على مدى السنوات الماضية، شهدنا تحوّلات عميقة في سلوك المستهلكين وعادات الشراء، ولا سيّما في عالم الموضة، وكان للاستخدام المكثّف للمنصّات الرقمية الدور الأبرز في تسريع هذا التغيير. فمن خلال منصّات مثل Instagram و TikTok، باتت صيحات الموضة تظهر وتنتشر بسرعة غير مسبوقة، لتختفي بعد فترة قصيرة وتُستبدل بأخرى، ما أحدث حالة من الإرهاق الذهني الناتج عن تغيّر الصيحات السريع. وفي هذا السياق، بدأ الجيل زد ينظر إلى الموضة من زاوية مختلفة، قائمة على الاستمرارية وطول العمر بدلاً من اللهاث خلف التغيير الدائم، متجهاً نحو ما يدوم ويحتفظ بقيمته مع مرور الوقت.
وقد ساهمت عوامل عدّة في هذا التحوّل الجذري الذي نشهده اليوم، في مقدّمها تغيّر الأولويات، حيث لم تعد الاستمرارية مجرّد خيار جمالي، بل أصبحت مسؤولية أخلاقية في ظلّ الأثر البيئي الكبير الذي خلّفته الموضة السريعة. فبناء خزانة ملابس اليوم يقوم على الانتقال من الرغبة في امتلاك الكثير إلى السعي نحو الأفضل، حيث تُختار القطع المصنوعة بإتقان لقدرتها على الصمود عبر المواسم، وتصبح الجودة أولوية لا يمكن التنازل عنها. وهكذا، أعادت الموضة تعريف نفسها بوصفها مساحة تلتقي فيها الخلود والصحّة النفسية والاستدامة، ضمن رؤية متكاملة تجعل من طول العمر قيمة أساسية في عالم الأزياء.

وتحظى الملابس المريحة غير المقيِّدة، أي القصّات الواسعة التي تجمع بين الراحة والأناقة، باهتمام متزايد لدى الأجيال الصاعدة. وقد نجحت علامات معاصرة مثل The Row و Loewe وTove و Max Mara في ترسيخ أسلوب خاص يقوم على التوازن بين الراحة والرقي. واستجابةً لرغبة المستهلكين في بناء خزانة ملابس خالدة تتجاوز الصيحات الموسميّة وتتّسم بالجودة وطول العمر، تقدّم هذه العلامات مجموعات تعتمد القصّات الكلاسيكية، من سترات وبناطيل مفصّلة بعناية، إلى معاطف وفساتين وقطع علوية بسيطة عابرة للمواسم، يمكن ارتداؤها بطرق متعدّدة وعلى فترات طويلة. كما اتجهت لوحات الألوان نحو الدرجات الحيادية، مثل الأبيض والأسود والبيج والرمادي والدنيم، ما يتيح تنسيق القطعة الواحدة بأساليب مختلفة تناسب مناسبات متنوّعة. وفي المقابل، تراجعت الألوان الصارخة والقطع المزدحمة بالشعارات، لتحلّ محلّها البساطة والفخامة الهادئة التي تعبّر عن الجودة وطول العمر. وبما أنّ الجيل زد نشأ في ذروة انتشار الموضة السريعة، وتعرّض عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى فيض من الصور والمعلومات حول دورات صيحات الموضة والصيحات العابرة، بات يشعر بالإرهاق من كثرة المعلومات التي يتعرّض إليها. ومع تسارع تبدّل الصيحات، بدأ هذا الجيل يفقد اهتمامه بما هو آنيّ، ويتّجه نحو مفهوم جديد يركّز على القطع التي تحمل قيمة عاطفية وأخلاقية، وتبقى ذات صلة مع مرور الزمن. فإذا لم تكن القطعة قادرة على الاستمرار لعام أو اثنين على الأقل، أصبحت أقل جاذبية، ما عزّز الاهتمام بنموذج موضة أكثر بطئاً يقوم على الشراء الأقل، والاختيار الأفضل، والتركيز على القطع الحيادية التي لا تخضع لتقلّبات الموضة.


وفي ما يتعلّق بالأسلوب الجمالي والرؤية الإبداعية، يُبدي الجيل زد رغبة واضحة في المزج بين حقب مختلفة وقصّات متنوّعة، لبناء خزائن لا تخضع للصيحات العابرة. وقد أسهم ذلك في عودة أنماط مثل الأزياء الرياضية اليومية الأثليجر ونمط Y2K والأسلوب العملي Utility وموضة الشارع، وكلّها أنماط تجمع بين الراحة والوظيفية في الحياة اليومية. كما تحتلّ مفاهيم الوعي الذاتي والتعبير عن النفس مكانة محورية في اختيارات الملابس، حيث لم تعد الأزياء مجرّد رمز للمكانة الاجتماعية، بل وسيلة للتعبير عن الهوية وبناء علاقة شخصية بين الفرد وأسلوبه. ويُتيح الاعتماد على قطع أساسية متعدّدة الاستخدام الحصول على إطلالات متنوعة وإعادة تفسيرها مع مرور الوقت، بما يعزّز مفهوم الخلود الممزوج بالتخصيص. ويُنظر إلى طول العمر في الموضة بوصفه تطوّراً مستمرّاً للقطعة، حيث يمكنها أن تنضج وتتكيّف وترافق صاحبها عبر مراحل مختلفة من الحياة. ومن خلال القصّات القابلة للتعديل والتصاميم الحيادية والألوان الكلاسيكية والقطع المتعدّدة الوظائف، يصبح بالإمكان بناء خزانة مرنة قادرة على الصمود على المدى الطويل.

وخلال السنوات الأخيرة، شهدنا تحوّلات ثقافية واسعة أولت أهمية متزايدة لفكرة العيش بشكل أفضل ولمدّة أطول، سواء عبر الوعي الصحّي أو أنماط الحياة التي تراعي الكوكب والرفاه النفسي والجسدي. وعلى الرغم من الدور المتناقض الذي تؤدّيه وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنّها باتت تشكّل مساحة للتثقيف، خاصةً مواقع مثل TikTok و Instagram، حيث أنّه لم يعد المحتوى يقتصر على استعراض الصيحات، بل اتّجه نحو الشفافية ومشاركة التجارب الواقعية، من خلال شروحات ونقاشات صادقة حول المنتجات. وبالنسبة إلى الجيل زد، لا يقتصر الأمر على التعبير عن الذات فحسب، بل يمتدّ إلى الالتزام بالاستدامة والشفافية، ما أدّى إلى ازدهار التسوّق من المتاجر التي تقدّم ملابس مستعملة واعتماد أنماط حياة أكثر وعياً. فالشفافية تبني الثقة، وتعيد صياغة القيم، وتُرسّخ توقّعات واقعية بعيدة عن المثالية الزائفة.


ومع هذا التحوّل المتسارع، بات الابتعاد عن الموضة السريعة أكثر وضوحاً، إذ يركّز المستهلكون اليوم على الجودة بدلاً من الكمية. ويتحقّق طول العمر في الموضة عبر تغيير النظرة إلى الرغبات والاهتمامات، والابتعاد عمّا هو مؤقّت. فبناء خزانة كبسولية قائمة على قطع أساسية بألوان حيادية، والاستثمار في قطع خالدة مثل الحقائب والأحذية، يساهم في ترسيخ مفهوم الاستدامة والمتانة، ويحدّ من اقتناء قطع تفقد بريقها سريعاً. ومع التأثير المتنامي لجيل زد ووسائل التواصل الاجتماعي في صناعة الأزياء، أصبحت هذه التحوّلات أكثر بروزاً؛ إذ انتقلت الخيارات من السعي وراء كل ما هو رائج إلى تفضيل ما هو مريح وبسيط وقادر على الصمود مع الوقت. ومن خلال تقليل القيود التي تفرضها الصيحات، بات المستهلكون أكثر قدرة على التعبير عن شخصياتهم والتكيّف مع أنماط حياتهم، من دون الشعور بضغط الصيحات. وهكذا، مهّدت الفخامة الهادئة والقصّات المريحة والأقمشة الخفيفة والتنسيق السلس، إلى جانب الشفافية والاستدامة، الطريق نحو أسلوب حياة أكثر توازناً، حيث أصبح الاهتمام بطول العمر في الموضة اتجاهاً قائماً بذاته.
اقرئي المزيد: السكينة والمينيمالية والبساطة تتجلّى في مجموعة Prada لرمضان 2026
















