نعرف في الكثير من الأحيان الصفات السيّئة في شخصيّتنا ونحاول تغييرها لكي نحصل على حياة أفضل وعلاقات أنجح، لكنّنا غالباً ما لا نتمكّن من ذلك والسبب اعتيادنا على التصرّف بهذه الطريقة لفترة طويلة أو مرورنا بتجارب صعبة حوّلت شخصيّتنا في اتجاه لا نستسيغه كثيراً. ومن بين الصفات التي تزعجنا وترهق من حولنا، صفة العناد والتمسّك برأي واحد حتى لو ثبت بالدليل أنّه خاطئ.
حولك في كلّ مكان
إذا أمعنت التفكير قليلاً، سترين أنّك تعرفين في محيطك شخصاً عنيداً، ربما هو رفيقتك في العمل أو جارتك أو شخص من أقاربك، ولعلّك ستتذكّرين أنّ عناده سبّب له ولمن حوله الكثير من المشاكل، وأنّك اعتبرت عناده أمراً سيّئاً في شخصيّته وأشفقت على من يتعاملون معه طوال الوقت ويتحمّلون مواقفه المتطرّفة وغير القابلة للتغيير أو التزحزح. فكيف الحال لو كان هذا الشخص في عائلتك، وماذا لو تسبّب عناده بمشاكل وخسارات ضخمة له ولمن حوله؟ وهل يوجد طريقة للتخلّص من هذه الصفة حين تزيد عن الحد؟
المواجهة المصيريّة
حين نواجه طبعاً سيّئاً في شخصيّتنا، بإمكاننا على الأقل أن نحاول تغييره، أما إذا كان في أشخاص قريبين منّا ومؤثرين في حياتنا فهذا يعني أنّنا غير قادرين على التحكّم بتصرّفاتهم، ويعني أيضاً أنّنا قد نقع ضحيّة لهذا الطبع وفي هذه الحالة لعنادهم. السيدة هند (29 عاماً) واجهت موقفاً مماثلاً، وهي تقول: «وقع خلاف كبير بين زوجي وأبي في بداية تعارفنا، وتحديداً حين بدآ بالاتفاق على المهر، وتطوّر الأمر كثيراً بسبب عنادهما وعدم رغبة أيّ منهما في التخلّي عن موقفه، لكنّهما استطاعا تسوية الخلاف بعد تدخّل أفراد من الأسرتين، فقرّبوا بينهما قدر المستطاع وتمّ الزواج. المشكلة أنّ علاقتهما منذ ذلك الحين أي منذ 4 سنوات تقريباً باردة، وهما دائماً على أهبّة الاستعداد لافتعال مشكلة، وهذا الأمر يؤلمني كثيراً لأنّهما أعزّ شخصين على قلبي ولا أعرف كيف أساعدهما على تخطّي هذه الصفة السلبيّة في شخصيّتيهما».
حجم الخسائر
تكمل السيدة هند: «دفعت هذه الخلافات زوجي إلى الطلب مني أن أقلّل من عدد زياراتي إلى منزل أهلي، وهو من جهّته لا يزورهم إلا في الأعياد، وفي هذه المرات القليلة التي يتواجدا فيها معاً أكون كمن ينتظر حصول انفجار في أيّ لحظة. حاولت أن أقرّب بينهما على الأقل كي يرضياني، فهما أهم وأغلى رجلين في حياتي، لكنّ عنادهما لا يسمح لهما بتقدير مدى الخسائر التي يتسبّبان بها لي ولأولادي في المستقبل حين يرون أنّ والدهم وجدّهم على هذا القدر من التباعد والعناد!».
متسرّع وأناني
يعتبر علم النفس أنّ الشخص العنيد لا يملك قدراً كافياً من النضج الفكري، هذا لا يعني بالضرورة أنّه غير مثقّف أو غير منفتح أو واع، بل هو متسرّع وأناني وغير قادر على تقبّل فكر الآخر، يسارع في إطلاق الأحكام السلبيّة ويعتبر أنّ غالبيّة المواجهات التي تحصل هدفها تحدّيه والانتقاص من رأيه.
لا ترتبط هذه الصفة بسنّ معيّنة، فهي يمكن أن تظهر في مرحلة مبكرة من حياة الإنسان، لذلك نجد الكثير من الأطفال العنيدين، ويمكن أن تتطوّر وتزداد في حال توفّرت لها البيئة المناسبة، أي حصول أخطاء في التربية من قبل الأهل، وقد تختفي إذا سلك الفرد درباً سوياً ولم يواجه مشاكل في مراهقته وشبابه.
نوعان من العناد
من جهة ثانية، هناك أشكال متعدّدة من العناد، إذ يوجد الأشخاص الذين يتأفّفون طوال الوقت ويعترضون ولكنّهم يرضخون بعد فترة من الضغط فيلينون ويغيّرون موقفهم، وهناك أشخاص لا يتراجعون مهما حصل، حتى لو كلّفهم الأمر خسارة أناس مقرّبين أو أموال، فهم لا يعترفون بأنّهم مخطئون، ببساطة لأنّهم لا يرون أحداً غير أنفسهم، لذلك لا تزيدهم معارضة الآخرين لرأيهم سوى تشبّث أكثر بمواقفهم.
التسويات ضروريّة
عانت السيدة نجوى (34 عاماً) من عناد زوجها الشديد، وما زاد من خطورة الأمر أنّها تمتلك أيضاً شخصيّة عنيدة، فكيف استطاع الزوجان تخطّي هذه المشكلة؟ تقول السيدة الثلاثينيّة: «سبب إعجابي بزوجي في المقام الأول كان امتلاكه لآرائه الخاصة والمميّزة، وقدرته على إقناع الآخرين بها بسبب أسلوبه الشيّق والواثق في الكلام وثقافته الواسعة وأفكاره الجديدة والجريئة، لكن بعد سنوات من الزواج صار عناده يخنقني، فأنا أيضاً أمتلك أفكاري الخاصة ولا أرضخ بسهولة لرؤيته، وقد عانينا طويلاً قبل أن نتمكّن من الوصول إلى تسويات ترضينا معاً في غالبيّة الأحيان، ونجحنا لأنّنا نحترم ونحب بعضنا ونرغب في استمرار العلاقة».
الإصرار الإيجابي
في العادة تكون المرأة أكثر ميلاً للعناد من الرجل لأنّها عاطفيّة بدرجة أكبر، مع العلم أنّ العناد يمكن أن يكون مفيداً وإيجابياً، والدليل أنّ نساء كثيرات في العالم العربي استطعن بسبب العناد والإصرار أن يحقّقن طموحاتهنّ العلميّة والمهنيّة وأن يحصّلن حقوقهنّ ويتقدّمن وينجحن في مجتمعهن.
كيف السبيل إلى التخلّص من العناد؟
الإنسان هو سيّد نفسه وقادر على التحكّم بتصرّفاته لو أراد ذلك، ولمن يرغب فعلاً في التخلّص من عناده، نستعرض بعض النصائح المفيدة:
1 – عنادك يشير إلى أنّ لديك طاقة انفعاليّة كبيرة، يمكن الاستفادة منها في أمور أخرى غير المجادلة والاعتراض، وتطويعها وتوجيهها في اتجاهات مفيدة، كممارسة الرياضة مثلاً أو
هواية أخرى.
2 – التفكير الإيجابي والاقتناع الداخلي بأنّ التغيير أمر ممكن وقادر على اجتراح المعجزات، فما عليك إلا امتلاك الإرادة والرغبة.
3 – الحياة قصيرة جداً ولا تستحق أن نعيشها في حالة دفاع دائم، لذلك من المفيد توجيه اهتمامنا نحو الأمور الجميلة والإيجابيّة والاستماع إلى الآخر والتفكير جيداً قبل الاعتراض على ما يقوله، فربما لديه رؤية ستقنعنا وسنستفيد من معرفتها، ومع الوقت سيزداد انفتاحنا على الآخرين وسيتقلّص عنادنا ويختفي.















