الحلم يمكن أن يظلّ فكرة جميلة تراودنا قبل النوم وأثناءه فنعيش سعادة وهمية ونعود بعدها إلى أرض الواقع الذي غالباً لا يرضينا، ولكن هناك شابات أثبتن أن لا شيء مستحيل، ولا حاجز يمكن أن يعيقهن ويقف أمام تحقيق أحلامهن، ومنهنّ رنا حايك التي نجحت في ان تكون أول ميكانيكية سيارات عربية. نتعرف عليها في هذا اللقاء ونأخذ منها الإلهام للاستمرار بالسعي نحو تحقيق كل ما نحلم به.
أنتِ من أوائل الشابات العربيات اللواتي خضن مجال ميكانيك السيارات، هل كانت الطريق سهلة أم واجهت صعوبات؟
لا يوجد شيء سهل في الحياة ولا سيما أني كنت أدخل مجالاً معروف عالمياً وليس فقط عربياً أنه محصور بالرجال، الصعوبات بدأت في المدرسة حين كنت أقول إني أريد مستقبلاً افتتاح كاراج والعمل في تصليح السيارات، كنت أتعرض للتنمر والسخرية، وتالياً في منزلي فالمعتاد في مجتمعنا أن يفكر الطفل بأن يسلك طريق والديه المهني، ولكن في أسرتي لا أحد كان مهتماً بالسيارات أو يعمل بهذا المجال، لذا استغربت أسرتي كثيراَ توجهي، ولكني لم أتوقف وكنت مصّرة على تحقيق حلمي والاستمرار في الطريق الذي اخترته.
كيف تعاملت مع نظرة المجتمع إلى شابة تمارس مهنة رجالية بشكل كبير في محيطنا؟
بالبداية كانت سلبية جداً فحين كنت أنشر صورة لي وأنا أعمل وقد تلوثت ملابسي بالشحم، كنت أتلقى تعليقات قاسية ومستنكرة لعملي، ولكن مع الوقت وبعد أن برهنت قوتي وجدارتي ولا سيما أني قادمة من خلفية هندسة أي أني درست وأدركت جيداً ما أقوم به ونجحت فيه، بدأت بكسب الاحترام والدعم والكلام المشجّع، وهذا لا يعني أن الانتقادات زالت كلياً، فلا يزال هناك شريحة كبيرة من الناس لا تفهم سبب قيامي بعملي، ولكهن ببساطة لا يؤثرون فيّ لأني أعرف أني أتبع شغفي وسأستمر بذلك.
هل يزعجك عدم الثقة بقدراتك لمجرد أنك امرأة، وكيف تخطيت هذا الأمر؟
في السابق كنت أنزعج جداً وأتأثر من عدم الثقة بقدراتي، وأتذكر حدثاً مررت به مع بداية عملي في الكاراج، حيث جاء زبون لتغيير الزيت لسيارته، ورفض كلياً أن أساعده وطلب رؤية صاحب المكان، ليؤنبه لأنه وظّفني وظنّ أنّ أهلي يجبرونني على العمل لحاجتهم للأموال، لم يصدق أبداً أني جديرة للقيام بهذا العمل، وقال له جملة لا أنساها لليوم: “شو انقطعو الرجال حتى تستعينوا ببنت”.. هذا الموقف أحزنني وأثّر فيّ كثيراً وقتها، ولكني اليوم أؤمن أنّ السبب باستمراري هو هذا النوع من الرجال، كي أثبت لهم أني قوية فأنا لا أؤذي أحداً بل على العكس أساعد وأعمل بجهد في مجال أحبّه وأستمتع به.

اخترت الدراسة قبل أن تعملي في مجال الميكانيك لتعززي معارفك، ما الذي استفدته من الهندسة وتعلم المفاهيم النظرية؟
بدأت العمل في الكاراج بعمر 16 سنة بسبب حبي الكبير لهذا المجال، وكنت أقول لأهلي أني أرغب باكتساب الخبرة، وحين عملت ازداد حبي له، ولم أرغب بالاستمرار بالدراسة، بل أردت ترك المدرسة، إلا أنّ أهلي استطاعوا إقناعي باختيار مجال الهندسة الميكانيكية، وأشكرهم على ذلك لأني بتّ أكثر تمكّناً ودراية بالتقنيات، واليوم حين أجري مقابلات أو أقدم ورش عمل وجلسات تعليمية لشابات أصغر سنّاً لكي تزيد معرفتهن بالمشاكل التي يمكن مصافتها في سياراتهن، فأعطي نصائح ومعلومات موثوقة، أقوم بذلك من خلفية معرفية بحتة.
في العادة يرتبط الشغف بالسيارات بالشباب، فلماذا وكيف بدأ حبك للسيارات؟
كنت ألعب بالسيارات وأحاول تصليحها مع أخي منذ سنوات طويلة، ولم أهتم كثيراً بالدمى وألعاب البنات مثل أختي، وازداد حبي لكلّ ما يتعلق بالسيارة مع تقدمي في السن، لذا فقد كان حلم طفولة رافقني على الدوام بأن أمتلك كاراج للتصليح، وقد ساعدني أهلي كثيراً لأنهم وثقوا فيّ ووضعوني على المسار الصحيح لكي أستمر وأنجح.
فتح لك عملك أبواباً لفرص مختلفة، حدثينا عنها وعما تفخرين به أكثر من غيره من إنجازاتك وتعاوناتك؟
بصراحة لم أفكر أبداً بإمكانية الشهرة عبر وسائل التواصل حين بدأت العمل بالكاراج، ما حصل أني وضعت منشوراً بمناسبة يوم المرأة العالمي، حول أني أول امرأة عربية تعمل في تصليح السيارات، وتلقيت مئات التعليقات والرسائل والتي كانت بمعظمها سلبية، ما دفعني إلى التراجع قليلاً عن النشر، ولكن بعدها فكرت أنّ عليّ أن أكون أقوى من هذا الهجوم، فالمجتمع الذي ينتقدني من وراء الشاشة لا يعرفني أو يدرك الجهد والتعب الذي أختبره في عملي، لذا واصلت تقديم المعلومات والنصائح عبر الفيديوهات والمناشير. هذا التواجد فتح لي بالفعل العديد من الأبواب الرائعة وخولني التعاون مع جهات كبيرة في مجال السيارات، وأكثر ما أفتخر أني حققته هو الذهاب إلى سباق فورمولا 1، والتعرف على السائقين والتقنيين والعاملين في الكاراجات، حيث تتم تجربة أجدد وأهم التقنيات.

هل تشجعين الشابات على عمل ميكانيك السيارات؟ وهل هو فعلاً صعب ومرهق جسدياً للمرأة؟ وفي المقابلة ما هي حسناته؟
أكيد أشجّع الشابات على عمل كل ما يحبونه ولكن عليهن التجربة أولاً، فيمكن مثلاً لأيّ صبية أن تأخذ شهراً من إجازتها الصيفية وتقصد كاراج وتتعرف عن قرب على طريقة العمل، فإذا أحسّت أنها مهتمة وقادرة على الاستمرار، تختار دراستها الجامعية وتعود بعدها إلى العمل الميداني.
بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فبالتأكيد العمل صعب ومرهق جسدياً مثل معظم الأعمال التي تتطلب الحركة، ولكن مع التطور التكنولوجي تقلّصت الصعوبات. حين بدأت العمل كان من الصعب عليّ أن أفك القطع لأنّ رجلاً قبلي هو الذي شدّها، فكنت أستعين بزميل لكي يحلّها، ولكن اليوم يتوفر أدوات خاصة تمكنني من ذلك، إنما باختصار مع الوقت تعلمت كيفية استخدام قوة جسدي دون ان أتسبب له بالألم أو الأذى.
ما هي أكثر التعليقات التي تتلقينها حول عملك؟
عنوان المرحلة الأولى من مسيرتي كانت “التنمّر” فالجهل الكبير بنواحي عملي كان يدفع الناس للسخرية والهجوم والكره غير المبرر، ولكن اليوم اختلف الوضع كثيراً فأجد التشجيع وعبارات الفخر بي خاصة من الشابات اللواتي يخبرنني أني ألهمتهن للسعي نحو تحقيق أحلامهن دون التأثر بالهجوم السلبي والتوقف عنده.
ما هو الحلم الذي يراودك تحقيقه في مجال عملك؟
حققت قسماً من أحلامي ومستمرة بالسعي نحو المزيد، أكثر ما أفتخر به هو أني تمكنت من العمل مع علامات تجارية عالمية في مجال السيارات، وبات لديّ الكاراج الخاص بي، وما أريده لاحقاً هو المزيد من الانتشار عربياً وعالمياً ونشر معرفتي على نطاق أوسع.
يبدو ما حققته حلماً بعيد المنال لعديد من الشابات، ماذا تقولين لهن عن أهمية الثقة بالنفس لتذليل العقبات والوصول؟
عدم الاستسلام والتراجع هو أهم شيء في رحلتنا نحو ما نصبو إليه، المهم هو أن تكون رؤيتنا واضحة وثابتة لا تتزحزح، وحين نصل إلى هذه المرحلة ستزول كل العقبات.

هل أحببت الشهرة وكانت من ضمن خططك حين بدأت بالعمل، وما الذي تحققينه من خلال تواجدك عبر وسائل التواصل؟
لم تكن الشهرة أبداً هدفاً من تواجدي عبر وسائل التواصل، بل أردت نشر المعرفة بمجال ميكانيك السيارات ومساعدة كل راغب بأن يفهم مشاكل المركبة التي يقودها، ويجد حلولاً لها بالتعاون مع الميكانيكي المختص، وأعتقد أنّ مهنيتي هي ما أوصلتني إلى الشهرة وأعطتني حب الناس.
هل تخيف شخصيتك القوية ومهنتك الشباب أم أنك ترين ان الجيل الجديد بأكمله متقبل للتغيير ولحرية الفتاة مع الحفاظ على قيمها ومبادئها العربية؟
غالبية الشباب تحب السيارات لذا حين أجلس مع أي مجموعة من الرجال أو مع زملاء وأقارب وأصدقاء من الجيل الجديد، نجد سريعاً حديثاً يجمعنا، وأشعر بدعمهم وتشجيعهم لي، ولكن بالطبع محيطي الاجتماعي الأكبر سناً كان يستغرب ويمتعض ويطلب من أهلي ثنيي عن الاستمرار، كما أنّ بعض الزبائن لم يثقوا بقدراتي ولم يرغبوا بأن أصلّح سياراتهم، والعاملين معي أيضاً من الرجال، كانوا ينزعجون من وجودي، إلا أنهم اقتنعوا لاحقاً ومع مرور الوقت وإثباتي لجدارتي وأني في المكان المناسب.
اقرئي المزيد: جود الجمعاني: السفر خولّني اكتشاف الأماكن السياحية المخبئة في الدول العربية ونشرها






