أنيتا برشة: أضع شيئاً من روحي في صوري وأخبر قصص المجتمع

تبدو الأردن بعدستها أجمل، وكأنّها شابة ترتدي زياً جديداً لأنّها تعرف أنّها ستكون محور اهتمام مصورة شديدة الموهبة ستظهر أروع ما فيها وتلتقط روحها الحقيقية، هي المصورة أنيتا برشة التي برعت بالتقاط الجمال في المدن والمناطق والشوارع التي زارتها وتحديداً في بلدها. فكيف بدأ اهتمامها بالتصوير وتطورت مهاراتها فيه لتذهل صورها أعين من يراها؟

كيف بدأ اهتمامكِ بالتصوير ولماذا قررتِ ترك الهندسة والتفرغ لالتقاط الصور؟

التصوير كان هواية خلال سنوات كثيرة في حياتي، فأنا ليس لديّ أي خلفية تعليمية عنه، بل درست الهندسة الصناعية وعملت لبعض الوقت في هذا المجال ولكنني لم أشعر أنني في مكاني، بل كنت تعيسة وغير راضية، وأحسست بالضياع لفترة، ولكن ما ساعدني هو أنني كنت أحب مجال التصوير والأفلام وأجد راحتي في متابعة أجدد الإصدارات. مع بحثي الدائم عن شغفي الحقيقي، استفدت من الأسفار التي كنت أقوم بها حيث زرت ألمانيا لمدة سنة ونصف، واكتشفت حين كنت خارج الأردن أنّ الناس في أوروبا وهي من أجمل القارات وتضم أروع المدن، لم تعد ترى الجمال في ما حولها لأنّها ببساطة اعتادت عليه. وجدت أنني مثلهم تماماً فأنا لأنني اعتدت على كل ما يحيط بي في وطني لم أعد أستمتع بجماله، لذا حين عدت إلى عمّان صرت أرى محيطي بطريقة مختلفة، وهكذا بدأت بالتصوير، كما أنني رغبت أن أغيّر النظرة المغلوطة عن بلدي، ولا سيما العاصمة عمّان، وهي أنّها ليست جميلة، فحتى أبناء البلد أنفسهم يعتقدون ذلك، وقررت أن أبيّن لنفسي ولهم أنّها جميلة جداً ولكننا للأسف لا نأخذ الوقت الكافي لرؤية وتقدير الجمال المحيط بنا. ركّزت على مناطق قديمة وغير معروفة كثيراً مثل الأشرفية وجبل التاج، فهي مليئة بالتلال حيث تظهر طبقات المدينة المكتظة، مع غروب الشمس والعصافير في الأفق وزحمة الناس في الأسواق... صورة ممتعة عن الحياة والحركة والصخب والمدينة بشكلها التقليدي. أردت أن أعكس هذه الثقافة التي تميزنا والخصوصية التي لا يشعر أغلبنا بأهميتها، والتي أراها تمثلني بشكل كبير على الرغم من أنني لست أردنية مئة في المئة، فوالدي فلسطيني الأصل ولكنه تربّى في الأردن بينما أمي من تركيا وقد تركتها وقصدت لبنان وعاشت فترة فيه، لذا أراني مزيجاً من هذه الخلفيات التي خولتني خلق شخصية أو فلنقل هوية خاصة تميّزني.

كيف طورتِ نفسكِ واكتسبتِ القدرة على التقاط صور مؤثرة وذات رسالة قوية؟

بدأت بمشاركة صوري التي التقطها من خلال كاميرا الهاتف عبر إنستغرام، وكنت أهتم بالتعليق الذي أضعه معها لأنني أرغب أن أوصل رسالة من خلال صوري، وبدأ الناس بالتفاعل مع محتواي وزاد عدد متابعي صفحتي anitabursheh@ وجذبت انتباه المنتجين وصناع الأفلام فصرت أعمل معهم، كما شاركت في مجال الإنتاج وكنت منتجة لمدة أربع سنوات. أنا أضع جزءاً من روحي ومشاعري وآرائي في صوري، لا أكتفي بالمشهد المؤثر بل أسعى لطرح القصة من ورائه، فالناس بشكل عام تحب القصص والتماهي مع التفاصيل التي تحصل عليها من خلال الشروح.

قررتِ التركيز على جمال بلدكِ وهذا أمر إيجابي، ولكن ألا تسعين أيضاً لرفع الصوت من خلال صوركِ ضد الأمور التي لا تعجبكِ في المجتمع الأردني أو حولكِ بشكل عام؟

بالطبع أصوّر الإيجابي والسلبي، فأنا أقوم بالتصوير الصحافي أيضاً وأتابع الأحداث التي تجري حولي من تظاهرات أو احتجاجات وعنف منزلي، ولكنني لا أنشر هذه الصور عبر إنستغرام بل أضعها على الموقع الالكتروني الخاص بي. اليوم الصورة مهمّة جداً في نقل الحقائق ولكنّها أيضاً يمكن أن تشوّه الواقع وبالتالي يجب أن يكون الوعي المجتمعي كبير جداً بدورها وبإمكانية تعديلها وعدم عكسها للواقع الحقيقي.

كيف تساهم التفاصيل الصغيرة في بناء فكرة صورة متكاملة وقوية؟

أنا أشدد كثيراً على كل تفصيل في صوري ومحتواي ورسائلي، أحب مثلاً العصافير وأظهرها بشكل كبير، كما أشدد على القصص وعلى إظهار أشكال الحياة اليومية: حركات الناس في الشوارع، الشتاء المتساقط على الأبنية، البضائع في الأسواق، الأطفال الذين يلهون على الأرصفة... هذه التفاصيل تخوّلني توثيق هوية المدينة، وللأسف لا يوجد الكثير من التوثيق عن عمّان، وعن شكل الحياة فيها منذ سنين وحتى اليوم، ومن هنا أرغب كثيراً بالقيام بذلك من خلال صوري، فأرصد طريقة اللباس والتصرف وتطور الهوية بشكل عام.

كيف تحصلين على الوحي لالتقاط صور بروح جديدة؟

لديّ أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات، وهي تكون في الصور. أحياناً تكون أماكن زرتها في السابق وكنت أستمتع بالتواجد فيها ولكنني لا أعرف كيف أصبحت اليوم، فأذهب إليها وأكتشف تغيّرها. أرى الحمام مثلاً وهو جزء من ثقافتنا، فأصوره وأرغب في معرفة المزيد عنه وعن "كشيش الحمام" وهو منتشر بكثرة في الأردن، وكيف يعيش حياته وتفاصيل مهنته، ومن هنا أستمد الوحي لصور جديدة، وفي أحيان أخرى أتجه إلى مكان أحبه وأصوّر أي شيء يلفتني، كما أنّ السفر يعطيني مادة ثرية للتصوير، والأحداث الحاصلة على الساحة السياسية حالياً ولا سيما التظاهرات الداعمة لفلسطين، حيث أريد من خلال صوري عنها أن أعكس حقيقة ما يجري في الشارع الأردني.

هل تشعرين بوجود دعم للمصورين في الأردن؟

بشكل عام، فإنّ الفنون في بلاد الشام لا تؤخذ على محمل الجد ولا تلقى الدعم الكافي، وهذا أمر مؤسف ليس فقط لي كمصورة بل لكل العاملين في هذا المجال، فالفن عموماً يساهم في نهضة البلاد ويبني الأمم الناجحة، وهو ليس أمراً ثانوياً في الحياة بل أساسي للتطور. أجد أنّ على كل فنان أو مصوّر أن يطور نفسه ويفرض رؤيته وموهبته في الساحة المحيطة به، فأنا لا أنتظر الدعم من أحد بل أخطط وأطور نفسي وأجتهد لأحصل على كل الفرص التي أستحقّها. هنا لا أنكر أهمية الدعم وتأثيره في تسليط أضواء أكبر على المصور ولكنني أدعو للعمل أولاً، وقد حصلت على دعم كبير من وزارة الثقافة حين قدمت معرضي الأول وكان الحضور والتفاعل كبيران ووصلت أصداءه إلى مختلف أرجاء البلد.

ما هي الصورة الأكثر قرباً إليكِ وتأثيراً فيك؟

هي صورة حول فلسطين لشاب يقف بطريقة محزنة جداً وكأنّه متعب ومحطّم من هول ما يحصل، يطل على جبال عمّان واضعاً الكوفية، وأمامه تطير العصافير بينما تحته يوجد مظاهرة في التلة السفلية. تبدو الصورة معبرة جداً فهو لا يراني بل يقف وحيداً ليعبّر عن حزنه وغضبه، بينما أنا أراه واستطعت التقاط مشاعره ووضعها في السياق العام لكل ما يحصل. إنّها لحظة مؤثّرة ولن تتكرر وهنا بالظبط يكمن جمال عملي كمصورة.

هل ستستمرين بمجال تصوير البلدان فحسب أم سنراكِ توسّعين اهتمامكِ نحو مجالات تصوير أخرى؟

أنا أقدّم بالفعل جلسات تصوير تجارية وأخرى تتعلق بالموضة والأزياء كما أقوم بجلسات تصوير هندسية، ولكنني لا أنشر الكثير من أعمالي هذه عبر إنستغرام، فأخصص صفحتي بمعظمها لصور بلدي وبلدان زرتها والتقطت جمال مناطقها من خلال عدستي، وبالتالي فأنا لا أحدّ نفسي في مجال واحد أبداً، بل أحب التقاط الصور الجميلة والمعبرة. 

اقرئي المزيد: ملك قباني: عملي في التصوير يهدف إلى توثيق تطور الموضة وتنوعها

 
شارك