الصحة

العناية بالذات والعافية: متى تتحوّل من نعمة إلى نقمة؟

العناية بالذات والعافية: متى تتحوّل من نعمة إلى نقمة؟

لا شكّ في أنّ العناية بالذات والعافية هما من الجوانب الحياتية التي أصبحت تكسب أهمية متزايدة يوماً بعد يوم.

لكن، مع كثرة ما نراه من منشورات ذات صلة على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، نتساءل: هل أصبحت العافية موضوعاً ثقيلاً ومتطلّباً بالنسبة إلينا؟ هل أصبحنا بحاجة إلى القيام بأمور كثيرة لتلبية التوقّعات من حولنا؟ هل نشعر أنّنا تحت ضغط للقيام بكل الخطوات المتعلّقة بالعافية، ليس من منظور العناية بأنفسنا، بل من منظور المقارنة مع الآخرين.

ونظراً إلى أهمية هذا الموضوع، تحدثنا مع Katrina Spartalis، الأخصائية في علم النفس ومؤسسة مركز Bloomfield Counselling & Psychology، حيث طرحنا عليها العديد من الأسئلة.

  • متى يتحوّل مفهوم العافية من كونه شكلاً من أشكال العناية بالذات إلى “واجب” مفروض علينا؟

يحدث هذا التحوّل عندما لا تعود العافية وسيلة تدعم حياتنا، وتتحوّل إلى مجالٍ آخر نقيّم فيه أنفسنا.

ففي أيامنا هذه، نسمع عن أمور كثيرة علينا القيام بها لتحقيق العافية، وأبرزها النوم لمدة 8 ساعات، وممارسة التمارين الرياضية، وتناول الطعام الصحي، وممارسة التأمّل، وتدوين اليوميات، والمشي لعدد معيّن من الخطوات، ووضع الحدود الشخصية، وتنظيم الجهاز العصبي، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الإنتاجية.

وبالنسبة إلى النساء تحديداً، قد يصبح هذا توقّعاً إضافياً يُضاف إلى قائمة طويلة بالفعل. فإلى جانب العمل، والعلاقات، والأسرة، ومسؤوليات الرعاية، والأدوار المتعدّدة التي قد تؤديها المرأة، عليها أيضاً الاعتناء بنفسها على أكمل وجه. وهكذا، يتحوّل ما كان من المفترض أن يخفّف الضغوط إلى مصدر إضافي لها.

ولذلك، نحتاج إلى العودة إلى المعنى الحقيقي للعناية بالذات، أي الاهتمام بالنفس. فالعناية لا تعني “التحسين الأمثل” أو السعي نحو الكمال، بل تنطوي على التعاطف، ومنح أنفسنا مساحة من اللطف، وإدراك حدودنا، وتقبّل حقيقة أنّنا لن نكون دائماً في أفضل حالاتنا، سواء على مستوى الشعور أو الأداء.

من المفيد التعامل مع نصائح العافية بمرونة أكبر، إذ يمكنها أن تكون بمثابة توجيه لنا، من دون أن تتحوّل إلى مجموعة من القواعد الصارمة التي نحاكم أنفسنا بناءً عليها.

  • كيف يؤثر التعرّض المستمر لمحتوى العافية وتحسين الذات على منصات التواصل الاجتماعي في تصوّر الشباب لما ينبغي أن تكون عليه الحياة الصحية؟

يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تشوّه مفهوم العافية، رغم أن العافية في حد ذاتها ليست هي المشكلة.

فهي قد ترسم صورة ضيقة للغاية ومصمّمة بعناية فائقة لما تبدو عليه الحياة الصحية: روتين صباحي مثالي، تمارين رياضية، وجبات متكاملة، مكملات غذائية، عناية بالبشرة، تأمل، ويوم حافل بالإنتاجية. نحن نرى السلوكيات، لكنّنا نادراً ما نرى ما يقف خلفها من وقت، أو مال، أو مرونة، أو دعم.

ومع كثرة التعرّض لهذا المحتوى، قد يبدأ ما كان يُنظر إليه كطموحٍ أو هدفٍ مثالي في التحوّل إلى “معيارٍ أساسي” للحياة. وحينها، قد يصبح الشعور بالتعب، أو تفويت حصة رياضية، أو طلب وجبة جاهزة، أو قضاء يومٍ غير منتج، دليلاً في نظرنا على أننا نرتكب خطأً ما.

قد نصبح على دراية واسعة بمفاهيم العافية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أننا أصبحنا أكثر معرفة بأنفسنا.

وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن العافية مسألة فردية للغاية. فما يمنحني التجدّد والراحة قد لا يكون له الأثر ذاته عليك، وما أحتاج إليه في مرحلة معيّنة من حياتي قد يختلف تماماً عما أحتاجه في مرحلة أخرى.

  • هل يمكن لمحتوى العافية بحد ذاته أن يولّد القلق؟ وذلك من خلال إشعار الأفراد بأنهم لا يفعلون ما يكفي؛ سواء كان ذلك يتعلق بالنوم، أو ممارسة الرياضة، أو جودة التغذية، أو العناية بالذات بالطريقة الصحيحة؟

بالتأكيد. فأي شيء تقريباً قد يصبح مصدراً للقلق إذا اقترن بقواعد صارمة، ومراقبة مستمرة، وشعورٍ بوجود “طريقة واحدة صحيحة” للقيام بالأمور.

كما قد تنطوي ثقافة العافية على وعد ضمني: “إذا تمكنتُ من القيام بالأمور بشكل صحيح وكافٍ، فسأشعر أخيراً بالعافية”. فإذا نمتُ جيداً، ومارستُ الرياضة، وتناولتُ طعاماً صحياً، ومارستُ التأمل، وسيطرتُ على التوتر، ووجدتُ الروتين المثالي؛ فربما أصل في النهاية إلى حالة من الرضا والسكينة.

لكن في جوهر الأمر، ربما يبحث الكثيرون عن شيء أبسط بكثير: راحة البال. وهنا يكمن تناقض؛ فمحاولة الوصول إلى راحة البال عبر “تحسين الأداء” المستمر تجعلنا عالقين في حالة دائمة من السعي والجهد.

قد ننشغل كثيراً بالسعي إلى تحقيق العافية، لدرجة أننا نبتعد أكثر عن اختبارها فعلياً في حياتنا. إن العلاقة الصحية مع مفهوم العافية يجب أن تترك مساحة للنقص، والمرونة، وتفاصيل الحياة العادية.

  • إلى أي مدى تساهم ثقافة العافية السائدة اليوم في تمكين الأفراد حقاً، وإلى أي مدى تخلق أشكالاً جديدة من المقارنة وضغوط الأداء؟

هناك جوانب كثيرة في هذه الثقافة تمنح الأفراد شعوراً بالتمكين؛ فنحن نتحدث اليوم بانفتاح أكبر عن الصحة النفسية، والتوتر، والنوم، والحركة، ووضع الحدود الشخصية، كما أصبح بإمكان الناس الوصول إلى معلومات يمكنها تحسين حياتهم بشكل حقيقي.

تكمن المشكلة عندما تتحوّل التوعية إلى “وصفات إلزامية”، ويتحوّل الإلهام إلى “مقارنة”.

بدلاً من التساؤل المستمر: “ما الذي ينبغي عليّ فعله؟”، ربما يجدر بنا أن نصبح أكثر براعة في طرح سؤال: “ما الذي أحتاج إليه حقاً؟”.

ينبغي لممارسات العناية بالذات أن تساعدنا على فهم أنفسنا بشكل أفضل، لا أن تجعلنا أكثر اعتماداً على توجيهات خارجية حول كيفية عيش حياتنا.

  • ماذا يحدث على المستوى النفسي عندما تتحوّل العناية بالذات إلى قائمة مهام — بدءاً من تتبّع ساعات النوم وعدد الخطوات، وصولاً إلى التأمل، والعناية بالبشرة، وتناول المكملات الغذائية، وممارسة الرياضة، وتعزيز الإنتاجية؟

هناك فرق جوهري بين تتبّع تفاصيل حياتك وبين معرفة ذاتك معرفةً حقيقية.

يمكن للبيانات أن تخبرنا بعدد ساعات نومنا، أو عدد الخطوات التي قطعناها، أو ما إذا كنا قد أكملنا تمريننا الرياضي؛ لكنها لا تستطيع بالضرورة إخبارنا بما منحنا شعوراً بالسكينة، أو التواصل، أو الحيوية، أو الأمان، أو التجدد.

عندما تتحوّل العناية بالذات إلى قائمة مهام، قد يصبح تركيزنا منصباً على إنجاز هذه الأفعال أكثر من ملاحظة ما إذا كانت تلك الأفعال تفيدنا فعلاً. كما قد يعزز هذا النمط تفكيراً قائماً على مبدأ “الكل أو لا شيء”؛ إذ يصبح تفويت تمرين رياضي أو ليلة من النوم السيئ بمثابة فشل ذريع.

أمّا الوعي بالذات، فيتطلّب نهجاً مختلفاً؛ فهو يعني ملاحظة أنماطنا واحتياجاتنا وحدودنا، دون إصدار أحكام فورية عليها أو محاولة “تحسينها” باستمرار.

ينبغي للعناية بالذات أن تمنحنا مرونة أكبر وقدرة أعلى على الصمود. فإذا كانت تؤدي إلى الشعور بالذنب، أو التصلب في التعامل، أو مراقبة الذات بشكل دائم، فمن الجدير بنا أن نتساءل: هل لا تزال هذه الممارسات تؤدي وظيفتها كـ “عناية” بالذات؟

هل وصل الشباب -الذين يقضون وقتاً طويلاً على الإنترنت- إلى مرحلة “إرهاق العناية بالذات” (wellness fatigue)، حيث أصبح حتى المحتوى المصمم لمساعدتهم على الانفصال عن العالم الرقمي مصدراً إضافياً لفيض المعلومات المجهد؟

أعتقد أنّنا نواجه خطراً حقيقياً من حدوث ذلك؛ فالشباب يتلقون كماً هائلاً من المعلومات حول كيفية تناول الطعام، والنوم، وممارسة الرياضة، والعمل، وتنظيم المشاعر، وإدارة العلاقات، وتطوير الذات.

وحتى لو كانت كل نصيحة على حدة نابعة من نوايا حسنة، فإن تراكمها معاً قد يصبح أمراً منهكاً للغاية.

ثمة مفارقة هنا؛ فنحن نحتاج إلى محتوى يخبرنا بكيفية الانفصال عن المحتوى! قد ننشغل كثيراً بتعلم “كيف نعيش حياة جيدة”، لدرجة لا تترك مساحة كافية لنعيش حياتنا فعلياً.

إن استهلاك المعلومات حول العافية ليس مرادفاً لعيش حالة العافية ذاتها. أحيانًا، يكون أكثر ما يمنحنا التجدد هو التوقف عن البحث عن طرق لتحسين شعورنا، وترك الهاتف جانبًا، والانخراط في تفاصيل حياتنا الواقعية؛ كالتحدث مع شخص نحبه، أو الصلاة، أو الطهي، أو المشي، أو الضحك، أو الجلوس في هدوء، أو الاكتفاء بالراحة فحسب.

ليس من الضروري أن تكون كل لحظة راحة مثمرة أو تعليمية أو خاضعة لمعايير التحسين الأمثل.

علينا أيضاً الحذر من افتراض أن العافية تأخذ شكلاً واحداً للجميع. فكثير من محتوى العافية المتاح عبر الإنترنت يقدم تصوّراً فردياً بحتاً للعافية، في حين أن العافية قد تكون أيضاً مرتبطة بعمق بعلاقاتنا مع الآخرين. العائلة، والصداقة، والإيمان، والمجتمع، والتواصل، والشعور بالانتماء، كلها عوامل تُجدد النشاط والحيوية تمامًا كما تفعل ممارسة الرياضة بانتظام.

قد يستفيد شخص ما استفادةً عظيمة من الاستيقاظ باكرًا لممارسة الرياضة، بينما قد يحتاج آخر إلى ساعة نوم إضافية. قد يستعيد شخص ما نشاطه من خلال التأمل والعزلة، بينما قد يستعيد آخر نشاطه من خلال الصلاة، أو تناول العشاء مع الأصدقاء، أو الاستماع إلى الموسيقى، أو قضاء وقت مع العائلة، أو ببساطة الاسترخاء لبعض الوقت.

لهذا السبب، يُعدّ الوعي الذاتي بالغ الأهمية.

اقرئي أيضاً: في اليوم العالمي للصحة النفسية: إلام يحتاج الجيل زد في بيئة العمل

العلامات: الصحة النفسية

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram