مقابلات

هيا آل خليفة: أنتمي للبحرين بكل كياني وقلبي وعقلي وأشبهه بالطيبة والإصرار والشجاعة

بشخصية تشع ذكاء وكاريزما، وحضور محبب وكلمات وتعابير خاصة تحاكي العقل وترافقه من المعاناة والتوتر نحو النور والهدوء وإيجاد السلام، تطل الشابة البحرينية هيا آل خليفة على النساء، لكي تقدم لهنّ كل ما يبحثن عنه لكي يكنّ النسخة الأفضل من الذات. في هذا الوقت الصعب الذي يمر به العالم ولاسيما دولنا العربية، احتجنا إلى رؤيتها ونصائحها، كما وتطرقنا إلى انتمائها الكبير لبلدها وتجليّه في يومياتها. تعرفي عليها أكثر في هذا اللقاء.

تنتقلين بالمرأة التي تقصدك لبدء رحلتها في التغيير وإيجاد السلام من الإرهاق إلى الوضوح وتجلي النور الداخلي، وربما نبحث جميعاً عن هذه النقلة في ظل ما شهده العالم خلال الفترة الماضية، ما هي الخطوة الأولى لتحقيق هذا الأمر؟

بحثت في هذا المجال المتشعب لفترة تفوق 8 سنوات، قرأت وكتبت وحللت، وكانت حصيلة عملي ابتكار منهج أطلقت عليه اسم نبض يمكن اختصاره بثلاث خطوات أساسية ضرورية لإحداث التغيير وهي: النية، البناء، والضياء. بالتالي فالبداية تكون بامتلاك النية في إزالة الطبقات التي بنيناها حول أنفسنا مع التقدم في السن والانحصار بأفكار مجتمعية تثقلنا في معظم الأحيان، منها متابعة الموضة أوالحفاظ على صورة مقبولة من الآخر، وغيرها من الأمور التي قد تبدو بسيطة وثانوية ولكن داخلياً لدينا خوف كبير من مناقشتها وإزالتها والتخلص من عبئها. لذا علينا التراجع قليلاً ولو لبضع دقائق والتفكير: هل لديّ بعض الوقت للراحة والتنفس والتفكير بوضوح وتجلي خلال يومي؟ إذا كان الجواب: لا فعليك التوقف والتفكير بما ينقص لكي تحظي ببعض الوقت مع الذات.

بدأت رحلتك في مجال التعافي قبل انتشار موجة مدربي الحياة، ما هو الحدث الذي ألمّ بك وجعلك تدخلين هذا المجال؟

مررت بحدث في حياتي العائلية حين كنت في أواخر العشرينات من عمري، وسبّب لي إرهاقاً وغرقاً في مشاعر سلبية كثيرة لم أظن أني قادرة على تخطيها، تفوق ربما صعوبة التعامل مع الموت، والذي جربته لدى وفاة جدتي، في تلك الفترة أردت أن أعرف كيف تضرر عالمي واتزاني بهذا الشكل، وفكرت بأنه حتماً هناك من مرّ قبلي بهذه الحالة واختبر قسوة المشاعر واستطاع الخروج منها، فقررت التوقف عن عملي في مجال الموضة، وأخذ عام كامل لنفسي، بدأت بالتدوين وكان طريقي الأول للسلام الداخلي، وصرت أنشر مقالات قصيرة من خلال مدونة باسم: الوفرة. كان اختياري للاسم لتذكير الآخر أنّ في هذا العالم وفرة فرص ومشاعر حسنة وخير أكثر بكثير من الظلام والقسوة، وأنّ الكتابة هي وسيلتنا الوحيدة لإيجادها حولنا.

اعتمدت على الدعاء والكثير من القراءة والتفكير، وحصلت على الخبرة من دورات وجلسات وورش عمل مختلفة في هذا المجال، كما ساعدني حبي الكبير للكتابة في إجادة التدوين، ومع مشاركة ما أكتب صرت أرصد اهتمام النساء بمحتواي، فطورته وصرت ألتقي بالكثيرات من متابعاتي، لمعرفة ردات فعلهم السريعة والعفوية، وعرفت أنهم يحتاجون إلى المزيد ليفهمن أكثر ويستوعبن كيفية التغيير والتطوّر، ومن هنا بدأت رحلتي واستمرت لليوم، فبت أزور العديد من الدول العربية لأقدم جلسات جماعية حضورية وأخرى أونلاين.

هل ترصدين تغيّر في أهمية النظر للصحة النفسية لدى المرأة العربية؟

بالتأكيد اليوم اختلف الأمر عما كان عليه من 8 سنوات، فبات هناك حاجة ملحّة لتحسين النفسية، ومعرفة لمدى تأثر كل نواحي حياتنا بها، فالمرأة حين تكون مرتاحة سينعكس هذا الأمر على كل نواحي حياتها ومهنتها وطموحها، وعلى علاقتها بأولادها وزوجها وصديقاتها ومجتمعها.

ما هي المشاكل المشتركة التي رصدتها بين كل النساء من مختلف الجنسيات اللواتي تلتقين بهنّ في الجلسات؟

أسمع عبارة متكررة هي: فكرت أني الوحيدة أو أنا فقط أمرّ بهذه المشاعر، والسبب ببساطة أننا حين نتحدث بصوت مرتفع عما يزعجنا يكون الرد علينا أننا نبالغ وأنّ الأمر بسيط ولا يستحق التفكير، لذا فنحن نكتم انفعالاتنا ومشاعرنا لكي لا نستمع لانتقادات من البعض، فنصنع قوانيناً ونظماً تحدنا وتمنعنا من التعبير، لذا نحتاج لمن يفهمنا ويصدقنا، وأفتخر أني لعبت في حياة نساء مجتمعي هذا الدور. أقول لكلّ شابة تعاني بصمت: تحدثي واكتبي كل ما يزعجك، فالتغيير ممكن وتهدئة جهازك العصبي المسؤول عن هذه الانفعالات هو أمر سهل، اعتبريه كتمرينك اليومي في النادي الرياضي، خذي هذه المساحة البيضاء، وهي عبارة عن 5 دقائق في كلّ يومك، بعيدة عن كل مصادر الإلهاء ولا سيما وسائل التواصل، ارتاحي في مكان آمن وهادئ، واشحني طاقتك.

نمرّ في فترة ضغط وتوتر وخوف، كيف نحمي أنفسنا ولا نتأثر بالمتغيرات الخارجية حولنا؟

علينا أن نبني ما أسميه “محفظة العافية” وفيها أكثر من تقنية تساعدنا على الاسترخاء، وتشمل بناء نظام داخلي يساعد المرأة لترجع لحالة الأمان والتنظيم بعد الضغط والتوتر والاستنزاف. الفكرة مرتبطة بتنظيم الجهاز العصبي، بناء أدوات للعودة للاتزان، تقليل التشتت والـ overwhelm،  حماية المساحة الذهنية والعاطفية، خلق شعور داخلي بالثبات بدل العيش في حالة رد فعل مستمرة.

 فمحفظة العافية ليست مجرد وسائل للترفيه أو الهروب المؤقت، بل أدوات وممارسات تساعد الإنسان على استعادة شعوره بالأمان والوضوح والقدرة على التعامل مع ضغوط الحياة دون استنزاف دائم، فيساعد التدوين والمساحة البيضاء التي تحدثت عنها سابقاً، شرب الشاي أو القهوة أو أي مشروب مفضل، الخروج مع صديقة للتسلية والتسوق، القيام ببعض التمارين الرياضية ولا سيما المشي، تناول وجبة شهية ومفيدة، الذهاب إلى منتجع أو سبا.. هي تقنيات تختلف بحسب اختلاف كل شابة ووقتها واهتماماتها ونمط حياتها، يمكن اختيار واحدة أو أكثر، فالمهم أن تصلي إلى القليل من السلام والسعادة والراحة الضرورية لكي تتحملي فيض الأخبار والمعلومات والمتغيرات التي تواجهك من كلّ مكان.

ما هي نصائحك للشابات القابعات في التردد وتكرار نفس نمط الأخطاء؟

نحتاج إلى قرار، فنحن نعرف أنّ الاستمرار في عادة ما هو خطأ ولا يفيدنا، ولكننا لا نرغب بالتخلي عما اعتدنا عليه لوقت طويل، فنتفادى أو نؤجل اتخاذ قرار سيتطلب منا إرادة كبيرة وبحث عن بديل، إلاّ أنّ الأمور ستتصلح بمفردها حين نقرر وننفذ ونظل على قرارنا ولا نتراجع سريعاً عنه. نحن نغيّر مسارات عقلية محفورة بقوة داخلنا، الأمر ليس سهلاً ولكنه قابل للتحقق، فنحن لدينا عقل واع قادر على التمييز، ما نحتاجه هو حسن الاختيار ومعرفة ما يناسبنا والسير باتجاهه.

أعادت هذه الفترة مشاعر الانتماء لبلادنا، ما الذي تعنيه لك البحرين وما هي القيمة الثقافية التي تشبهين بلدك من خلالها؟

لقد كانت فترة صعبة بالفعل ومرهقة نفسياً، وأريد بداية أن أشكر قيادة بلدي البحرين الرشيدة التي منحتنا الاطمئنان والأمان لكي ننام في منازلنا كل ليلة ونحن متأكدون أننا سنكون بخير، عرفت في هذا الوقت كم تعني لي بلادي وكم هي غالية، كنت أدعي الله أن يحفظ لنا قيادتها وأرضها وبحرها وبرها وشعبها الطيب والمحب، فأنا أعشق كل ما نحن عليه، وأنتمي بقلبي وروحي وكياني لبلدي، وأشبهه بالكثير من الصفات أهمها الطيبة والثبات والقوة والشجاعة.

ما هي الأعمال التي تخططين لها في الفترة المقبلة؟

أنوي الاستمرار في تمكين المرأة ومساعدة النساء في إيجاد التوازن والتصالح والسلام لكي يصرن النسخة الأفضل من أنفسهن، سواء من خلال جلسات خاصة أم جماعية، كما أستمر في علمي وبحثي سواء الأكاديمي او التطبيقي، وقد أسست منصة جديدة بعنوان “نبض”، لنكون مجتمعاً ينبض بالخير والأمان والسعادة والطاقة الجميلة لأنفسنا ولكلّ من حولنا.

اقرئي المزيد: يارا الحقباني: القوة في الانضباط والصبر والثقة بالنفس

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية