مع ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعنا العربي، يصبح قرار الزواج أكثر صعوبة على المرأة التي باتت مستقلّة ماديّاً وقادرة على تحقيق معظم أحلامها، فهي حصّلت المزيد من الحقوق ووصلت إلى أعلى المراتب. واليوم، لم يعد الارتباط في أعلى سلّم أولويّاتها كما كان الوضع في السابق، ولكنّه مهمّ جدّاً بالنسبة إليها ولا شكّ أنّها ترغب في أن يتكلّل بالنجاح كي تكتمل حياتها فلا يكون هذا الموضوع عائقاً أمامها بل وسيلة للوصول إلى الاكتفاء العاطفي والنفسي ودافعاً لتحقيق المزيد من النجاحات على الصعيد المهني. فكيف تتأكّدين من أنّ خيارك للشريك صحيح، وما السبيل كي ينجح الزواج ويصبح مصدراً للإحساس بالأمان والقوّة والثقة بالنفس؟
حول هذا الموضوع، تقول فدوى القرشي، وهي اختصاصيّة نفسيّة في علم النفس التنموي ومدرّبة مرخّصة على برنامج الأبعاد الشخصيّة أو Personality Dimensions وعضو في الجمعيّة الأميركيّة لعلم النفس: «في يومنا هذا، يعيش كلّ من الرجال والنساء صراعاً داخليّاً بسبب الانفتاح السريع على ثقافات العالم الخارجي والغربي نتيجةً لثورة مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت وعدم الإدراك الكافي لاختلاف قيم هذا العالم عن قيم المجتمعات العربيّة».
التأثّر بمواقع التواصل
تضيف فدوى: «من جهة ثانية، تأثّرنا الشديد بمواقع التواصل الاجتماعي لدرجة وصلت أحياناً إلى حدّ الإدمان أثّر على معظم علاقاتنا الاجتماعيّة، وليس فقط على العلاقة بالشريك، ما هدّد هذه العلاقات وأوصل بعضها إلى الفشل».
من هذا المنطلق، لا بدّ من إعادة التفكير بأهميّة العلاقات الاجتماعيّة وتقديرها وإيلائها الاهتمام الكافي، وهذا الأمر ينطبق على العلاقة بالرجل الذي تنوي المرأة الارتباط به، وتقول القرشي: «يجب تخصيص الوقت اللازم للتعرّف إلى الشخص واختباره بأكثر من طريقة وطرح أسئلة ذكيّة لتبيان مدى صدقه، فالكثير من الرجال يظهرون في فترة التعارف أو الخطوبة صفات ليست فيهم ولا تعكس حقيقتهم، والمشكلة الأكبر أنّ بعض النساء يرين السيّئات ويتغاضين عنها بسبب عاطفتهنّ الجارفة، وبعد الزواج والعيش تحت سقف واحد تبدأ المشاكل حين يظهر الطرفان على حقيقتيهما ويصبح من الصعب الاستمرار بالتمثيل».
رصد العلامات
وتستفيض مدرّبة الحياة في شرح فكرتها فتقول: «ثمّة علامات واضحة ترصدينها حين تقرّرين الاستماع إلى ما يقوله شريكك بدلاً ممّا تودّين أنت سماعه، ما يعني أنّه عليك تجنّب الأوهام وفكرة أنّك قادرة على تغيير الرجل بعد الزواج، فلا أحد يتغيّر… يجب أن تكوني حاسمة وتقرّري منذ البداية ما إذا كان بإمكانك العيش مع هذا الرجل أم لا».
وترى القرشي أنّه في حال قرّرت المرأة الاستمرار يجب أن تتحمّل بعض المشاكل البسيطة وتتنازل أحياناً وتخفّف من العناد. كذلك، يجب ألّا تحمّل الرجل بمفرده مسؤوليّة إنجاح الزواج، فهي شريكة وفاعلة، وعليها أن تدعمه مثلما تتلقّى الدعم والمساعدة، وأن تحبّه وتتفانى في العطاء كي يبادلها بالمثل، وحين يحصل ذلك ستعيش سعيدة وستلاحظ كيف انعكس الاستقرار في حياتها الشخصيّة على نفسيّتها، فازداد اندفاعها في العمل وباتت أكثر ثقة بنفسها ما ساعدها على الإحساس بأنّها مهمّة في حياة الشريك، وحين يصلها هذا الإحساس يزداد شعورها بالأمان وتزيد من عطائها فهي في الأساس كائن معطاء.
التعايش مع الآخر
وتقول القرشي: «يجب أن يقدم الطرفان على الزواج باعتباره خطوة تستوجب التطوير والعمل المستمرّ، فعلى كلّ منهما التأقلم مع الآخر وتغيير نفسه للتعايش مع الشريك: الأساس هو الإيجابيّة والتفاهم والنيّة الصالحة والعقلانيّة وعدم خلط الأمور وتطوير لغة التواصل وتوضيح التوقّعات منذ البداية حتى لا يقع الثنائي في تصوّرات خاطئة، فالزواج أساسه الدوام وهو ليس مجرّد لقاء بالصدفة».
وتوجّه القرشي رسالة إلى المرأة تطالبها فيها بالتمييز بين الواقع والمسلسلات الدراميّة والقصص الرومانسيّة فتقول: «أنصح المرأة بأن تعرف نفسها ورغباتها أوّلاً وبألّا تستضعف نفسها أو تقبل التصغير وعدم الاحترام والتبعيّة العمياء أو أيّ نوع من أنواع التعنيف، إذ عليها أن تكون مستقلّة ذهنيّاً وفكريّاً فلا تخضع للضغوط الاجتماعيّة المزيّفة التي قد تتنافى مع إمكانيّات الزوج فترهقه أو تشعره بالعجز، بل تعتبره شريكها، فأيّ أمر يفيده يفيدها وأيّ شيء يؤذيه يؤثّر سلباً عليها».
















