من طفلة شغوفة بالقصص التي ترويها لها جدتها وبأفلام الفيديو التي تشاهدها مع والدها، باتت اليوم المخرجة والكاتبة والمنتجة سارة مسفر واحدة من أهم صانعات السينما في السعودية، حيث تخرجت من كلية الفنون السينمائية بجامعة عفت الأهلية، وحصلت منها على درجة البكالوريوس في الإنتاج المرئي والرقمي، ثم بدأت مسيرتها فكانت أولى تجاربها السينمائية في عام 2018 من خلال الفيلم القصير “شرفة”، تلاه فيلمها القصير “من يحرقن الليل”، ثُم ألفت وأنتجت وأخرجت العديد من الأعمال التي حظيت بالاهتمام العربي ونالت جوائز مهمة. تعرفي على مسيرتها الفنية في هذا اللقاء.
كيف اكتشفت شغفك بمجال السينما وتحديداً الإخراج والكتابة والإنتاج؟
كنت مهتمة بالحكاية، برواية القصص، حين كنت صغيرة وبينما كان أقاربي يلعبون، كنت أنصت إلى ما يتحدث عنه الكبار، كما أني كنت أحب القراءة ومشاهدة التلفزيون وأفلام الفيديو، حيث اعتدت على روتين معين مع والدي وهو مشاهدة مجموعة أفلام جديدة في يوم العطلة، ويجب أن يكون بينها فيلم مصري، وكان اليوم الأجمل في الأسبوع، لم أرد متابعة أفلام ديزني بل قصص إجتماعية عميقة. مع وصولي إلى سنين الجامعة لم أعتقد أنّ لديّ الفرصة لدراسة الإخراج، أذكر حين كنت في الثانوية ظهور إعلان فيلم “وجدة”، انبهرت به وأدركت أنّ هناك مكان للمرأة في صناعة الدراما بالسعودية، كانت هيفاء المنصور ملهمتي، وحين رأيت “الترايلر” ذهبت إلى والدتي وأخبرتها أني أريد أن أصنع الأفلام، أردت أن أكون أنا التي تملك الفكرة وتنفّذها وتعرضها كفيلم سينمائي بعد تبلوها. في ذلك الحين لم يكن هناك سينما في السعودية، ولم يتواجد اختصاص في الجامعات، ولكن بشكل لا يصدق، وكأنه طريق مرسوم، توجهت إلى الجامعة وتفاجأت بافتتاح قسم جديد وعرفت وتأكدت أنّ هذا ما أريد دراسته. لم أعرف أبداً ما الذي سيحمله لي المستقبل، فأنا أدرس الاختصاص في وقت لم يكن يوجد سينما في الممكلة، كان الأمر مخيفاً ولكن كوني كنت شابة وطموحة وشغوفة، لم أبالي بكلّ الصعوبات وخطوت بثقة في القطاع الذي لطالما انبهرت به.
كيف تمكنت من دخول هذا المجال قبل سنوات حين لم يكن من السهل للنساء إيصال صوتهنّ من خلاله؟
اليوم حين أتذكر تلك السنوات، أراها كانت صعبة ومليئة بالتحديات ولكن وقتها ولأني كنت شديدة الحماس والشغف والرغبة بإظهار موهبتي، لم أحسّ بغياب الدعم أو الفرص.. حين كنت ألتقي بقريباتي ويسألنني عن الاختصاص الذي أدرسه، كنت أقوم إني أدرس الإعلام وأقوم بالترجمة، لأنّ أيّ منهن لن تفهم لماذا أدرس السينما أو ما الذي أرغب به من العمل على هذه الصناعة، حيث يسيطر الرجال وحيث ساعات العمل الطويلة وغياب الدوام المحدد… أما اليوم بات العمل في المجال أسهل، حيث يوجد مؤسسات سينمائية ومهرجانات ودعم رسمي وخاص للصناعة.
هل كان لديك هدف من دخول مجال صناعة السينما؟
آمنت على الدوام بأن حبي لرواية القصص جاء كطريقتي للتعبير عن النفس، بحيث أتعرف على ذاتي بشكل أكبر وأفهم الأمور بطريقة مختلفة، أردت رواية قصص لا نراها على الشاشة، مع أني لست من الناس التي تؤمن بأنّ الفن رسالة، ففهمي له أعمق بكثير من ذلك، أراه مجالاً لسبر غور النفس، قد يكون مسلياً أو مؤلماً وصادماً.. يمكن أن تتطلب ترجمة إحساس واحد، فيلماً مدته ساعتين ولكنه باختصار رحلة تعبير كبيرة وطويلة وفيها أبعاد عميقة ولا يمكن حصرها بهدف محدد.
كونك امرأة، هل ركزت بقصد على روايات تمارس النساء ولا سيما في فيلمك الأول “شرفة” والثاني “من يحرقن الليل”؟
فيلم “شرفة” كان مشروع صغير قدمته في الجامعة، عبارة عن خيال وثائقي وروائي، بحيث صورت روتيني بشكل يومي حين أستيقظ وأستعد للجامعة، حين أعود مساء وألتقط الزهور من الشوارع، مع لحظات مبهجة من دورة الحياة، فكان رحلتي في اكتشاف العالم، مع ذكرياتي وصور من طفولتي وأحاديثي مع جدتي، وهي بالمناسبة كانت موهوبة في رواية القصص، حتى أني كنت أسجّل طريقتها وأحتفظ بها لليوم، خاض الفيلم في الخط الرفيع بين الذكرى والحقيقة والخيال، وقدرتنا في كل مرة نتذكر موقف على إعادة خلقه بشكل مختلف في ذهننا. أما فيلمي الثاني “من يحرقن الليل”، فتطرق إلى مراهقتين ترغبان بشدة بالذهاب إلى محل السمانة أو السوبر ماركت، ولكنهما تواجهان الرفض.. كانت الفكرة تدور حولنا كنساء حين نرغب بشيء بسيط وسهل ولكننا نجد صعوبة كبيرة لتحقيقه، والغضب الذي ينتج عن ذلك لأننا لا نفهم سبب الرفض، تعاملت فيه مع شابتين غير محترفتين بالتمثيل، ولكنهما أبدعتا على الشاشة، وأوصلتا الإحساس بصدق كبير. وقتها لم يكن في بالي أني راغبة بصناعة أفلام عن المرأة، ولكن كوني شابة وأعرف ما نمر به، محاطة بالنساء كل حياتي، ستكون رؤيتي للقصة محّملة بالتأكيد بنظرة النساء وما يشعرن به أو يواجهنه من مواقف وقصص ومشاعر في الحياة.
كيف توسعت باهتمامك نحو الكتابة والإنتاج؟
أرى أنّ المجالات الثلاث: الإخراج والإنتاج والكتابة مترابطة ويكمل أحدها الآخر، صحيح أنّ الإنتاج يعنى بالأمور اللوجستية، ولكنه يحتاج إلى معرفة واسعة بالقصة وسياقها وطريقة تقديمها، ويتطلب إيماناً بالغاً بها، بالنسبة لي ما يهمني هو تنفيذ القصة بأجمل صورة، حتى لو لم أكن المخرجة، يعنيني أن تنّفذ وتقدم بشكل مقنع ومؤثر حين تولد وترى النور، لست أنانية أبداً وأؤمن بتطوير وتحسين هذه الصناعة، فأنا أعشقها وكنت بالدرجة الأولى من الجمهور ومشاهدة، بالتالي أهتم بأن تكون القصة قوية، والشغف بتنفيذها كبير، حينها ألعب الدور المطلوب مني بكل سرور. ككاتبة أشعر أنّ تسليم قصة لامستني وصغتها بأسلوبي الخاص أمر صعب، ولكن حين تتواجد الثقة برؤية الآخر وقدراته، أسلّم بكل طيبة خاطر وقناعة وأنتظر النتيجة النهائية وأنا واثقة أنها ستُظهر قصتي بالشكل الأفضل.
صفي لنا الحالة التي تعيشينها حين تقومين بإخراج عمل جديد؟
أؤمن بأهمية العمل الجماعي والمشاركة والتفاعل مع باقي صنّاع العمل والممثلين، أحب التعامل مع شخصيات جديدة وأبطال مختلفين وفي ظروف عمل مختلفة، فهذا ما يجعل لكلّ تجربة خصوصيتها وتأثيرها، أتعرف على أنماط مختلفة من الممثلين، بعضهم قادر على العطاء لساعات طويلة، وآخرون يقدمون مشهد أو اثنين ويحتاجون إلى إعادة شحن طاقتهم، وأحترم الاختلاف وأتقبله، وأراعي الوصول إلى قرارات نهائية ترضي الجميع، وتتيح لهم أن يشعروا بالراحة لكي يعطوا من قلبهم. من المهم أن يكون فريق العمل متجانساً ومدركاً لرسالة الفيلم، وهو يحتاج إلى مخرج محترف، معطاء، فاهم لرؤيته وقادر أن يمسك بزمام القيادة فيوجّه الجميع نحو الدور المطلوب منه.
حققت أفلامك النجاح في المهرجانات، ما هو التكريم الذي عنى لك؟ وما هي اهمية هذه الفعاليات في خلق مساحة حوار بين صّناع السينما؟
التواجد في المهرجانات السينمائية هو الوقود الذي أحتاجه حين أشعر ببعض الإحباط أو نقص الشغف، فأشعر فعلاً بالمكافأة، أشاهد أفلاماً رائعة وأتواصل مع صنّاعها، أدخل في نقاشات عميقة مع مخرجين ومنتجين، أفهم المشاكل التي يواجهونها وأطلعهم على ما أشهده من تحديات في عملي. كل تكريم في مسيرتي كان مميزاً، فالجائزة التي حصلت عليها من مهرجان القاهرة السينمائي وتلقيتها أمام عيني يسرا، النجمة التي عشقتها في صغري، جعلتني عاجزة عن الكلام، ولاسيما أني لم أعرف مسبقاً أني الفائزة. كما أحببت تكريمي في مهرجان قرطاج، لأني عاشقة للأفلام التونسية، وواحد من أجمل الأفلام بالنسبة لي هو الفيلم التونسي “صمت القصور”.. كل هذه اللحظات كانت مهمة جداً ومفصلية في حياتي كمخرجة، وهي التي تدفعني وتشجعني حين أمرّ بفترات من الركود الفني.
برأيك ما الذي يطلبه الجيل الجديد من السينما اليوم، وهل يوجد فعلاً أفلام عربية مؤثرة وقوية بمضامينها تحاكيه وتصل إليه؟
أؤمن أننا في مرحلة انتقالية، فما كان مطلوباً في الماضي بات محل شك اليوم، مع توافر المنصات والتغيّر الكبير في العالم الرقمي، بات الجميع رواة قصص، يمكنهم من خلال وسائل التواصل صنع فيلم قصير ونشره ورصد نجاحه أو إخفاقه.. هذا الأمر يفرض التغيير بصناعة السينما وذلك كي نأسر اهتمام جيل واع وواصل ومثقف، هنا لا أتكلم عن الجميع، فهناك بالتأكيد اهتمامات مختلفة للشباب، ولكن بشكل عام ولأن القصص باتت متكررة، يجب أن نبحث عن طريقة طرح مختلفة، تحرّك أحاسيساً جديدة وتفتح آفاقاً للتفكير والتأمل والتغيير.
ما الذي تنوين تقديمه والتركيز عليه فنياً في الفترة المقبلة؟
انتهيت مؤخراً من تصوير فيلم قصير جديد بعنوان “يا سهاد يا مسليّني”، وكانت تجربة إبداعية مميزة مع ميزانية متواضعة، بحيث استعنت بصديقتي للتمثيل وصورناه في منزل أحد المعارف، إلا أني اختبرت فيه مشاعر وتجارب رائعة، وحالياً أنوي طرحه وعرضه على المهرجات والمنصات، كما أني أكتب فيلماً طويلاً مأخوذاً عن رواية للكاتبة رجاء عالم، وسأبدأ بتصويره قريباً.
اقرئي المزيد: أمل البلوشي: وجدت في الفن حريتي المطلقة بدون الخضوع لمدارس وأنطمة وقوانين






