درس الكثيرون منا عن الملكة زنوبيا في كتب التاريخ، ولكننا لم نتعمق كثيراً في مسيرة هذه الملكة التي تمتعت بالقوة لكي تتحدى أهم الممالك في الفترة التي عاشت وحكمت فيها، فمن هي زنوبيا وما هي ابرز المحطات التي رسمت سيرة حياة هذه الملكة المعروفة؟
هي ملكة تدمر التي حكمت تقريباً ما بين 267 و273 ميلادية، حيث كانت تدمر حينها واحة وافرة غنية تقع في الصحراء السورية، مدينة مفتوحة تربط بين إمبراطوريتين عدوتين، الرومانية من جهة والفارسية من جهة أخرى. كانت تدمر أيضاً مكاناً للتوقف الإلزامي للقوافل التي تجتاز الصحاري، وقد أعطت الفيضانات التي تدفقت عليها، لحكامها الوسائل لتجميل مدينتهم وكذلك الثقة لتثبيت مكانتهم على المستوى الإقليمي.
من هي زنوبيا؟
رغم أن الفترة التي قضتها زنوبيا في موقع وموضع الحكم، كانت قليلة من حيث عدد السنين، فإنها ضمنت لها مكاناً كبيراً واسعاً في صفحات التاريخ، ولا تزال تذكر على أنها واحدة من أعظم الملكات، لا سيما أنها جعلت من تدمر قوة عظمى في الشرق الأدنى، وقد ألهم صعودها السريع المؤرخين والفنانين والروائيين لعدة قرون.
زنوبيا كانت ذكية جداً وشديدة الفطنة وسريعة التعلم، فقد كانت تجيد عديداً من اللغات، وتزوجت ملك تدمر ووصلت إلى الحكم، وقد ولدت في منطقة تدمر في سوريا نحو عام 240 ميلادية وأعطيت اسم “جوليا أوريليا زنوبيا”.
اعتبرت زنوبيا من هذا المنطلق مواطنة رومانية، حيث منحت عائلة والدها هذا الوضع في وقت سابق، تلقت تعليمها في مدارس الإسكندرية، التي كانت قبلة العلم والعلماء في ذلك الوقت، وهناك تعلمت اللغتين اليونانية واللاتينية، مع إجادتها اللغتين المصرية والآرامية.
الوصول إلى العرش
تعلمت زنوبيا ركوب الخيل، حتى أصبحت بارعة، كما تدربت على التحمل والقدرة على مواجهة الصعاب وهما صفتان اشتهرت بهما لاحقاً، ومن المسجل أنها كانت تسير على الأقدام مع قواتها لمسافات طويلة، ومن الممكن أن تصطاد مثل أي رجل، وأن تعب من الخمور عباً أكثر من أي رجل.
ادعت زنوبيا نسبها لملك مصر فيليب المقدوني، ويحكي أن جمالها فاق جمال كليوباترا، غير أنها تجاوزتها في العفة والشجاعة، وكانت قد اعتبرت نفسها مثالاً للشرق، وكثيراً ما قارنت نفسها بآلهة الجمال عند الإغريق.
بحلول عام 258 ميلادية، تزوجت زنوبيا في سن الـ14 من “لوكيوس سبتيموس أودينثوس- أذينة” الحاكم الروماني لسوريا، الذي أنجبت منه طفلين هما “فبالاثوس”، و”حيران الثاني”.
كانت زنوبيا قريبة من زوجها في ما يخص كل شؤون الحكم، الأمر الذي نمى في عقلها فكراً سياسياً ساطعاً جداً، وأكسبها دراية عسكرية ومهارة فائقة في ميادين الوغى.
تم اغتيال أذينة ويرجح المؤرخون أن زنوبيا كانت متورطة بصورة أو بأخرى، طمعاً في العرش، الذي جلست عليه بالفعل لاحقاً. فلم تجد زنوبيا أي معارضة سياسية عندما اعتلت عرش تدمر ولم تعترف بتسلمها الحكم بمفردها. استطاعت أن تصدر للآخرين أنها وصية على ابنها البالغ من العمر 10 سنوات، الذي يملك الأحقية بالسلطة لكونه ورث من والده كل ألقابه الشرعية، هذا على رغم أن ابنها هذا لم يكن قد مارس ولو ليوم واحد أي شكل من أشكال الحكم في ظل والده، وهو أمر بديهي بحكم عمره.
ذكاء وفطنة في الحكم
تبدى دهاء زنوبيا بشكل فائق في سنوات حكمها القليلة، فقد استغلت ضعف الرومان وتفرقهم بسبب غزواتهم في أوروبا، وعملت على توسيع رقعة ملكها، فأخضعت سوريا بالكامل تحت سلطتها إلى جانب شمال بلاد ما بين النهرين، أي العراق، عطفاً على ما كان يعرف وقتها بمملكة يهوذا، أي الأراضي الفلسطينية اليوم، وهناك روايات عن غزوها لمصر، فيما اتخذت من مدينة أنطاكية عاصمة لحكمها الجديد. شكلت زنوبيا بذلك مملكة شاسعة تمتد ما بين أنسيرا، وسط الأناضول، إلى جنوب مصر. بلغت زنوبيا من الدهاء السياسي شأناً عالياً، فقد عملت بطريق مغاير للفوقية السياسية للأباطرة الرومان، إذ فتحت بلاطها للنبلاء الشرقيين وبوأتهم مناصب عالية في مملكتها. أبدعت زنوبيا في أمر آخر، وهو مقدرتها على تقريب كافة التيارات الدينية الأقلوية، رغم كثير من الأحاديث التي دارت ولا تزال حول إيمانها بالمذهب “ألماني”. استطاعت بحكمتها استيعاب طبيعة شعبها المتعدد الأعراق والديانات، وعاملت رجال الدين باحترام، ومنحت الأقليات حقوقهم في إنشاء دور للعبادة بخاصة اليهود والمسيحيون الذين عانوا من اضطهاد كبير قبل وصولها إلى الحكم.

هنا يتفق عديد من المؤرخين على أن زنوبيا حكمت دولة مكونة من دول مختلفة، وباعتبارها من سكان تدمر، فقد كانت معتادة على التعددية الثقافية واللغوية، حيث كانت مدينتها بوتقة تنصهر فيها الأمم وتنقسم ثقافياً إلى قسمين: جزء سامي شرقي، وجزء هلنستي، وقد حاولت التوفيق بينهما، وغالب الظن أنها نجحت في ذلك نجاحاً كبيراً.
بلغت أحلام زنوبيا تنصيب ابنها شريكاً للإمبراطور الروماني في النصف الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، ويرجح أنها كانت ستتوصل إلى اتفاق مع الإمبراطور الروماني “جوثيكوس” إلا أنه توفي عام 270 ميلادية وخلفه الإمبراطور أوريليان الذي اتبع سياسات مختلفة مع تدمر وملكتها.
في البداية قامت زنوبيا بسك عملات معدنية تحمل صور أوريليان كإمبراطور وابنها فابالاثوس كملك، لكنها ما لبثت أن أعلنت انفصالها الرسمي عن الإمبراطورية عام 272 حيث نصبت نفسها إمبراطورة مستقلة.
النهاية على يد أوريليان
لم يعجب الإمبراطور الروماني “أوريليان” بقوة زنوبيا فجمع قواته وتوجه إلى مصر، حيث استطاع استردادها إلى جانب منطقة وسط الأناضول، مما جعل زنوبيا وأتباعها يتراجعون باتجاه تدمر. لم تكن هزيمة زنوبيا بالأمر اليسير، فقد استدعى الأمر أكثر من جولة عسكرية، واحدة عند مدينة أنطاكيا، حيث فاز أوريليان بالاشتباك من خلال التظاهر بالتراجع ثم التأرجح في تشكيل كماشة بمجرد أن سئمت قوات تدمر من المطاردة، تم الانقضاض عليهم ثم ذبحهم.
غير أن زنوبيا كانت قد تمكنت من الهرب مع جنرالها “زايداس”، إلى مدينة حمص، حيث كان لديها مزيد من الرجال، وحيث توجد خزائنها وكنوزها. مرة أخرى لاحقها أوريليان، حيث انتصر الرومان باستخدام نفس التكتيك، إذ تظاهروا بالتراجع في مواجهة الفرسان التدمريين، الذين لاحقوهم، ثم استداروا وهاجموهم في موقع يسمى ميمون. تم تدمير القوات التدمرية واستولى أوريليان على المدينة، وهناك روايات عن نهبه لما فيها من خزائن مليئة بالكنوز التي جمعتها زنوبيا من قبل. وبعد محاصرتها فرت من تدمر مع ابنها على ظهر جمل ولم يتأكد مصيرها النهائي، حيث قيل إنها أعدمت وذهبت مصادر أخرى إلى أنها ماتت جوعاً بعد أن أضربت عن الطعام إثر إلقاء القبض عليها، إلا أنها تستمر بحق واحدة من أقوى وأهم الملكات عبر التاريخ.
اقرئي المزيد: السياحة في باكو: دليلكِ لأجمل الأماكن والتجارب في عاصمة أذربيجان






