مقابلات

الدكتورة مريم الهاشمي: الإنجاز الأهم لي هو أن أرى جهدي يسهم بالارتقاء بقيمة الأدب الإماراتي

يعتبر الأدب العربي برموزه الذين أرسوا أسس هذا المجال من الأهم في العالم، وتعدّ الدكتورة الإماراتية مريم الهاشمي الحاصلة على دكتوراه وماجستير في الأدب والنقد، وماجستير في الدبلوماسية والعلاقات الدولية، من أهم النساء الفاعلات على الساحة الإمارتية فيه، هي التي وجدته “يتحدث بلسان من لا لسان له، ويمكن أن نقول عبره ما لا يمكن قوله بعيدًا عنه”، بالإضافة إلى ارتباطه الوثيق باللغة العربية، والتي تسعى من خلال نشاطاتها إلى التركيز على إبراز أهميتها وقيمتها في المجتمع، فاختارت أن تحمل على عاتقها تعزيز حضور الناقد الإماراتي وتوثيق الأدب شعراً وسرداً. نتعرف عليها ونكتشف دورها على الساحة الثقافية الإماراتية من خلال هذا اللقاء.

تقول الدكتورة مريم “للأدب القدرة العجيبة على تجذير التسامح بكل أشكاله في الذات البشرية، فقط إن كان لدينا الوعي حول أهمية الآداب والفنون للحضارات البشرية. الأدب مرتبط باللغة وباللغة نستطيع أن نتواصل بشكل أعمق مع أنفسنا أولا ومع الآخرين . منذ أول علاقة لي مع الأدب عبر القراءة  كنت أجد في النص الأدبي مساحة للتأمل، والدهشة، وطرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والمكان والذاكرة والهوية. أما النقد فقد جاء امتداداً لهذه العلاقة، فهو المصاحب اللازم للآداب والعلوم والفسلفة والحياة، والنقد تعلمت منه كيف أسائل كل شيء، ولا أكتفي بالتلقي. بالنقد تتم محاورة النص والوقوف على طبقاته الدلالية والجمالية والفكرية. النقد هو محاولة للفهم والاقتراب من التحولات المضمرة في الذوات والمجتمعات التي يتناولها الأدب. وفي الآداب عامة وفي الأدب الإماراتي تحديداً وجدت مجالاً خصباً للبحث، لأنه أدب تشكّل في منطقة غنية بالتحولات الاجتماعية والثقافية، وانتقل من الذاكرة الشفاهية والبحر والصحراء إلى أسئلة المدينة والحداثة والهوية والعالم الرقمي والذكاءات المتعددة، لذلك فإن كل العلوم الإنسانية ومنها الأدب والنقد، هي طرق فكرية وجمالية تجعلنا نرى كل شيء بعدسة أجمل وأوضح. 

من هم الأدباء الذين ألهموك وأثروا في توجهك نحو هذا المجال؟

كل الكتّاب سواء الذين قدموا النقد أو الفلسفة أو الأدب أثروا فيّ بشكل متفاوت، لا يمكن حصر الأثر بلغة أو كتاب أو كاتب، لكن كان هناك الإعجاب بفكر من خطوا أفكارهم ورؤاهم، ففي  الشعر العربي القديم  مثلا  حضرت أسماء كبرى أسست لذائقة اللغة والخيال،  في جهود الجاحظ والجرجاني والقرطاجني وابن سينا وابن رشد والفارابي والغزالي وغيرهم مداخل مهمة لفهم المعنى وبنيته والبلاغة والتخيل. أما في النقد الحديث، فقد ألهمتني أسماء عربية كبيرة تعاملت مع الأدب بوصفه ظاهرة فكرية وثقافية، وفتحت أمامي مسارات التأويل والقراءة والمنهج. كصلاح فضل وجابر عصفور والجابري والطباشيري وبنكراد وكليطو. إلى جانب النقد والفلسفة المترجمة من الغرب، التي كان لها الأثر في تجربتي النقدية ككتابات لوبون وبروب وتشومسكي ودويستوفيسكي وغيرهم . كما أنني مدينة لتجربة الأدباء الإماراتيين الذين كتبوا عن المكان والتحولات والإنسان الإماراتي، لأنهم منحونا مادة إبداعية غنية تستحق القراءة والدراسة والتوثيق. ومن هنا لا يمكن حصرالتأثير في اسم واحد، لأن التكوين النقدي والأدبي هو حصيلة قراءات طويلة وتجارب متراكمة، لكنني أؤمن بأن الكاتب الحقيقي هو من ينهل من التراث  ويتفاعل بتسامح ورغبة مع المعاصر وتحولاته، ثم يصنع صوته وشخصيته النقدية.

كيف يمكن للأدب الإماراتي أن يعبر حدود المكان ليصل إلى منصات عالمية أوسع؟

الأدب الإماراتي يمتلك مقومات عبور المكان، لأنه لا يكتب عن تجربة محلية ضيقة، بل يكتب عن الإنسان من خلال خصوصية المكان الإماراتي العالمية، والتي شكلت هوية متميزة وعصرية، وهذا  لا يعني التخلي عن الهوية، بل تقديم هذه الهوية بلغة فنية قادرة على مخاطبة القارئ في أي مكان، ولكي يصل الأدب الإماراتي إلى منصات عالمية أوسع يجب أن يقدم أنموذجا حضاريا إنسانيا في الثقافة المتجذرة الأصيلة  والحداثية المتغيرة في آن معا، وهو ضمن الرؤية الثقافية لدولة الإمارات عن طريق مشاريعها الجادة في الترجمة، والمشاركة في المعارض والملتقيات الدولية، ودعم الدراسات النقدية التي تقدم الأدب الإماراتي للقارئ العربي والعالمي، وتحويل بعض الأعمال الأدبية إلى وسائط أخرى مثل المسرح والسينما والدراما والمنصات الرقمية. كذلك من المهم أن تكون هناك مؤسسات ثقافية تواصل دعم الكاتب الإماراتي وتقديمه خارج الإطار المحلي.

هل ترين لدى الجيل الجديد ذائقة أدبية؟ 

الناقد الحق يدرك أن لكل جيل ذائقته، وميوله وتوجهاته وطموحاته، وقطعا الجيل الجديد يمتلك ذائقة أدبية تختلف وفق ميول كل ذات وتراكمها المعرفي والقرائي، ولا يمكن أن نحاكم ذائقة هذا الجيل بمعايير القراءة التقليدية فقط، لأن أدوات التلقي تغيرت، ومصادر المعرفة اتسعت، وأصبحت الصورة والمنصة الرقمية والمواد المرئية  القصيرة  جزءاً من حياته اليومية. هذا لا يعني غياب الذائقة، بل يعني أننا أمام ذائقة تحتاج إلى التوجيه والتغذية الجمالية والمعرفية ، عن طريق إشراك الشباب في المجتمع العلمي والثقافي وتمكينهم الثقة في قدراتهم . لدى كثير من الشباب استعداد جميل للقراءة والكتابة، لكنهم يحتاجون إلى بيئة تشجعهم، ونماذج قريبة منهم، ونقد يواكبهم، كما أن المسابقات والورش والنوادي الأدبية لها دور مهم في تحويل هذا الميل إلى ممارسة حقيقية وهو ما تقوم به مؤسسات كثيرة. 

كيف اختلف مضمون الأدب مع اختلاف الأزمنة والتغيرات الثقافية في العالم العربي عامة والإمارات خاصة؟

الأدب ابن زمنه، ولذلك فإن مضمونه يتغير بتغير المجتمع والثقافة والوعي، والقضايا الإنسانية،  في مراحل سابقة كان الأدب العربي مشغولاً بأسئلة النهضة، والهوية، والاستعمار، والتحرر، والعدالة، والتحولات الاجتماعية الكبرى. ثم جاءت مراحل الحداثة وما بعدها لتفتح أسئلة جديدة تتعلق بالفرد، والمدينة، والاغتراب، والهامش، والجسد، والذاكرة، واللغة، والسلطة، والهوية المركبة والمزدوجة، بل نحن اليوم أمام قضية تعدد الهويات في هوية واحدة. في الإمارات، يمكن أن نلمس هذا التحول بوضوح؛ فقد انتقل الأدب من التعبير عن البيئة التقليدية بما فيها من بحر وصحراء ومجتمع شفاهي وذاكرة جمعية، إلى التعبير عن تحولات الدولة الحديثة، وبناء الإنسان، وصعود المدينة، وتعليم المرأة وتمكينها  وتحولات الأسرة.

“الشهرة ليست معياراً لجودة الأدب”، قلت هذا الكلام سابقاً، إلى أي مدى يمكن للمتلقي والقاريء الشاب أن يدرك أبعاد الرسالة التي يتلقاها من كتاب وأدباء مشهورين، فيميّز بين الرسالة والمحتوى الأصيل وبين ذاك الذي لا يحمل العمق والرسالة؟

إن هذه المسألة أصبحت أكثر إلحاحاً في زمن بات فيه الفرد يقيّم على أسس الخوارزميات والأرقام في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث قد تصنع المنصات شهرة سريعة، لكنها لا تصنع بالضرورة قيمة أدبية حقيقية، إن الشهرة قد تساعد على انتشار الكاتب، لكنها ليست دليلاً كافياً على عمق التجربة أو جودة النص، أو قيمة الأدب في الحفاظ على القيم والفضائل التي هي أسس بقاء الحضارات. القارئ الحذق يستطيع أن يميّز بين النص الأصيل والنص العابر إذا امتلك أدوات القراءة الواعية. وهذه الأدوات تبدأ من أسئلة بسيطة: هل يضيف هذا النص معنى ومعرفة للذات؟ هل يفتح أمامي رؤية جديدة؟ هل لغته قادرة على حمل التجربة؟ هل يترك أثراً بعد القراءة؟ هل يتجاوز الاستعراض إلى الصدق الفني والمعرفي والفكري ؟ .. المشكلة لا تكمن في شهرة الكاتب بحد ذاتها، فهناك أدباء مشهورون يمتلكون قيمة عالية، ولكن المشكلة في تحويل الشهرة إلى معيار أحادي،  لذلك نحن بحاجة إلى تعزيز التربية القرائية والنقدية بدءا من الحوار في الأسرة ومناهج  المدارس والجامعات والأندية  الثقافية والإعلامية المختلفة، حتى لا يكون المتلقي مستهلكاً سلبياً، بل قارئاً قادراً على التمييز والمساءلة. 

كيف يعكس الأدب الإماراتي بمختلف أشكاله من رواية إلى نقد إلى خطابة وسيرة ومسرح وشعر وحتى أمثال شعبية، الانتماء للأرض والتاريخ والموروث الثقافي؟

إن الأدب الإماراتي بمختلف أشكاله هو سجل حي للإنسان وتحولاته: ففي الشعر نجد حضور التاريخ والتراث والأسطورة والبحر والصحراء والذاكرة  والرحلة والحنين والقيم الاجتماعية. وفي الرواية والسيرة تظهر تحولات الإنسان  بما يحمله من أسئلة حول ذاكرة المكان والبيئة ، أما المسرح والحكايات الشعبية والشعر النبطي والأمثال الشعبية، فهي تكشف عن روح المجتمع، وعن حكمته، وطريقته في التعبير عن التجربة . 

إن الموروث في الأدب الإماراتي يظهر في اللغة، والصورة، والشخصيات، والمكان، والعادات، والرموز واللغة المضمرة  وحتى في الإيقاع الداخلي للكتابة. والأجمل أن الأدب الإماراتي لا يتعامل مع التراث باعتباره ماضياً جامداً، بل باعتباره طاقة قابلة للتجدد. من هنا تأتي أهمية النقد لأنه يوثق هذه التجارب ويعيد قراءتها وخلقها وإحياءها ليضعها في سياقها الثقافي والتاريخي، لتتحول إلى ذاكرة أدبية وتاريخية . 

هل من عوائق وصعوبات تواجه الشغوفات بالأدب والإبداع الكتابي حالياً في الإمارات؟

إن مسؤولية الفرد تكمن في التزامه، والتاريخ يثبت أن من يحمل الشغف سيصل في أحلك الظروف، ونحن مرفهون ومحظوظون في دولة تحمل فكرا واعيا حول أهمية الثقافية والوعي والعلم، ومؤسسات أخذت على عاتها مسؤوليتها في دورها المهم حول الاستدامة المعرفية ، كما أنّ البيئة الثقافية في الإمارات داعمة إلى حد كبير، إذ نجد مؤسسات وجوائز وملتقيات ومعارض وورش تمنح المبدع فرصاً حقيقية للظهور والتطور وتأخذ بيده من الخطوة الأولى. لكن يجب لمن يريد أن يمتهن الثقافة والوعي أن يعرف أنه يختار أسلوب حياة يحتاج إلى صبر طويل، فالإبداع ليس مجرد موهبة، بل هو عمل والتزام يومي يلزم به الكاتب نفسه في عالم يخلقه بملامح قراءة وكتابة وتواصل وسؤال دائم حول الحياة والتاريخ والوجود والآداب .

مع انتشار اللغات الأجنبية بشكل كبير في حياتنا بسبب سطوة وسائل التواصل، هل تخافين على لغتنا العربية؟ كيف يمكن حمايتها ونقل خصوصيتها وجماليتها للجيل الجديد؟

الانفتاح اللغوي أمر مهم ومطلوب، لكن الخوف الحقيقي من طبيعة علاقتنا مع لغتنا الأم فالجيل الحالي يدرك أنّ اللغة العربية قوية بتاريخها وثرائها وقدرتها على التجدد، لكنها تحتاج إلى حضور أقوى في البيت والمدرسة والإعلام والمنصات الرقمية. إن حماية العربية التي هي جزء من كيان ووجود وهوية أصحابها لا يكون بالشعارات، بل بجعلها لغة حياة ومعرفة وجمال. علينا أن نقدمها للجيل الجديد بعيداً عن الترهيب والتعقيد، وأن نربطها بالفن، والقصة، والموسيقى، والمسرح، والمحتوى الرقمي الجذاب. كما يجب أن تكون العربية حاضرة في العلوم والبحث والإبداع، لا أن تُحصر في المناسبات الرسمية، حينها سيحب الشباب لغته فيشعر أنها تعبّر عنه، وتواكب أسئلته، وتمنحه مساحة للتفكير والإبداع. 

بمناسبة يوم المرأة، ما هي رسالتك لكل شابة إماراتية ترغب بإثبات نفسها في مجال حيوي؟

إثبات الذات لا يأتي دفعة واحدة، ولا يمكن تقديمه بصورة واحدة، كل إمرأة هي مهمة بقيمتها ومكانتها في أي وظيفة تمارسها، سواء كمربية أجيال أو موظفة أو مسؤولة، القيمة الحقيقية للإنسان تكمن بما يضيفه لذاته ولمجتمعه. دولة الإمارات منحت المرأة فرصاً واسعة في التعليم والعمل والقيادة والإبداع والتمكين، والمسؤولية اليوم أن تحوّل الشابة هذه الفرص إلى إنجاز حقيقي. 

أقول لكل امرأة: لا تنتظري أن يكون الطريق سهلاً، بادري من الآن فالمهم أن تملكي هدفاً واضحاً، وأن تطوري أدواتك، وأن تتعلمي باستمرار، ولا تركني للمقارنات، فالمقارنة الأجدر يجب أن تكون مع ذاتك لكي تصيري نسخة أفضل من مرحلة سابقة، واعرفي أن الأثر الحقيقي لا تصنعه الرغبة في الظهور، بل تصنعه الجودة، والأخلاق، والاستمرارية والمسؤولية . 

ما هو أكثر إنجاز تفخرين أنك حققته على الساحة الأدبية الإماراتية؟ 

أفخر بكل محطة منحتني فرصة لخدمة الأدب الإماراتي  والذاكرة الأدبية الوطنية، وأعمل جهدي في تعزيز شخصية الناقد الإماراتي في المحافل الثقافية على المستوى المحلي والعربي والعالمي، وأعتز على نحو خاص بمشروعي النقدي الذي أعمل عليه لتوثيق وقراءة الأدب الإماراتي، شعراً وسرداً، من خلال الكتب والأبحاث والدراسات التي تناولت تحولات هذا الأدب ومكانته.  كما أعتز بالجوائز التي حصلت عليها، وبالثقة التي منحت لي في لجان تحكيم أدبية وثقافية مهمة، لأنها تعكس تقديراً لمسار طويل من العمل. لكن الإنجاز الأعمق بالنسبة لي هو أن أرى جهدي النقدي يسهم في لفت الانتباه إلى قيمة الأدب الإماراتي، وأن يصبح جزءاً من الحوار الثقافي.

اقرئي المزيد: حمدة القبيسي: هدفي إظهار ما يمكن أن تحققه الإماراتيات في رياضة السيارات من إنجازات عالمية

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram