مقابلات

أمل أبو المجد: السفر علّمني أن أعذر الناس وأحترم اختلافهم لأن لكل شخص ثقافته وتجربته

الصيدلانية “الرحالة” لقب استحقته الشابة المصرية أمل أبو المجد بعد سنوات من العمل في مجال الطب الصيدلاني والسفر حول العالم، وهي اليوم رائدة أعمال وطبيبة وناشطة اجتماعية ومؤثرة عبر وسائل التواصل، يتابع حسابها amlz.travels أكثر من 1،2 مليون شخص، وتتميّز بمحتوى هادئ وبسيط يستعرض التجربة بشكل صادق ومريح، فيشعر الآخر أنه يسافر معها فعلًا، ويرى الأماكن بعينيها، وقد التقيناها لنعرف المزيد عن شخصيتها وأحلامها وطموحاتها.

كيف جمعتِ بين مجال الصيدلة والسفر، ونجحتِ بأن تكوني من أنجح الطبيبات الصيدلانيات ومؤثرات السفر في عالمنا العربي؟

صحيح أنّ المتابعين يلقبونني بـ”الصيدلانية الرحالة” ولكني لم أخطط يوماً لذلك، بل جاء الأمر كنتيجة طبيعية لرحلة طويلة من البحث عن نفسي وشغفي الحقيقي. في الحقيقة، لم أكن أحلم بدراسة الصيدلة تحديدًا، لكنني كنت من المتفوقات دراسيًا، وكانت عائلتي تتمنى أن تراني دكتورة، لذلك اخترت كلية الصيدلة رغم أنني في ذلك الوقت لم أكن أعرف بعد ما الذي أحبه فعلًا أو أين أرى نفسي مستقبلًا. خلال سنوات الجامعة، كنت أشارك في كل الأنشطة الطلابية تقريبًا لأنني كنت أحاول اكتشاف نفسي، وهناك بدأت ألاحظ أنني أمتلك شغفًا حقيقيًا بعالم الأعمال والتواصل والتسويق. هذا الشغف فتح أمامي أبوابًا كثيرة، منها حصولي على منحة ممولة بالكامل من الحكومة الأمريكية للدراسة في Kelley School  of Business  بجامعة Indiana University  وأنا لا أزال في السنة الثانية بالجامعة. وبعد التخرج من كلية الصيدلة، حصلت أيضًا على منحة Chevening لدراسة الماجستير في International Business and International Marketing  في المملكة المتحدة. ومع الوقت، اكتشفت أن هناك خيطًا مشتركًا بين كل القرارات التي اتخذتها في حياتي: السفر. أدركت أنني كنت دائمًا أبحث عن الفرصة التي تسمح لي باكتشاف العالم، والتعرف على ثقافات مختلفة، ورؤية الحياة من زوايا جديدة. لهذا بدأت مشاركة محتوى السفر، ليس فقط لأنني أحب السفر، بل لأنني أردت بناء مجتمع يشبهني، خصوصًا للفتيات العربيات اللواتي يحلمن باكتشاف العالم بطريقة هادئة وآمنة وملهمة. أعتقد أن ما ميّزني في هذا المجال هو أنني بقيت دائمًا على طبيعتي. محتوى السفر غالبًا يرتبط بالإيقاع السريع والصوت العالي والمبالغة، أما أنا فكنت دائمًا أميل إلى الهدوء والبساطة وتقديم التجربة بشكل صادق ومريح. أحب أن يشعر الشخص وكأنه يسافر معي فعلًا، يرى الأماكن بعيني ويعيش التجربة بهدوء وسلاسة.

المتعارف عليه بين صانعات محتوى السفر هو التركيز على هذا المجال فقط، بينما أنتِ رائدة أعمال وطبيبة وناشطة اجتماعية، كيف تدرجتِ لتصلي إلى أداء كل هذه المهام بنجاح؟

في الحقيقة، لم أخطط يومًا لأن أكون “شخصية تقوم بكل شيء”، لكن الحياة نفسها قادتني إلى هذه المسارات المختلفة. بدأت صناعة المحتوى في نفس الوقت الذي كنت أعيش فيه أول سنة زواج، وأدرس الماجستير في بريطانيا، وأعمل في مجال الـ International Marketing وBusiness Development، لذلك شعرت دائمًا أنني أعيش أكثر من حياة في وقت واحد. وربما السبب الحقيقي وراء ذلك هو خوفي الدائم من ألا يسعفني الوقت لرؤية العالم. حبي للسفر كان كبيرًا لدرجة جعلتني أرغب في استغلال كل فرصة ممكنة للتجربة والتعلم واكتشاف أماكن جديدة. حتى خلال فترة حملي كنت أسافر حتى الشهر الثامن، وبعد ولادة ابنتي سافرت معها لأول مرة وهي لم تكمل شهرين، لأن السفر بالنسبة لي ليس مجرد هواية، بل جزء أساسي من شخصيتي وطريقتي في الحياة. السفر لم يجعلني فقط أكثر انفتاحًا، بل ساعدني على تكوين آرائي وقناعاتي الخاصة، وعلّمني احترام اختلاف الناس والثقافات، وفهم أن لكل شخص حدوده وطريقته في الحياة. وعكس ما قد يظنه البعض، فأنا في الحقيقة شخصية انطوائية بطبعي، أحب الناس وأحب الحديث معهم، لكنني أستعيد طاقتي عندما أكون وحدي. وأكثر اللحظات التي أشعر فيها بالحياة فعلًا هي لحظات السفر، عندما أرى مكانًا جديدًا أو منظرًا طبيعيًا جميلًا خلقه الله.

كيف تشجعين الشابات العربيات على السفر واكتشاف الذات والعالم الأوسع؟

أعتقد أن أكثر ما يخيف الفتاة العربية أحيانًا ليس السفر نفسه، بل نظرة الناس لها. حتى لو لم يتم التصريح بذلك بشكل مباشر، فإننا في مجتمعاتنا العربية نتأثر كثيرًا بآراء المجتمع وتوقعاته، خصوصًا تجاه الفتاة. هناك أيضًا مخاوف طبيعية جدًا لدى الكثير من الفتيات، مثل الخوف من عدم الأمان، أو عدم معرفة التصرف في المواقف المختلفة، أو فكرة الاعتماد على النفس أثناء السفر. ولهذا السبب أشعر أن وجودي على السوشيال ميديا له معنى أكبر من مجرد مشاركة صور أو أماكن جميلة. هدفي دائمًا أن تشعر الفتيات بالثقة والطمأنينة، لذلك أحرص على مشاركة النصائح المتعلقة بالأمان، والتنقل، والتخطيط، وكيف يمكن للفتاة أن تحمي نفسها وتستمتع بتجربتها في الوقت نفسه. وأسعد لحظاتي هي عندما أرى التأثير الحقيقي لهذا المحتوى على الناس. كثير من الأمهات يرسلن لي أنهن سمحن لبناتهن بالسفر لأول مرة بسبب محتواي، وكثير من الفتيات قابلنني في المطارات أو خلال رحلات جماعية وأخبرنني أنهن قررن السفر بعدما شاهدن تغطيتي وشعرن أنني قريبة منهن وأشبههن.

كيف أثّر السفر في صقل شخصيتك وتطورّك كامرأة وإنسانة؟

السفر لم يغيّر شخصيتي بقدر ما ساهم في تكوينها. أشعر أن السفر هو الشيء الذي علّمني الحياة فعلًا، وجعلني أفهم أن الحياة أبسط بكثير مما نظن، وأنها لا تستحق كل هذا الصراع والضغط الذي نعيشه أحيانًا. السفر علّمني السلام الداخلي، وعلّمني أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم والنضج، والأهم أنه علّمني أن نعذر الناس ونحترم اختلافهم، لأن لكل شخص ثقافته وتجربته وطريقته الخاصة في رؤية الحياة. كما أن السفر جعلني إنسانة أهدأ بكثير، وأكثر وضوحًا مع نفسي. جعلني أقدّر قيمة اللحظة الصغيرة، وأفهم أن الامتنان ليس شعورًا مرتبطًا بالأشياء الكبيرة فقط، بل بالتفاصيل اليومية البسيطة. لكن ربما كانت بريطانيا من أكثر التجارب التي غيّرتني على المستوى الشخصي، لأن سنوات الدراسة هناك جعلتني أعتمد على نفسي بالكامل لأول مرة؛ أول منزل أستأجره، أول حساب بنكي، وأول راتب. واليوم أحاول أن أنقل هذا الشعور لابنتي أيضًا، وأن أجعلها ترى العالم منذ صغرها، حتى لو كانت لن تتذكر هذه الرحلات بسبب عمرها الصغير، فأنا سأظل أتذكرها، وستبقى محفورة في قلبي للأبد.

كيف ترين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على صورة السفر والحياة المثالية؟

وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تؤثر على الناس بشكل كبير جدًا، وحتى مع كل محاولاتنا لجعلها مساحة إيجابية، فهي قد تضع ضغطًا نفسيًا على الكثير من الأشخاص، لأن كل شخص يعرض جانبًا من حياته قد لا يكون مناسبًا أو واقعيًا بالنسبة لغيره. وأعتقد أن الأمر يعتمد بشكل كبير على وعي الشخص نفسه وطريقة استخدامه للسوشيال ميديا. فمثلًا، إذا كان شخص يحب السفر ويتابع صناع محتوى السفر ليتعلم منهم أو يكتشف أماكن جديدة أو يفهم كيف يخطط لرحلاته، فهنا يكون المحتوى مفيدًا وملهمًا بالنسبة له. أما بالنسبة لمحتوى السفر نفسه، فأنا أحرص دائمًا على أن أنقل صورة إيجابية ومتوازنة عن الأماكن التي أزورها. لا أحب أبدًا أن أختزل دولة كاملة في تجربة شخصية سيئة، لأن كل مكان في العالم فيه الجيد والسيء، كما أحب أن يكون محتواي هادئًا ومريحًا للمشاهد، لا يستهلك طاقته أو يعتمد على الجدل والمبالغة لجذب الانتباه. وفي النهاية، لا أؤمن بوجود حياة مثالية. أعتقد أن أهم شيء هو أن يكون الإنسان راضيًا عن حياته ويحاول تطويرها وتحسينها باستمرار، لكن بدون أن يعيش في مقارنة دائمة مع الآخرين.

ما  هو الحلم الذي يراودك وتتمنين تحقيقه لمستقبلك؟

أعتقد أن أكبر حلم بالنسبة لي اليوم هو أن أكون إنسانة أفضل، وأن أظلّ راضية عن الشيء الذي أقدمه وعن حياتي بشكل عام. النجاح بالنسبة لي لم يعد مرتبطًا بالأرقام أو الشهرة، بل بالشعور الداخلي بالسلام والرضا. كما أتمنى أن أصل لكل فتاة في أي مكان في العالم تشعر بالخوف من اكتشاف العالم بسبب كلام الناس أو قيود المجتمع. أما السوشيال ميديا، فأنا لا أراها الحلم الأكبر بحد ذاته، بل مجرد وسيلة أعبّر من خلالها عن مشاعري وتجربتي ورؤيتي للحياة. الإنجازات الحقيقية بالنسبة لي موجودة في حياتي الشخصية، في الشخص الذي أصبحت عليه، وفي التجارب التي عشتها، والأثر الحقيقي الذي أتركه في الناس. واليوم، وبعد أن أصبحت أمًا، أصبح لديّ حلماً جديداً أيضًا، وهو أن أعلّم ابنتي كل ما تعلمته من الحياة والسفر والتجارب المختلفة، وأن تكبر وهي مدركة لقيمتها وواثقة من نفسها.

ماذا تقولين للشابة العربية التي تخشى من نظرة المجتمع خلال سعيها إلى تحقيق أحلامها؟

رسالتي لكل فتاة عربية هي ألا تخاف من أن تعيش الحياة بالطريقة التي تشبهها هي، لا بالطريقة التي يفرضها الآخرون عليها. العالم أكبر وأوسع وأكثر جمالًا مما نتخيل، والحياة قصيرة جدًا لنعيشها بخوف دائم من كلام الناس أو المقارنات أو الأحكام.

اقرئي المزيد: آيات الجميلي اختبرت العيش في سيارتها: شغف السفر يرافقني لاكتشاف التجارب الجديدة

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram