لطالما استهوتني الحركة منذ أن كنت صغيرة، أحببت الرقص ومارسته لسنوات، ولكنني مع الوقت أحسست أنّ في هذا المجال بعض الظلم. فأنا يمكن أن أتدرب لوقت طويل وأتعب وأتأمّل بنتيجة عالية، إنما وبسبب شريك غير متمرس، أو بسبب ذوق الشخص الذي سيحكم على أدائي في مسابقة الرقص، يمكن أن أخسر ليذهب كل تعبي سدى. هذا الأمر سبّب لي ضغطاً لم أرغب باستمراره، وفي الوقت نفسه احتجت إلى نشاط جسدي ينسّيني متاعبي ولاسيما أنني كنت أمر بفترة نفسية صعبة، فتوجّهت نحو الرياضة.
وجدت نفسي في مجال فنون القتال وتحولت نحو"جوجوتسو" وأحببتها سريعاً، فهي سمحت لي بالتحرك والتفكير معاً، وأنا أؤمن كثيراً بأهمية الحركة، فهي تؤثر على الهرمونات وإطلاق الدوبامين، وما يعنيه من إمكانية الدخول في دوامات الإحباط والكآبة، كما أنّها أساسية لصحة وعافية الجسم. بدأت بالتدرب وتعلمت القتال الأرضي وركزت على "جوجوتسو" بعد تشجيع من زوجي الذي كان يمارسها، وبعد 6 شهور من التمرن خضت أول بطولة. أحببت مبدأ هذه الرياضة كثيراً: أنّ الشخص الأصغر وليس بالضرورة الأقوى، يمكن أن يتغلب على شخص أقوى وأكبر منه بالتكتيك وباستخدام التقنية المناسبة، كما أعطتني ثقة بنفسي وبقوتي وبقدرتي على الدفاع عن نفسي أمام شخص أقوى منّي.
في هذه الرياضة، العامل الفكري مهم جداً، فليس المهم فقط الحركات التي نتعلّمها، بل هي لعبة متكاملة بمثابة الشطرنج للجسم. ففي كل حركة تكتيك وتنظيم للسيطرة أولاً على النفس، وثانياً على الشخص الذي يقف مقابلك، وهذا ما يحمّسني ويدفعني إلى حب هذه الرياضة والتفاني في أدائها.
في "جوجوتسو"، التحضير النفسي لا يقل أهمية عن التحضير الجسدي، فقبل شهر من البطولة، أقرأ كتباً وأسمع بودكاست لتعزيز التركيز والتفكير الصحيح والثقة بالنفس، لكي أحضّر عقلي الباطني للصعوبة المقبلة، وقبل البطولة بأسبوع، أزيد من كثافة تجهيزاتي، وقبل يوم، أتكلّم مع نفسي بطريقة إيجابية كي أدخل بثقة كبيرة نحو المنافسة.
حين بدأت الرياضة، كان الربح هو الهدف من مشاركاتي، فقد كان مرتبطاً بتحقيق ذاتي وإحساسي بالقوة والإنجاز. ولكن اليوم بدأت أفهم أن الربح ليس كل شيء، فهو لا يحدد قيمتي وإمكانياتي، بات تركيزي منصبّاً على الأداء، وكيفية تحقيق الربح. هل أتميّز خلال المباريات؟ هل أفخر بأدائي وتركيزي وحضوري الذهني؟ هذه الإجابات هي أكثر ما يعنيني، بغض النظر عن النتيجة النهائية.
لا تعنيني الشهرة بل أحب أن أؤثّر إيجاباً على الشابات العربيات حتى تزيد ثقتهنّ بأنفسهنّ، فأحمسهنّ على ممارسة رياضة الجوجوتسو، حتى يحققن إنجازات مهمة للذات وللمجتمع والبلد الذي ينتمين إليه.
مجتمعاتنا العربية لا تزال في بداية طريق دعم وجود النساء في مختلف القطاعات الرياضية. فالتطور بطيء، ونحن نحتاج إلى نساء يدعمن غيرهنّ، ولاسيما في مجال فنون القتال، فأنا لو لم أحصل على مساعدة ودعم من زوجي لما تمكنت من تحقيق ما وصلت إليه: أن أمثل المنتخب الوطني الأردني في رياضة الجوجوتسو، وأفوز بميداليات وأحقق المركز الأول في التصنيف الجديد لأبطال العالم الذي أعلنه اتحاد الجوجوتسو العالمي عام 2020. لذا أسعى أن يكون طريق غيري من الفتيات أسهل من طريقي، لتتحقق المساواة في دعم النساء والرجال لخوض مختلف أنواع الرياضات والفوز ببطولات ومنافسات عالمية.
لذا فإن رسالتي الأولى ستكون لزوجي، وهو داعمي الأكبر، فأنا محظوظة وممتنة لدوره في حياتي ولمساعدته، ورسالتي التالية هي للرجال، لتشجيعهم على دعم الشريكة وتمكينها لكي تكون منتجة وما يلي ذلك من أن تكون الأسرة مستقرة وسعيدة.
وأخيراً رسالتي لذاتي: استمرّي بكل شغف في تقسيم وقتكِ بين كل مسؤولياتكِ، وتابعي السعي خلف طموحك، ولا تقصّري بحق نفسك أو زوجك أو أسرتكِ أو واجباتكِ وتدريباتكِ، ما تقومين به ليس سهلاً ولكن رغبتكِ بمساعدة ودعم غيرك من السيدات وأن تصيري مثالاً أعلى لهنّ في رياضة الجوجوتسو هي رغبة سامية ومهمّة جداً، علّك تفتحين أبواباً كانت مغلقة أمام الأجيال القادمة وتلهمي غيركِ من خلال مسيرتكِ الحافلة.
يارا قاقيش
اقرئي المزيد: عهد العمودي: كل عمل فني أقدمه هو رحلة بديعة من التطور والتواصل