حبّ الحياة وإرادة العيش أقوى من كلّ كارثة

مفاجآت الحياة لا تنتهي، حتّى أنّها تخبّئ لنا أحياناً ما لا نتوقّعه. وفيما تُرزحنا بعض هذه المفاجآت تحت أثقال كثيرة، دائماً ما ننجح في إيجاد منارة الأمل في آخر النفق المظلم. وهذا تماماً ما سيحدث مع كل بيروتيّ وكل لبناني تأثّر بإنفجار مرفأ بيروت يوم 4 أغسطس 2020. فمع 3 خبراء متخصّصين، نتعلّم اليوم كيف نستطيع استرداد القوّة لإكمال الحياة بعد التعرّض لأي أزمة وكيف نستطيع أن نغلّب حب الحياة وإرادة العيش على الاستسلام والضعف.

قد نعجز أحياناً عن استجماع قوّتنا للمشي قدماً والعودة من جديد إلى مسار الحياة بعد حادثة أو تجربة سيّئة نتعرّض لها. ولكن، أمر أساسي أن نعلم أنّ الحياة لا تنتهي عند محطّة واحدة بل هي سلسلة محطّات يتوقّف القطار عندها. ولندرك كيف يمكننا فعلاً التسلّح نفسياً وعقلياً وجسدياً بإرادة العيش من جديد، استشرنا 3 متخصّصات يعملن على أرض الواقع في المدينة المنكوبة بيروت، وهنّ:

- لور شيفالييه، معالجة نفسية حركية ومدرّبة يوغا ومعالجة بعلم الطاقة Pranic Healing

- نور العلي، معالجة نفسية حركية

- بولين بريس، معالجة نفسية حركية ومدرّبة على التوجيه الأسري على أساس النهج النظامي

كيف نتعافى ذهنياً وجسدياً بعد الصدمة؟

لور: «تكشف الأحداث الصادمة عن مكامن الضعف لدى الإنسان، ما ينعكس في ضغوطات نفسية شديدة تطال أحياناً من راقب الحدث من بعيد من دون أن يتأثّر به بشكل مباشر. ولكن، ثمة خطوات إيجابية يمكن اتّخاذها للاهتمام بالصحّة الجسدية والعقلية. في البداية، تذكّري أنّك تحتاجين إلى تلبية احتياجاتك الجسدية كمعالجة الإصابات الناتجة عن الحادثة مثلاً أو الاستمرار في تناول الأدوية للأمراض المزمنة التي قد تعانيننها كالسكري. وأمر أساسي أيضاً أن تحصلي على قسط كاف من النوم وتتدرّبي يومياً وتشربي الكثير من الماء وتتناولي أطعمة صحية. وليشفى جسمك، يحتاج إلى الراحة والتغذية.

لور شيفالييه

بالإضافة إلى ذلك، ابتعدي قليلاً عن الأحداث السلبية من حولك وخذي استراحة من الأخبار ومواقع التواصل الاجتماعي لتحدّي من توتّرك. ولا بدّ من القول أيضاً إنّ التحدّث عن الصدمة يساعد في تقليل الحزن حتّى ولو لم يكن ذلك سهلاً في البدء. فالخطوة هذه تساعدك على إدراك اهتمام الآخرين بمشاعرك. ويعني هذا أيضاً ألّا تبتعدي عن أسرتك وأصدقائك لأنّ قضاء الوقت معهم يقوّيك ويدعمك. ومن الخطوات التي تستطيعين القيام بها أيضاً، توجيه طاقتك نحو أمور إيجابية والعودة إلى عاداتك الروتينية تدريجياً كما والقيام بأنشطة مهدّئة».

كيف نشعر من جديد برغبة في استعادة نشاطنا؟

نور: «في كثير من الأحيان، يعيش الإنسان في أجواء توتّر بسبب أزمة اقتصادية مثلاً أو مشاكل في العمل أو سواهما. لذلك، من الضروري التحلّي بالصبر تجاه أنفسنا، بخاصّة حين نتعلّم العيش من جديد بطريقة مختلفة. ولو شعرت بأي من العوارض الآتية: المزاج السلبي، التفكير السلبي، نقص التركيز والابتعاد عن ممارسة الأنشطة، تجنّب التفكير في الصدمة والتحدّث عنها، صعوبة في النوم وأحلام مزعجة، الحذر المستمرّ، أنصحك بطلب المساعدة من أخصائيّة نفسية. ولا تشعري بالخجل من طلب مساعدة متخصّصة. وكوني مدركة دائماً للتغيّرات العاطفية التي تمرّين بها وتحلّي بالإيجابية وركّزي على نقاط القوّة فيك. وأنصحك أيضاً بقضاء بعض الوقت في الطبيعة، لتعزّزي الترابط والتناغم مع نفسك».

نور العلي

كيف نعيد إلى الجسم قوّته بعد الإصابات؟

لور: «تحتاجين أوّلاً إلى إعادة التواصل مع جسمك. فبدلاً من تناسي أجزاء الجسم المؤلمة وعدم التفكير فيها، خذي بعض الوقت لتحسّس جروحاتك. وحاولي قدر الإمكان الحفاظ على نشاط الأجزاء المتضرّرة فيك، فلا تزداد حالتها سوءاً بسبب نقص الحركة. وأدخلي النشاط باستمرار إلى روتينك اليومي وأنصحك بتعزيز هذا النشاط في الفترة الصباحية لتشعري بمزيد من القوة. ويمكنك اللجوء أيضاً إلى مساعدة متخصّصة مع معالجة فيزيائية أو معالجة نفسية حركية أو حتّى معالجة نفسية».

كيف نعيد إلى الأطفال نشاطهم بعد الصدمة؟

بولين: «لا بدّ من تعزيز شعور الأطفال بالأمان وإحاطتهم بالحبّ، ويكون ذلك من خلال اتّباع بعض العادات الروتينية وتصرّف الأهل كما يتوقّع صغارهم. ولا بدّ أيضاً من تحديد العناصر التي تذكّر الصغير بالصدمة، فيتمّ تجنّبها مع إبعادهم عن الأخبار والمستجدّات. وعلى الأهل أن يفهموا سلوك أطفالهم، بخاصّة إن تبدّل بعض الصدمة وترافق بصعوبة التركيز أو قدرة أقلّ على التعبير أو تغيُّر في العادات الغذائية أو الشعور بالحزن المستمرّ. وفي هذه الحالة، يكون التحدّث مع الولد ضرورياً كما والاستماع إليه وإلى مشاعره. شجّعي ولدك على البوح بمشاعره وأكّدي له أنّ أحاسيسه هذه طبيعيّة بعد الصدمة. وأنصحك أيضاً بتشجيع طفلك على القيام بأنشطة مهدّئة كالاستماع إلى الموسيقى والتلوين وتدوين المشاعر على كتيّب خاص كما وعلى التركيز على الأمور الإيجابية في حياته».

بولين بريس

على أرض الواقع: بيروت التحديات والصعوبات في المدينة المنكوبة

بولين: «بعد الإنفجار، وحين سارعنا إلى مساعدة الناس في تنظيف الزجاج المكسور والأبواب المحطّمة، صدمنا لرؤية المسنّين بمفردهم وهم محاطين بالدمار الهائل. وأدركنا حينها أنّهم يحتاجون إلى مساعدة ودعم مستمرّين، أوّلاً من خلال تأمين حاجاتهم الأساسية من مسكن ومأكل ودواء وثانياً من خلال دعمهم على الصعيد المعنوي والعاطفي لأنّ تخطّي المرحلة هذه ليس بالأمر السهل».

نور: «ولهذه الغاية، أطلقنا نحن الثلاثة مبادرة «زوروني» ودعونا المتطوّعين الآخرين لتشكيل فريق دعم والقيام بزيارات أسبوعيّة منتظمة وقضاء وقت ممتع مع المسنّين. فبعد توفير الحاجات الأساسية، نسعى إلى اقتراح أنشطة تمكينية لإعادة بناء ثقة المسنّين بأنفسهم ومساعدتهم على استرجاع قيمتهم لذاتهم. ونحن ندرك في المقابل أنّنا سنتعلّم الكثير منهم بفضل حكمتهم وخبرتهم وقدرتهم على الصمود والمضي قدماً».

 

 
العلامات: صحة نفسية
شارك