مقابلات

فرح الهاشم: الإخراج يسمح لي بعكس التجربة الإنسانية بحقيقتها وملامسة الجمهور من خلالها

نشأتها بين أبوين صحافيين سمحت لها بالتنقل بين البلاد والشعوب، فاكتشفت داخلها روح حرّة محبة للترحال واكتشاف العالم والمجتمعات، وموهبتها بالكتابة والتصوير وسرد القصص خولتها أن تخوض بثقة مجال الإخراج السينمائي حيث انتشر اسمها بعد فيلم “ترويقة في بيروت” في العام 2015، الذي كُرِّمت عنه في العديد من المهرجانات. ها هي اليوم مستمرة بالإنتاج السينمائي الخاص من خلال شركتها “فيوليت سكاي”، في تجربة ملهمة لكلّ صاحبة شغف حقيقي. فتعرفي على خطها الإبداعي في هذا اللقاء.

بين الكويت ولبنان ومصر ونيويورك ولندن وباريس، كيف شكّلت هذه الأماكن هويتك الفنية والشخصية؟

عشت بين ثقافتين منذ ولادتي، فوالدي كويتي ووالدتي لبنانية، كما أني عشت في مصر خلال سنوات حياتي الأولى، وبما أن أبواي عملا في الصحافة، اعتدت التنقل بين دول كثيرة منها بريطانيا والسعودية والولايات المتحدة وبريطانيا، هذه النشأة زرعت بداخلي حب الاطلاع واكتشاف دول ووجهات جديدة، كنت أعتبر كل مدينة أزورها احتمال آخر لحياة مختلفة، وكما يقول مخرجي المفضل فيديريكو فيلينو”تعلّم لغة جديدة هو نافذة أخرى على الحياة”، وبالفعل هذا ما أثبته لي السفر، خولني رؤية احتمالات أكبر، جعلني أحلم وأحقق وأخرج من دائرتي المعتادة. أنا أحبّ المدن وأرى استقراري في اللاستقرار، حين أتنقل وأكون في المطار، فأشعر بالسعادة والراحة والانتماء، وكل مشاهداتي ووجهاتي شكلت هويتي ورؤيتي الفنية والإخراجية.

كيف اكتشفت ميلك للتعبير بالكتابة والتمثيل والإخراج عن أفكارك؟

درست الصحافة في بيروت وكنت مراسلة حربية لفترة، كما كتبت في الثقافة والفن والسينما والسياسة، وهذا الاطلاع الواسع على مجالات متعددة، خولني معرفة كيفية توثيق اللحظات وأهميتها، من هنا بحثت عن مغامرة أكبر وتجربة تسمح لي بعيش شغفي بالاكتشاف والمعرفة بهامش حرية أوسع، وهذا ما دفعني نحو السينما فسافرت إلى الولايات المتحدة ودرست التصوير والإخراج، وبدأت بتوثيق الأماكن، بداية ببيروت التي تتغير باختلاف المواسم، بسبب ظروفها الاقتصادية والسياسية، هي مدينة لحظية وسريعة، وأردت أن ألتقط هذا التغيير من خلال السينما، لذا اخترت الأفلام الوثائقية بأسلوب روائي، كي أبتعد عن الملل فيشعر من يشاهد الفيلم أنه يتماهى ويحس ويشبه ما يراه على الشاشة، هكذا تكوّن خطي الخاص وهو صناعة أفلام هادفة وغير سطحية، تتطرق إلى العمق ولا تبقى ضمن القشور الخارجية.

حققت من خلال فيلم “ترويقة في بيروت” انطلاقة قوية في عالم الكتابة والأخراج، كيف كانت ظروف تكوّن الفكرة وتقديمها بشكل حيّ وحقيقي أمام الجمهور؟

صوّرت هذا الفيلم مباشرة بعد تركي لوظيفتي كديبلوماسية في بعثة الكويت للأمم المتحدة في نيويورك، حين قررت ترك الحياة الرأسمالية والتوجّه نحو المجالات الفنية والإبداعية، عدت إلى بيروت واتبعت حلماً او شغفاً ربما، فأسست بيتاً جديداً وأعدت التواصل مع أصدقائي، وكانت رحلة الفيلم متماشية مع حياتي الحقيقية، فكنت أخرج لأصوّر مشاهداتي، لحظاتي اليومية مع صديقتي المقربة، ومع غيرها من الرفاق، كيف نتكلم وبماذا نفكر، الأماكن التي يريحنا التواجد فيها، ذكرياتنا والشوارع التي نحبها، كيف يشعر اللبناني حين يهاجر وكيف يختلف واقعه حين يعود، تعاملت مع الممثل بديع أبو شقرا وهو مهاجر إلى كندا، وأضاف تواجده الكثير من القيمة لأنه تحدث بصدق تام عن مشاعره بين البلدين. تمّ عرض الفيلم في 35 مهرجان حول العالم وحصد جائزة أفضل فيلم من وزارة الثقافة اللبنانية وعلى دعم مادي مهم، كما عرضناه على منصات أونلاين وحقق نجاحاً جماهيرياً كبيراً. شعرت أني حرّكت المشهد الثقافي والفني في لبنان، فحين عرضته كان هناك شبه غياب تام للإنتاجات السينمائية، وفي العام التالي أي 2016 تنافس أكثر من 15 فيلماً لبنانياً على شباك التذاكر، لذا أفتخر بأني حركت المياه الراكدة فأنا صوّرت من دون كاميرات وأجهزة صوت وميزانية كبرى، فخلقت مساحة لأي شخص مع إمكانات متواضعة أن يتشجع وينتج ويعبّر عن أفكاره دون الحاجة إلى دعم شركات كبيرة ومعروفة.

قدمت خلال 10 سنوات تقريباً 15 فيلم نصفها أفلام وثائقية وروائية طويلة، فكيف تمكنت بإمكانات محدودة من نشر أعمالك وضمان نجاحها بوصولها للآخر؟

فعلت ذلك لأني أؤمن أنّ الفكرة الصادقة لا تحتاج ملايين الدولارات لكي تصل، وأن هناك نجوم حقيقيين يوافقون على المشاركة من دون أجر هائل وأحياناً بعائد رمزي، ببساطة لأنهم أحبوا الفكرة ولامست شيئاً داخلهم، كما أني في أفلامي أشعر أني أحتاج أناس حقيقيين، يضيفون من حياتهم ويومياتهم وتفاصيلهم سحراً إلى العمل الفني، فأنا صورت معظم أفلامي بكاميرا الهاتف ولم أدع المتلقي يشعر بأيّ نقص من ناحية المؤثرات والمبالغات التي نراها في السينما حالياً.

يوجد حضور كبير للمرأة في أفلامك، فهل تقصدين هذا الأمر؟

بالتأكيد فأنا التي أكتب وأصوّر وأخرج وأروي الحكاية وأتحاور مع الممثلين وأقوم بالمونتاج والإضاءة والترويج وإعداد البوستور، وحين أحتاج إلى تقني أو أخصائي يكون حتماً من الشابات، أراني منحازة للمرأة بشكل واضح، وأشعر بأنّ مجرد تحقيق وجودي ووجود لنساء حولي هو أمر ثوري، لأننا نحتاج إلى هذا التعبير عن ذاتنا في وسط ذكوري، ومن الأدعى أن أكون كامرأة من تدعم النساء الموهوبات في مجالي ومن تلقي الضوء على قضاياهن. نحن نرى حتى في هوليوود والسينما الأوروبية سيطرة كبيرة للرجال على هذه الصناعة، هناك استخفاف وإبعاد للنساء فمن تظهر تحتاج إلى جهد مضاعف كي تثبت نفسها وتؤكد موهبتها. ما أحاول فعله أيضاً وغيري من المخرجات اللواتي كسرن القاعدة أمثال إيناس الدغيدي وآنييس فاردا وشانتال أكرمان وكاملة أبو ذكرى، هو إذاً تحطيم لفكرة تأطير المخرجة ضمن صورة أنثوية معينة أو نمط أفكار محدد غالباً الرومانسي والاجتماعي.. أنا لا أسير حسب ما يريده السوق، بل أقدم ما يشبهني ويشبه الناس الحقيقية في المجتمع، لم أنتمي إلى الشلل ولا أريد، وأفضّل أن أستمر بالإنتاج لنفسي وبحدودي كي أظلّ محافظة على قناعاتي وخطي.

أجدد أفلامك هو “هرتلة في القاهرة” يحقق النجاح الكبير حالياً على يوتيوب بمشاهدات كبيرة، ماذا تخبرينا عنه؟

منع فيلمي “هرتلة في القاهرة” من المشاركة في 11 مهرجان عربي من دون أي سبب، ببساطة لأني لا أنتمي إلى “البوطة”، ولكن هذا الأمر لم يثنني عن الترويج له عبر صفحاتي على وسائل التواصل، كما أني حمّلته على يوتيوب وهو اليوم يقارب المليون مشاهدة، ما يعني أنه وصل للجمهور ولامسه، وأنوي تقديم أفلام جديدة بنمط قريب منه فأزور مدينة أخرى وأسردها تماماً كالقصة، وكما تراها عيناي وعيون من يعيش فيها… نحتاج إلى من يتطرق إلى قضايانا ومشاكل بلادنا والعلاقات العاطفية الحقيقية فيها، مع رصد تأثير الغربة وقضايا الهوية والانتماء، وحين ننقل حقيقتنا ستصل أفلامنا إلى العالمية، فما نريده ليس تقليد الآخر ونسخ مجتمعات لا تشبهنا، بل إبراز واقعنا كما هو والعمل على تحسينه لو تطلب الأمر ذلك.

ألا يحبطك إعراض شركات الإنتاج الكبرى عن أعمالك، وكيف تواجهين هذا الشعور؟

من الطبيعي أن يؤلمني هذا الواقع، حين أرى أفلاماً تافهة ومستوردة يُصرف عليها أموال طائلة، فتكون تراند لدقائق وتختفي، لا تحقق النجاح الجماهيري المنتظر، تسعى لتسطيح عقول الجيل الجديد، ولا تدخل في الأرشيف السينمائي العربي، للأسف هناك تقشف في الأفكار ومحاولة منع وطرد الشباب الذين يملكون أفكاراً جديدة، لصالح العمل التجاري السريع، إنه الواقع وأتمنى مع غيري من المخرجين الثوريين أن نغيّره. أنا أخرج إلى الشوارع في القاهرة أو عمّان أو بيروت فأجد القصص تحصل أمامي، أمسك كاميرا هاتفي لأني لا أملك رفاهية الاستعانة بفريق تصوير وأنقل مشاهداتي كصحافية بعين سينمائية، فأحوّل هذه اللحظات الصادقة التي التقطتها من دون تجميل إلى محتوى سينمائياً لأنشره على نطاق أوسع. هنا يأتي دور المنصات والمهرجانات إلى البحث عن الشباب الموهوب ودعمهم وإيصال أصواتهم ورؤيتهم الجديدة إلى الجمهور العربي وتالياً العالمي.

كيف ترصدين ردود أفعال الجمهور على أعمالك السينمائية؟

تصلني ردود الأفعال عبر وسائل التواصل ولا سيما فيسبوك وأنستغرام، وأرصد حباً وتأثراً رهيباً بكتاباتي وأعمالي السينمائية، كما أن يوتيوب نجح بشكل كبير معي، فهو يسمح لي بالعرض مباشرة للجمهور، ورأيت كيف سافر فيلمي الأخير “هرتلة في القاهرة” إلى مدن ودول بعيدة من خلال عرضي له عبر يوتيوب. أرى أن أفلامي تعكس واقع الأناس الحقيقيين، وأذكر مرة لدى عرض فيلمي “قصة مش مكتوبة” جاءت ثلاث شابات إليّ وقلن لي والدمعة ظاهرة على وحوههن: “لقد تكلمت عن حياتنا”، هذا الشيء لا يوازي ملايين الدولارات، وهو يعني أني أعكس التجربة الإنسانية بحقيقتها وألامس بها الجمهور.

ما هي رسالتك من العمل بالمجال الفني والسينمائي وما هي المشاريع التي تعملين عليها حالياً؟

هدفي الأسمى هو ألاّ يتسخ الفن بالمال، فلا يكون الهدف الوحيد منه تحقيق المردود المالي، بالنسبة لي كان بإمكاني أن أظل في وضيفتي المرفهة، كما أني قادرة على العمل كأستاذة جامعية وكسب الأموال، ولكنّ الأرباح ليست غايتي، بل التأثير في مجتمعي وأن يتذكرني الناس بعد سنوات من خلال الأفلام التي قدمتها. أعمل على مشروعين واحد في مصر والآخر في لبنان، وأتمنى أن تصل رسالتي منهما إلى الجمهور.

اقرئي المزيد: سارة مسفر: حبي لرواية القصص والإخراج هو طريقتي في التعبير عن النفس والمشاعر

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram