الوجوه بارزة وتكاد تنطق بقوة وحدّة في لوحات الفنانة التشكيلية الإماراتية عالية العوضي، فهي في مسيرتها الفنية ركزت حتى اليوم على مراحل الطفولة والمراهقة مع التغيرات التي تطرأ على الجسد والأنوثة، مستلهمةً في كثير من الأحيان من الخيال التأملي وثقافة الإنترنت والواقع البديل، لتنقل رسائل عن حال نساء جيلها من الشابات الباحثات عن تعريف وفهم للذات. عالية التي حصلت على بكالوريوس الفنون الجميلة في تصميم الرسوم المتحركة مع تخصص فرعي في الممارسات التنسيقية من جامعة زايد عام 2020، قارئة نهمة وكاتبة موهوبة كما أنها قدمت معرضها الفردي الأول أواخر العام الفائت، وهي إضافة إلى ذلك قيّمة فنية فاعلة في المشهد الثقافي والفني الإماراتي. اخترناها في عدد سبتمبر المخصص للمواهب الشابة لتعبّر من خلال ريشتها عن أفكارها التي تعكس طموح وآمال بنات جيلها، فتعرفي عليها في هذا اللقاء.
كيف تتجلى هوية الفتاة التي تنقلت كثيراً في طفولتها ووجدت الاستقرار من خلال الرسم في عملك الابداعي اليوم؟
نشأت في بداية الألفية خلال فترة تاريخية وثقافية خاصة في الإمارات، حيث المطلوب من الجيل الجديد الانفتاح والتعاون مع مختلف الجنسيات، وفي الوقت نفسه الحفاظ على العادات والتقاليد، قصدت المدرسة الرسمية في حي محافظ، ما أدى إلى تأطير دائرة علاقاتي بعض الشيء، وفي الوقت نفسه وبما أن والدتي أميركية، فقد تعرفت على ثقافتها وتأثرت بها، فعشت ما يشبه الانفصام بين ما هو متوقع من الفتاة وما يمكنها الوصول إليه في حال أرادت المزيد. صحيح أني تنقلت كثيراً في صغري ولكن محيطي كان دائماً مقتصراً على الفتيات لأني كنت في مدرسة مخصصة لهنّ ولاحقاً أيضاً في الجامعة، لم أعرف الاختلاط بالجندر الآخر، وخلال هذه الفترة كانت تراودني الكثير من التساؤلات والهواجس عن دورنا وكيفية تعبيرنا عن أفكارنا، وهذا ما حرّك حسّي الفني وأظهر موهبتي في الرسم، فأنا لا أذكر أيّ فترة لم أرسم خلالها، لطالما كنت مهتمة بالرسوم المتحركة والفنون والتعبير الإبداعي وحين اخترت تخصصي الجامعي توجهت نحو الأولى لأني لم أملك الثقة الكاملة بموهتي في الرسم، كما أن اطلاعي على الأنيميشن كان أكبر لأني كنت ملمة ومهتمة به عبر الإنترنت، وبدأت فعلياً بالرسم الاحترافي بعد تخرجي من الجامعة.

تظهر الوجوه حادة في لوحاتك، لماذا اخترت هذه المبالغة في شكل العيون واللسان والأنف والأسنان؟
أعتقد أن السبب هو تأثري بالأنيميشن، فضمن مشروعي النهائي في الجامعة قدمت الأنيميشن كشكل تعبيري وتجريدي تحريري للمشاعر، وصرت أرسم انطلاقاً من هذه الأفكار لأني وجدت فرصاً أكبر وأقل كلفة في الرسم، فاستفدت مما درسته من تقنيات وأوجدت أسلوبي الفني الخاص، وأنا أعتقد أن الرسم شكل تعبيري مباشر وسريع لإيصال الأفكار، وقد ساعدني حصولي على دورات في فهم موهبتي، منها منحة الفنانين الناشئين لسلامة بنت حمدان آل نهيان، حيث تعرفت على فنانين من مختلف أنحاء البلد والعالم، وزادت معرفتي في تقنيات الرسم. قدمت الكثير من اللوحات طيلة السنوات الخمس التي تبعت تخرجي، حتى تمكنت من تنفيذ معرضي الأول خلال أواخر السنة الماضية، وكان بمثابة النتيجة النهائية لسنوات من العمل على تقنيات المبالغة في الرسم لإيصال فكرة عن تصوري لدور المرأة وماهية مشاعرها وتجلياتها القصوى بتطرفها شكلاً ومضموناً، فخضت في مواضيع العدالة الاجتماعية والنسوية وسمحت لمجموعة كبيرة ومتطرفة من المشاعر في الظهور، في بيئة لا تفهم أو ترحبّ بهذا الكم من التعبير عن مكنونات الذات النسائية.. كانت المبالغة جزءاً من الرسالة القوية والمباشرة التي أريد إيصالها، والتي تعكس أفكاري ونظرتي لما تمر به النساء وأنا منهن، ففي الدرجة الأولى يعبّر فني عن أفكاري وقناعاتي وميلي نحو الغموض والجريمة وسبر غور المحرّمات من دون خوف أو أقنعة.
الكتابة هي نوع تعبيري وإبداعي تجيدينه، أيّ جزء من مكنوناتك تفرغينه فيها؟
شجعتني والدتي على القراءة منذ سن صغيرة جداً، ولازلت حتى اليوم قارئة نهمة حتى أنّ توجهي في الرسم نحو المواضيع القوية والحساسة، يعود إلى تأثري بالكتب التي تشبعت بها طوال سنوات نشأتي، فأنا كنت أقرأ روايات عميقة وقوية ولعلّ فهمها يتطلب وعياً وعمراً اكبر من عمري، تأثرت بالأدب الأميركي في مراهقتي، ولاسيما الخيال العلمي وشخصيات الكرتون ونجوم البوب، وكنت مذهولة ومعجبة بالتعبير الكتابي، لذا وجدت نفسي قادرة على إفراغ الكثير من مكنوناتي على الورق، وكنت أنشر ما أكتبه في الكثير من الأحيان دون الكشف عن اسمي، لأني لم أرغب بالقيود التي سيفرضها عليّ إظهار هويتي الحقيقية، فتحد من قدرتي الإبداعية في التطرق إلى مواضيع حساسة وطرح أفكار فيها من الخيال والفانتازيا ما يصعب تقبله. أعتقد أن الكتابة أساسية في طريقتي للتعبير عن أفكاري وحقيقتي، وهي تتكامل مع الرسم لأنه يساعدني في إظهار ما يصعب التعبير عنه بالكلمات.

كيف تقيّمين دور القيمين الفنيين وأنت منهم، في فتح قنوات تواصل بين الجمهور والفنان؟
أعتقد أنه في أجزاء أخرى من العالم بات القيّم الفني يعاني من صفة الغرور والأنا المبالغ بها، ما يقلّص من دور الفنان ومشروعه ورؤيته الخاصة، لذا أتمنى أن يعود إلى دوره الرئيسي وهو إعداد وتقديم الموهبة بشكل يصل إلى المتلقي ويجذب انتباهه. حين يتم تنظيم معرض يضم أسماء متعددة فإننا نشتت الانتباه عن كل موهبة على حدى، فنظلم البعض على حساب الآخر، لذا يكون من واجب المنظّم أن يخدم بالدرجة الأولى أفكار الفنان لكي يحتفي به ويكون صلة الوصل الصحيحة بينه وبين الجمهور، لذا أنا أتعاطف أكثر مع الفنانين رغم أني أمارس العملين، وأرى أنه من واجب القيّم الصادق والحقيقي في أداء مهمته، هو أن يغيّر ويعدّل دوره لكي يكون السياق العام للحدث في خدمة رسالة الفنان ورؤيته. نحن بحاجة ماسة في الإمارات لقيّمين فنيين أكفاء من أبناء البلد، من يفهمون ثقافته وخصوصيته ونوعية الفن الذي ينتجه أبناءه، ففي أكثر الفعاليات أهمية يجب أن يتواجد تعاون بنّاء بين الفنانين والقيمين، كي ينجح الحدث ويلقى الأصداء التي يستحقها.
حدثينا عن معرضك المنفرد العام الفائت بعنوان Girl Parts.
كنت جزءاً من مجتمع “كنّ” لسنوات، وفكرة تنظيم معرضي الفردي الأول معه أسعدتني كثيراً، وقد جمع الحدث أعمال قدمتها على مدار الخمس سنوات التي سبقته، كان مزيجاً من لوحات قديمة وأخرى أنهيتها قبل فترة بسيطة من موعد المعرض، وبالتالي فهو شاهد على تطور أفكاري وتبلورها، فجاءت اللوحات وكأنها متكاملة، أصيلة وحقيقية بحيث تبيّن طريقة عملي وتنوّع تقنياتي، وقد تلقيت الكثير من ردود الأفعال الإيجابية، وكانت هناك آراء متباينة بحيث صدم البعض من قوة وحدة الرسائل المبطنة في بعض الأعمال، ففي تعابيري بعد الدراماتيكية لأنها كشفت عالمي الداخلي على الملأ. حين أنظر إليه اليوم أعتبر أنه كان بالإمكان أن يكون أفضل فهناك دائماً مجال للتحسين، ولكني أعتبره بمثابة الصفحة النهائية لفترة من عملي الفني ركزت فيها على أفكاري عن الطفولة والمراهقة مع التغيرات التي تطرأ على الجسد والأنوثة مع أحكام المجتمع وقيمه وطرق الخروج من أطره وحدوده الضيقة للوصول إلى تعبير أوسع وأشمل عن مكنونات الذات.

قلت أنك ختمت مع المعرض فترة مهمة من مسيرتك الفنية، فما هي المرحلة الجديدة التي تدخلينها حالياً؟
في المرحلة الماضية كان الرسم مصدراً لدخلي، فكنت أرسم كثيراً وأحياناً من دون رؤية واضحة لكلّ لوحة، ولكني اليوم وبعد أن حققت الاستقرار والاستقرار المادي، قررت أن أعوّد نفسي على التأني والتمهل في الرسم، لكي أفهم أبعاد الرسالة والفكرة التي أريد إيصالها، فأطور تقنياتي وانتقل من الأكريليك إلى الزيت، وهو يتطلب فترات من التوقف لكي يكتمل الشكل ولا يتغيّر، وهذا ما يجعلني أكثر قدرة على التفكير والتمعن قبل تحقيق النتيجة النهائية للوّحة. مواضيعي أيضاً ستتغير فبعد أن تعمقت في مواضيع نسائية لكي أفهم ذاتي أكثر وهو أمر طبيعي في بداية العشرينات من العمر، أخطط حالياً لأخوض مجالات أكثر اتساعاً منها الفولكلور والميتولوجيا والثقافة والمحرمات والمشاعر المتطرفة، وهي مجالات تعكس المزيد من النضوج والتعمّق في الحياة والنواحي الإنسانية والفكرية منها.
بما أنك من الجيل الجديد الذي نتوجه له في عددنا الحالي المخصص للشباب، كيف ستعكسين رؤيتك لأفكاره وهواجسه وطموحاته وطريقة تفكيره، من خلال لوحاتك على صفحات المجلة؟
أعتبر جيلي والجيل الذي يليه واعياً ومثقفاُ فهو تعرّض للكثير من المعلومات بسبب الانفتاح على الانترنت، وهو ما يعكسه فنانين كثر غيري متواجدين على الساحة من خلال أعمالهم، ويلقون ردود أفعال إيجابية من الجمهور الشاب الذي يهتم برؤيتهم. نحن جيل يبحث عن هويته ويحاول التأقلم مع التغيرات السريعة، يجرّب ويخطأ ويعيد المحاولة ويكتشف المزيد عن الحياة وأنماط التفكير والطرق الأفضل له لكي يعيش استقراره ويشهد تطوره في خضم كل الضغوط التي تواجهه، مع محاولة الحفاظ على ثقافته وتقاليده وقيمه الأخلاقية. وفي فني سأعكس هذه الأفكار بشكل يتناسب مع خطي ورؤيتي الخاصة.

ما الذي تطمحين إلى تحقيقه في الساحة الثقافية والفنية الإماراتية؟
في داخلنا نبحث دائماً عن القبول المجتمعي، ولكني في فني أعاكس هذه النظرية، فما أقدمه يبدو لكثيرين غير مقبول أو مستساغ ولا يجدونه محل إعجاب لأنه مختلف عما هو سائد، إنما في النهاية أنا متقبلة لكل الآراء ولن أغيّر أفكاري وقناعاتي لكي أرضي الآخر، أقدم فني بصدق وحب وحماس كبير، أرغب بالعيش بأمان وسعادة وراحة، وأن أستمر بممارسة ما أحب القيام به أكثر من غيره وهو تقديم الفن والكتابة، وإخراج مكنوناتي بشكل واضح وصريح ومن دون خداع أو مراوغة، فإن تمكنت من خلق مجتمع يشبهني سأكون سعيدة جداً، وإن حققت أعمالي النجاح وجلبت لي الشهرة فأنا أيضاً سأكون ممتنة لذلك.
اقرئي المزيد: جويل جبّور: الانتماء هو إحساس عارم نحو أماكن وأشخاص وقيم وثقافة






