صيحات

حين تتحدث الفخامة بلغة الجيل الجديد

سبتمبر 18, 2026
إعداد: مايا موسى

دخلت الموضة الفاخرة اليوم عصراً جديداً أعاد صياغة مفهومها بالكامل، فلم تعد تشبه الصورة التي ارتبطت بها في الماضي. فبعدما كانت الفخامة تُقاس بالحصرية والمكانة الاجتماعية، أصبحت دور الأزياء اليوم مطالَبة بتلبية تطلعات جيل جديد من المستهلكين يبحث عن المعنى والحِرفية، بما يتجاوز امتلاك أندر القطع أو استعراض شعارات أشهر العلامات. فقد انتقل التركيز إلى الأصالة والتفرّد والارتباط الثقافي، وإلى كل ما يحمل قيمة ومعنى يدومان مع مرور الزمن. وخلال السنوات الأخيرة، شهد قطاع الموضة الفاخرة تحوّلاً واضحاً، ولا سيّما لدى الدور العريقة التي أولت اهتماماً كبيراً لإعادة ابتكار هوياتها بأساليب متعددة. وقد أسهمت القيادات الإبداعية الجديدة وأساليب السرد المعاصرة في استقطاب جمهور أوسع، وبناء ولاء للعلامات قائم على تقارب الرؤى والتوقعات والقيم.

بالتوازي مع ذلك، أصبح مستهلكو الجيل زد، ومن بعدهم الجيل ألفا، أكثر اهتماماً ببناء خزائن ملابس مدروسة وهادفة، تحتل فيها القطع الخالدة مكانة أهم من الصيحات المؤقتة. ومع تزايد الاهتمام بعالم القطع القديمة والملابس الفينتدج، بات المستهلكون يبنون روابط عاطفية أعمق مع القطع الاستثمارية، بدلاً من شراء تصميم رائج سرعان ما يفقد بريقه بعد موسم أو موسمين. وعلى الرغم من التحولات الجذرية التي يشهدها القطاع، بقي عنصر واحد ثابتاً: التقدير العميق للحِرفية الاستثنائية والرغبة في اقتناء قطع تدوم.

وتُعدّ الحِرفية اليوم من أهم القوى التي تدفع الأجيال الشابة نحو شراء المنتجات الفاخرة، لأنها تمنحها قيمة حقيقية وتبرّر الاستثمار فيها. ففي الماضي، ربطت الأجيال السابقة الفخامة بما هو ظاهر وواضح، سواء من خلال الشعارات البارزة أو الطبعات المميّزة والكثيفة التي كانت ترمز إلى مكانة اجتماعية معينة. أما اليوم، فيرغب المستهلك في معرفة السبب الذي يجعل منتجاً ما فاخراً، وغالباً ما تكمن الإجابة في قِصته، والمهارة الكامنة وراء صناعته، وأصالته. فقد نشأ الجيل زد في عالم أصبحت فيه الموضة السريعة والإصدارات المتلاحقة أمراً اعتيادياً، لذلك كان من أوائل الأجيال التي بدأت تطالب برؤية القيمة الحقيقية خلف كل عملية شراء. وأصبح تقدير التقنيات الحرفية والأقمشة والخامات عالية الجودة والخبرات المتوارثة عبر الأجيال، من أبرز المعايير التي تحدّد قيمة القطعة. وهكذا، لم تعد الفخامة مجرّد شراء باهظ الثمن، بل تحوّلت إلى استثمار خالد. وانطلاقاً من فلسفة «buy less, buy better»، تدعم الحِرفية مفاهيم الاستمرارية والاستدامة والتصاميم العابرة للزمن والتفرّد، وهي جميعها عوامل تؤثر بقوة في اختيارات الجيل الجديد. كما أعاد هذا التحوّل الفكري تقديم الإرث برؤية عصرية، ففي حين كانت الأجيال السابقة تقدّر الإرث لما يمثّله من مكانة وتاريخ، يقدّره المستهلك اليوم لما يحمله من أصالة وحقيقة.

ولمواكبة التحول السريع في رغبات المستهلكين وتوقعاتهم، بدأت العلامات الفاخرة في تطوير أساليبها للتواصل مع جمهورها الجديد. فأصبحت تتبنّى هويات متجدّدة تعتمد سفراء قريبين من الناس لتتوجّه مباشرة إلى الأجيال الشابة، وتمنحهم شعوراً بوجود صلة شخصية مع الوجوه التي تمثل العلامة. كما أصبح حضور مديرين إبداعيين معاصرين قادرين على فهم الجمهور والتفاعل معه أمراً أساسياً، ما دفع عدداً من الدور إلى الاستعانة بمبدعين أقرب إلى عالم الجيل زد واهتماماته. ويُعدّ السرد القصصي الرقمي من أهم أدوات التواصل في الوقت الحالي. ففي ظل الوقت الطويل الذي يقضيه المستهلكون على هواتفهم، ولا سيّما عبر منصات مثل Instagram و TikTok، باتت القصة تصل بسهولة إلى جمهور واسع، وتحول الفخامة من مجرد منتج إلى تجربة متكاملة. وبينما كان الإعلان التقليدي الوسيلة الأقوى للتواصل في السابق، يرفع الجيل زد، المعروف بكونه جيلاً رقمياً بالفطرة، سقف توقعاته من العلامات، مطالباً بمحتوى أصيل وتفاعلي. فهو ينجذب إلى العلامات التي تمتلك هدفاً واضحاً ومنظومة قيم ورواية متماسكة. وبفضل المنصات الرقمية، بات المستهلك قادراً على الوصول إلى القصص الكامنة خلف المجموعات، والتعرّف إلى المصممين والحرفيين، وفهم تاريخ الدار وإرثها، واستيعاب تأثيراتها الثقافية، وتقدير الحِرفية الغنية التي تقف وراء كل قطعة. ومن خلال هذه العوامل، أصبح المستهلك اليوم أكثر ارتباطاً عاطفياً بالعلامة وقصتها، بدلاً من الاكتفاء بالاهتمام بالمنتجات التي تقدّمها.

ويساهم الجيل زد في ترسيخ ما يمكن تسميته بـ«عصر الفردية»، في تحوّل كبير عن الأجيال السابقة التي بنت خزائنها غالباً وفقاً للصيحات السائدة. فقد حلّ الأسلوب الشخصي إلى حد كبير محل ثقافة الترند، ما دفع العلامات الفاخرة إلى تجاوز الصيحات الموسمية والتركيز على قطع متعددة الاستخدامات تحمل تصميماً خالداً. وأصبحت القطع المميّزة التي تجمع بين الحِرفية المتقنة والاستمرارية والاستدامة من أبرز المعايير التي يعتمدها المستهلكون، وهو ما توليه دور الأزياء الفاخرة اليوم أهمية أكبر من أي وقت مضى. كما أعادت عادات الجيل زد وتوقعاته المتغيرة الحياة إلى سوق الأزياء المستعملة والقطع القديمة، الذي شهد ارتفاعاً كبيراً في الطلب خلال السنوات الماضية. وقد أسهم ذلك في ازدهار منصات إعادة البيع ومتاجر الفينتدج، خصوصاً مع البحث عن القطع النادرة والفريدة التي يصعب العثور عليها، إلى جانب الحقائب الفاخرة القديمة التي أصبحت مطلوبة بشدة. ويمنح امتلاك قطعة فينتدج نادرة شعوراً أكبر بالخصوصية والحصرية والتفرّد، مقارنة بشراء قطعة تحكمها أحدث الصيحات، وهي لم تعد العامل الأهم بالنسبة إلى الأجيال الصاعدة.

وخلال السنوات الأخيرة، سيطر المزج بين الفخامة الهادئة والماكسيمالية المنضبطة على منصات العروض وأزياء الشارع، ليخلق توازناً مثالياً بين تصاميم خالدة ومتعددة الاستخدامات، وقطع جريئة ولافتة تمنح الإطلالة شخصيتها. كما أسهم الابتعاد عن الشعارات الصاخبة والطبعات المبالغ فيها في ترسيخ مفهوم تكرار الإطلالات، وهو ما غيّر سلوك الشراء. فقد كانت الأجيال السابقة تتجنّب في أحيان كثيرة تكرار ارتداء الإطلالات، لأن القطع البارزة كان من السهل ملاحظتها، أما الجيل زد فقد جعل إعادة ارتداء القطع وتنسيقها بطرق مختلفة أمراً طبيعياً ومقبولاً. وأدى ذلك إلى تقليل عمليات الشراء الاندفاعية، وزيادة التركيز على القطع الاستثمارية، ما رفع في المقابل توقعات المستهلكين من العلامات الفاخرة في ما يتعلق بالجودة والمرونة في التنسيق.

واليوم، تتصدّر فكرة الخزانة التي تدوم إلى الأبد اهتمامات المستهلكين، إذ يسعون إلى بناء خزانة كبسولية خالدة ومتعددة الاستخدامات، تضم حقائب وأحذية أساسية ولافتة، وقطعاً مفصّلة بإتقان، إلى جانب الاستثمار في المجوهرات الراقية والساعات. ومن هنا، أصبحت الحِرفية إحدى الركائز الجوهرية في بناء هذه الخزانة وأحد أهم معايير الاختيار. وبالنسبة إلى الجيل زد، تُعدّ الموضة وسيلة للتعبير عن الذات، لا أداة للحصول على القبول أو التقدير الاجتماعي. ولهذا السبب، حلّ الأسلوب الشخصي محل ثقافة الصيحات، ودفع هذا التحول السريع العلامات الفاخرة إلى الابتعاد عن الإصدارات الصاخبة والمحكومة بالترند، والتركيز بدلاً من ذلك على الحِرفية والتصميم الخالد والتفرّد والسرد العاطفي الذي يلامس تطلعات الأجيال الصاعدة. ويبحث مستهلكو الفخامة اليوم عن كل ما يبدو شخصياً وصادقاً، مبتعدين عن مفهوم القطعة التي تُشترى فقط لأنها «رائجة». وقد دفع ذلك العلامات إلى تلبية هذه الاحتياجات والرغبات الجديدة، ما أحدث تحولاً واسعاً في صناعة الفخامة. ويبقى السؤال الآن: ما الذي سيحمله جيل ألفا إلى عالم الموضة في المستقبل؟

اقرئي المزيد: جولة على اسبوع الموضة في نيويورك لربيع وصيف 2027

العلامات: عالم الأزياء

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram