لطالما شكّلت الثقافة ركيزةً أساسية في عالم الموضة الفاخرة، فقد رسمت ملامحه وصاغت هويته عبر عقود متعاقبة. وحين نعود إلى تاريخ هذا العالم، نجد أن دور الأزياء الكبرى نشأت من رحم ثقافات بعينها، فقد حمل مؤسسوها معهم إرثهم وموروثهم، وجعلوا منه أساساً لكل ما بنوا. هذا الانتماء إلى المكان والجذر لا يزال حاضراً في صميم هذه الدور حتى اليوم، لكن المشهد بات يتغير بشكل لافت، إذ لم تعد الثقافة الواحدة هي المحرك الوحيد للإلهام. باتت دور الأزياء تستقي من ثقافات العالم بأسره، وتُبدع مجموعات تحتفي بالتنوع الإنساني في كل تجلياته، لتكون النتيجة جمهور أرحب يجد نفسه أخيراً في قلب عالم الموضة الفاخرة.
وعلى مرّ السنين، تغيّرت طبيعة العلاقة مع المنتجات الفاخرة تغيّراً جذرياً. فلم تعد مجرد رمز للثروة يسعى صاحبه إلى إبرازه، بل تحوّلت إلى تعبير عن وعي شخصي وثقافي عميق. فالعاشق الحقيقي للفخامة، ولا سيما من الجيل زد، لا يقتني منتجاً من علامة تجارية معيّنة لأنها الصيحة، بل لأنه يعرف قصتها ويتماهى معها. إنه يبحث عن شيء يعكس هويته ويُعبّر عن ذوقه الخاص، بل ويصنع بذلك صيحته الخاصة. هذا التحول أتاح لجمال الثقافات المتنوعة أن يُعيد تأطير إرث دور الأزياء الكبرى، حيث بات يُنظر إلى الحرف اليدوية التقليدية من منظور التراث الثقافي، وأصبحت الأصالة السرد القصصي في صميم ما يربط المستهلك بالعلامة التجارية. واليوم، ومع التأثير الطاغي للجيل زد على دور الأزياء الفاخرة بفضل منصات التواصل الاجتماعي التي حوّلت ثقافات العالم إلى قوة تأثير فوريّة، باتت العلامات الكبرى تُولي اهتماماً بالغاً لقيم الشمولية، في ما يخص العرق والجنس والاستدامة والشفافية والهوية، ما دفعها إلى إعادة التفكير في طريقة تواصلها مع جمهورها.


“تميل الأجيال الشابة إلى التجريب بدلاً من الولاء للعلامات التجارية، وتُقدّم الأهمية الثقافية على ما سواها، وتنحو نحو أسلوب السرد القصصي عبر منصات التواصل الاجتماعي أولاً.” – bcg.com
والثقافة اليوم تؤدي دوراً محورياً في كيفية تفاعل الجيل زد مع عالم الأزياء الفاخرة، إذ أصبحت تتمحور اهتماماته حول القصة والهوية والانتماء. وفي المقابل، لم تعد الدور الكبرى تكتفي بثقافتها الأصيلة مصدراً للإلهام، بل باتت تمزج مرجعيات تاريخية من أصقاع العالم المختلفة وتُدخلها في حوار مع الثقافات الفرعية المعاصرة، فتولد مجموعات متعددة الطبقات الثقافية، لا تنتمي إلى ثقافة واحدة بعينها. ومن أبرز العوامل التي أفضت إلى هذا التحول توسّع منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها Instagram و TikTok، التي أعادت رسم خريطة الموضة وأخرجتها من حدودها الجغرافية إلى فضاء عالمي مفتوح. فلم تعد الصيحات حكراً على المجموعات الموسمية التي تطلقها الدور الكبرى، إذ أصبح عالم أزياء الشارع والمجتمعات المتخصصة في طليعة الصيحات وما يُحرّك الرغبة.
“لم يعد الإرث هو ما يحدد قيمة العلامة التجارية، كما أن الولاء لها بات أقل أهمية من الصلة الثقافية والأصالة وطاقة المبدعين. هذا الجيل منحاز إلى المنتج أكثر من انحيازه للعلامة.” – bcg.com



من أبرز التأثيرات التي تتصاعد اليوم، موجة الحنين إلى الماضي وإعادة مزج الثقافات، حيث تستقي العلامات التجارية إلهامها من حقب كالتسعينيات ومطلع الألفية الثالثة. فقد تحوّلت جماليات Y2K من مجرد بعث لذكريات إلى اتجاه راسخ وناضج، يقف بأناقة على الخط الفاصل بين الماضي والحاضر. ولم يأخذ الجيل زد أسلوب مطلع الألفية كما هو، بل انتقى منه عناصر معيّنة ومزجها بثقافات أخرى ليصنع توازنه الخاص بين الحنين إلى الماضي والحداثة. والموضة في أصلها دائماً ما تعود لتستلهم من الماضي، غير أنّه بالنسبة للجيل زد يمثل هذا أرقى صور الإبداع، إذ يتيح لكل فرد المزج والتنسيق بما يعكس أسلوبه الشخصي الخاص.
وقد أعادت عناصر Y2K المحدّثة التي هيمنت على المواسم الأخيرة إحياء قصّات سروال الجينز الواسع والمريح وبناطيل الكارغو، إلى جانب مزج الألوان الحيويّة والطبعات والأقمشة المحبوكة والخامات المزخرفة بلمسات معدنية ولامعة. ويشهد عالم الموضة أيضاً صعوداً ملحوظاً لاتجاه التطريز الثقيل والترصيع بالخرز المستوحى من الحرف اليدوية التقليدية في الهند، كما يواصل الأسلوب البوهيمي الذي يعود إلى القرن التاسع عشر هيمنته على مدارج عروض الأزياء منذ سنوات. أما التعاونات سواء بين دور الأزياء الفاخرة، أو مع عوالم الفن والموسيقى وثقافة الشارع والمشاهير، فتمثّل النموذج الأمثل على التنوع الثقافي، إذ تُمهّد الطريق لاندماج عوالم متباينة في نتاج إبداعي يلامس رغبة الجيل زد في البحث عن شيء فريد ومتميز بعيد المنال. وقد بات الاعتراف بالثقافات الفرعية داخل عالم الفخامة واضحاً مع صعود موجة الـ Streetwear التي كانت يوماً منفصلة عن الموضة الفاخرة، أمّا اليوم، فقد انكسر ذلك الحاجز بينهما، ما يدلّ على أن توجهات الموضة لم تعد تُملى من الدور الكبرى وحدها، بل تنبع من المجتمعات والمبدعين والجمهور الرقمي.


البحث عن علامات تجارية تعكس القيم الشخصية بات أحد المحركات الجوهرية للجيل زد في ظل تحول واضح في رغبات المستهلك وسلوكه. فالحاجة إلى الشعور بأن القيم ممثَّلة والإحساس بالانتماء، دفعا الأجيال الشابة إلى البحث عن علامات تجارية تتقاطع مع أخلاقياتهم ورغباتهم الشخصية، وهو ما فتح الباب أمام تسليط الضوء على أهمية الهوية الثقافية. في الماضي، كان محبّي المنتجات الفاخرة ينجذبون إلى منتج ما لأنه رائج ببساطة، من دون أن يتوقفوا كثيراً عند معناه أو دلالته. أما اليوم، فقد تغيّر هذا المنطق كلياً، إذ بات المستهلك يبحث عمّا يُعبّر عنه ويجسّد شخصيّته. المسألة لم تعد تتعلّق بامتلاك شيء غالٍ ورائج، بل في إنفاق المال على شيء له معنى ويترك أثراً، وقبل كل شيء، يصمد مع الزمن. الجيل زد اليوم لا يسير خلف الموضة، بل يُعيد تشكيل الصناعة من أساسها، ليجعلها تُركّز على منتجات تعكس التنوع الثقافي وتتحدث بلغته. وبين جميع الأجيال، يبقى الجيل زد الأكثر تنوعاً والأعمق اتصالاً بالعالم الرقمي والأكثر حريّة في تشكيل هويته، فالثقافة بالنسبة لهم لم تعد شيئاً يرثونه عن أهلهم أو مجتمعهم، بل هي شيء يبنونه ويعيدون صياغته ويطوّرونه، ليُقدّموه في نهاية المطاف إلى جمهور عالمي بأسره.

اقرئي المزيد: Gucci تحوّل ساحة تايمز سكوير إلى منصة عرض للكشف عن مجموعة Cruise 2027
















