطوير المملكة، وما تضمّنته من محاور تناولت شتّى مناحي الحياة، والتي تشمل تمكين المرأة في كافة القطاعات، ومن بينها قطاعات الثقافة والفنون، ما كان سبباً في إزاحة الستار عن المواهب. ونتيجةً لهذا الدّعم، نجد أن المرأة السعودية ارتقت إلى مصاف الدول العالمية في تقديم موهبتها وإبداعها، وحرصت على أن تحظى بالفرص القوية خلال مشاركاتها الثقافيّة في المحافل الفنيّة الدوليّة. 

اقرئي المزيد: خديجة حجازي: قوتي تكمن في سعيي لكسر الصور النمطية حول الرياضيات المحجّبات

 
شارك