تُعدّ الهوية والقيم والإبداع عناصر أساسية توجّه خيارات الجيل زد في الشراء ونمط الحياة. فهذا الجيل، الذي نشأ كلّه في قلب العالم الرقمي، يتميّز بوعي اجتماعي عالٍ، وفكر مستقل، وحسّ بيئي متقدّم، ما جعله واحداً من أكثر الأجيال تأثيراً وحضوراً في المشهد المعاصر. وفي ظلّ هذا التشابك بين التكنولوجيا والتحوّلات الاجتماعية، باتت قيم هذا الجيل تنعكس بوضوح على طريقة تعامله مع الموضة وأسلوب الحياة، حيث يجد في المزج بين المنصّات الرقمية والتجارب الواقعية وسيلة للتعبير عن الذات وتأكيد الهوية. واليوم، تبرز ظاهرة لافتة في سلوك التسوّق لدى هذا الجيل، وهو التوجّه المتزايد نحو الأزياء الفينتج. ورغم أنّ هذه الثقافة لمِع نجمها في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بوصفها تعبيراً عن التفرّد والتمرّد على الإنتاج الضخم، فإنّ الجيل زد هو الجيل الذي أعاد إحياءها وتطويرها، لينقلها من دائرة الهواية الضيّقة إلى فضاء أوسع يمثّل اتجاهاً ثقافياً متكاملاً. ويأتي هذا التحوّل مدفوعاً بعوامل محورية، أبرزها الوعي المناخي، والرغبة في الحدّ من الاستهلاك المفرط، والسعي إلى بناء هوية شخصية لا تُقيّدها صيحات عابرة.


ولم يعد الفينتج يُنظر إليه كمرادف للملابس القديمة، بل كمساحة للتفرّد، ووسيلة لامتلاك قطعة تحمل في تفاصيلها حكاية الماضي ودفء النوستالجيا. ومع دخول مفهوم تسوّق المنتجات المستعمَلة إلى عالم الفخامة، بات بالإمكان الحصول على قطع مصمّمين كبار عبر منصّات موثوقة مثل Vestiaire Collective و The RealReal، إلى جانب قسم القطع “Pre-Owned” المستعملة على منصة Farfetch، ما يتيح للمتسوّقين امتلاك قطع نادرة، متوقّف إنتاجها أو يصعب العثور عليها. ومع تسارع التغيّرات في عالم الموضة، بدأت فكرة الالتزام الأعمى باتجاهات محدّدة تفقد بريقها لدى الأجيال الصاعدة، ليحلّ مكانها مفهوم الخزانة المتجدّدة التي تتجاوز الوقت، وتنسجم مع مبادئ الاستدامة من خلال الموضة الدائرية. وقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تعزيز هذا التوجّه، إذ حوّلت منصّات مثل TikTok وInstagramالموضة المستعملة إلى مساحة إبداعية نابضة بالحياة، تُعرض فيها الاكتشافات الفينتج بأسلوب شخصي يبتعد عن تكرار الموضة السريعة ورتابتها. وفي مقابل الاندفاع وراء ما هو رائج، يتمسّك الجيل زد بالتعبير الحرّ عن الذات، ويستثمر في قطع تحمل بصمة الحرفية الأصيلة، وإرثاً غنياً، وجودة عالية، ما أتاح له وصل الماضي بالحاضر في تمازجٍ جميل تتجلّى فيه جماليات العصور المختلفة عبر هذه القطع الفريدة. ومع هذا التحوّل الثقافي، أصبح للفينتج دور جوهري في تعزيز الاستدامة، فإعادة الاستخدام تُطيل عمر القطعة وتحدّ من الحاجة إلى الإنتاج الجديد، مع الحفاظ على فرادتها وتميّزها.


وبالدخول أكثر إلى عالم وسائل التواصل الاجتماعي، تبرز المؤثّرة Leen Nizameddin في الشرق الأوسط كإحدى أبرز عاشقات تسوّق المنتجات المستعمَلة، إذ نشأت في بيئة تُولي الاستدامة اهتماماً كبيراً جعلها جزءاً من أسلوب حياة كامل. وفي مسيرتها نحو تبنّي الاستدامة، تؤمن Leen بقيمة تسوّق الفينتج لما يحمله من أثر بيئي إيجابي، إضافةً إلى إتاحته الفرصة لاقتناء قطع فريدة تُكرّس هوية شخصية لا تخضع لسيطرة الصيحات. وتمنح Leen أهمية بالغة للشفافية عند شراء القطع المستعمَلة، مركّزةً على اختيار المواد مثل القطن العضوي والبوليستر المعاد تدويره والـ Tencel، إضافةً إلى شهادات موثوقة مثل Global Organic Textile Standard و Fair Trade.
ومع تنامي ثقافة التخصيص واعتماد مفهوم إعادة التدوير للأفضل بالتعاون مع الخيّاطين المحليين وتعديل القطع الموجودة مسبقاً، أصبح جيل زد المحرّك الأساسي لانتشار فعاليات تبادل الملابس، حيث يتبادل الأفراد قطعاً لم يعودوا بحاجة إليها بدلاً من شراء أخرى جديدة، ما يُطيل دورة حياة القطعة الواحدة. وترى Leen أنّ عشقها للقطع الفينتج يشبه امتلاك «قطعة من تاريخ الموضة» تحمل طابعاً وذكريات لا يمكن للقطع الجديدة أن تمنحها. ومن بين القطع الأقرب إلى قلبها: حقيبة Vintage Dior Saddle، وحقيبة Fendi Baguette المرصّعة بالترتر، إضافةً إلى مجموعات التسعينيات وبداية الألفية (Y2K) التي تتميّز بالطبعات القوية والقصّات الضيّقة، كما قدّمها مصمّمون مثل Jean Paul Gaultier و Roberto Cavalli و Gabbana &Dolce .

وفي ظلّ النموّ السريع الذي يشهده مشهد الموضة في الشرق الأوسط، أطلقت رائدة الأعمال المقيمة في الإمارات Mary Abi Chahine منصّة WAYVE الإلكترونية، التي تُعدّ وجهة مخصّصة للموضة الفاخرة الأخلاقية والمعاصرة. وتضمّ المنصّة مجموعة مختارة من التصاميم العصرية التي تأتي من علامات تتبنّى مبادئ الاستدامة والسرد القصصي والحرفية، حيث تحتفي هذه العلامات المستقلة والناشئة بقيم تضيف إلى الموضة معنى وخلوداً وفنّاً. وترتكز رؤية المنصّة على دعم المصمّمين المستدامين والجيل الجديد من المستهلكين الواعين في الإمارات ومنطقة الخليج، لتُشكّل بداية عهد جديد من الموضة القائمة على الهوية والتعبير عن الذات.
وترى Mary أنّ تعريف المنتج المستدام ينبني على ثلاثة محاور: الاجتماعي والاقتصادي والبيئي، إذ يُساهم كل محور منها في تعزيز جوهر الاستدامة، أي الحفاظ على الموارد وتقديم الأولوية للخلود على حساب الصيحات العابرة، سواء كانت القطعة فينتج أو معاد تصميمها أو مصنوعة من مواد صديقة للبيئة مدعومة بشهادات رسمية تضمن الشفافية والتتبّع.

وتؤمن Mary بأنّ مستقبل الاستدامة في الموضة سيزداد قوّة مع الأجيال الصاعدة، لأنّ الشباب أصبحوا أكثر وعياً واهتماماً بتأثير خياراتهم، إضافةً إلى ندرة الموارد الطبيعية، ما سيحوّل الاستدامة تدريجياً من خيار إلى ضرورة. ومن القطع المفضّلة لديها: سترة من الثمانينيات بأكتاف عريضة ونقشة فريدة ورثتها عن والدتها، قطعة عالية الجودة لم تعد موجودة في السوق وتبقى اليوم بالقدر نفسه من الجاذبية كما كانت قبل 40 عاماً. كما تشير إلى جمال حقيبة Dior Saddle من عرض John Galliano عام 2002، التي تُعدّ مثالاً مثالياً لعاشقات الفخامة الباحثات عن قطعة فينتج أيقونية.
ومع تغيّر مفهوم الفخامة لدى الأجيال الجديدة، لم يعد الجديد حصراً هو المعيار. فاليوم ترتبط الفخامة بالجودة، والارتباط بقِصّة، والندرة، وهي عناصر تعزّز الهوية الفردية والتعبير عن الذات. وباتت الأخلاقيات والحرفيّة والاستدامة من أبرز محرّكات القرار الشرائي، ما أعاد إحياء عالم الفينتج ورسّخ الحاجة إلى الشفافية لدى العلامات الناشئة والراسخة على حدّ سواء. ففي عالم الفينتج، ينخفض الطلب على الإنتاج الجديد، وتُطال دورة حياة المنتج، وتُعزَّز الموضة الدائرية. وهكذا، يُعيد الجيل زد صياغة مفهوم المكانة الاجتماعية، ليعتبر أنّ الخيار المستدام هو فخامة بحدّ ذاته.
اقرئي المزيد: 2025: أبرز اتجاهات العافية… الماتشا والبيلاتس وما بينهما
















