ديكور

Maywand Jabarkhyl  الحفاظ على الحرف يعني صون الذاكرة الجماعية وضمان استمرارية التراث الثقافي الإماراتي

التراث هو عدد من الموروثات الثقافية التي تربط ماضي الشعوب بحاضرها ومستقبلها، فهو صورة عن هويتها وقيمها، يشمل المعالم التاريخية والآثار والفنون المعمارية والتصميمية، كما تعد العادات والتقاليد والأغاني والأمثال الشعبية جزءاً منه. ولأنّ للعمارة والديكور حيّز مهم من التراث، سنلقي الضوء على أهم العناصر التي تميّز التراث الإماراتي وتتجلى في مجال التصميم.

لطالما اعتُبرت المجالس الأرضية جزءاً من التراث الخليجي ومنه الإماراتي، وتقوم على الجلسات الأرضية المنخفضة مع إضافة “المساند” للظهر لتوفير الراحة للضيوف، تزيّن بوسائد “السدو” ذات النقوش البدوية، وهو نوع من النسيج تقوم بحياكته المرأة في المجتمعات الريفية، مع الألوان المستوحاة من الصحراء، تبدأ من درجات البيج والأبيض الرملي، إلى الأصفر الخفيف، والبني المحروق، مع إمكانية إبراز تفاصيل معدنية وأخشاب منقوشة. 

تبرز أيضاً المشربية التي تخفف من قوة شمس الصيف الحادة، مع النقوش على الألواح الخشبية المحفورة كفواصل أنيقة تزين النوافذ، مما يسمح بتصفية الضوء وتخفيفه. كما يوجد العديد من الخامات الطبيعية المستدامة من البيئة المحلية مثل سعف النخيل المجدول أو الخوص، حيث تتوفر منه أكسسوارات منزلية مثل السلال والأطباق والتحف، ويستخدم الحجر الطبيعي للأرضيات، والأخشاب الصلبة لتصنيع الأبواب والأسقف. أما لتزيين الحائط، فتبرز لوحات بالخط العربي أو تلك المحفورة على الخشب بأبيات شعرية، مع تواجد مساحة مهمة للسجاد العتيق المنسوج يدوياً ذي النقوش التراثية على الأرضيات. أما الفوانيس النحاسية والمباخر، فهي تتواجد في المناسبات الخاصة والأعياد لإضافة أجواء شرقية أصيلة السجاد.

قدم مجال التصميم الداخلي الحديث في الإمارات توازناً مثالياً بين هذه العناصر وبين الأنماط العصرية، فتمّ تكريم تقاليد المنطقة والحِرف البدوية فيها وإدخالها بسلاسة ورقي وتوازن في الأثاث المعاصر، لتُظهر المنازل الإماراتية الحديثة روح الضيافة وثقافة أهل هذا البلد الذي يذهل العالم بتنوعه الثقافي والحضاري، واحتفاظ أبنائه في الوقت نفسه بهويتهم وقيمهم ورموزهم التراثية.

مؤخراً تم توقيع اتفاقية تعاون بين FBMI وهو مشروع أو مبادرة الشيخة فاطمة بنت محمد بن زايد الإنساني والاجتماعي، ووزارة الثقافة الإماراتية، بهدف تمكين الحرفيين والمبدعين المحليين. وهي خطوة مهمة لتعزيز العمل الإبداعي والحرفي في الدولة، وقد التقينا المدير العام للمبادرة Maywand Jabarkhyl ليحدثنا عن أبعاد هذا التعاون وتجلياته على أرض الواقع للارتقاء بدور العمل الحرفي والتراثي. يقول Jabarkhyl “يمثّل هذا التعاون مع وزارة الثقافة الإماراتية إنجازًا هامًا نعتز به كثيرًا. فهو امتداد طبيعي لنموذج التنمية المجتمعية المستدامة الذي تتبناه مؤسسة FBMI منذ تأسيسها عام 2010. على مدار الستة عشر عامًا الماضية، انصبّ تركيزنا الأساسي على تمكين المجتمعات مع الحفاظ على الفنون والثقافة كأساس للنمو المجتمعي. من خلال هذه الاتفاقية، ننقل خبرتنا الميدانية الواسعة في دعم الحرفيين والإنتاج المستدام إلى البيئة المحلية. نتطلع إلى العمل جنبًا إلى جنب مع الوزارة لتمكين الحرفيين والمبدعين الإماراتيين، وتزويدهم بمنصات قوية تُعزز مكانة حرفهم في الاقتصاد الإبداعي المعاصر”.

برأيك، ما أهمية الحفاظ على الحرف اليدوية التقليدية في دولة الإمارات العربية المتحدة؟

الحرف اليدوية التقليدية أكثر بكثير من مجرد سلع مادية؛ إنها لغة حية نابضة بالحياة، تروي الهوية الوطنية الراسخة والتاريخ الثقافي الغني لدولة الإمارات. إن الحفاظ على هذه الحرف يعني صون الذاكرة الجماعية للمجتمع وضمان استمرارية التراث الثقافي عبر الأجيال. تعزز الحرف اليدوية “الاستدامة الثقافية” وتمنح المبدعين المعاصرين جذورًا راسخة للإبداع، مما يسمح لهم بتقديم تصاميم فريدة للعالم تحمل في جوهرها روح ورموز الثقافة الإماراتية الأصيلة.

كيف يُسهم استمرار الحرف اليدوية في الحفاظ على التراث والثقافة الإماراتية؟

يضمن الحفاظ على الحرف اليدوية حماية المهارات والتقنيات القديمة مثل السدو والتلي والخوس ونسج السجاد المتقن، من الاندثار. عندما يواصل الحرفيون الإنتاج، فإنهم يحولون التراث من مجرد معروضات متحفية جامدة إلى مكونات ديناميكية في الحياة اليومية والاقتصاد الإبداعي الحديث. يفتح هذا الاستمرار قناة حيوية للحوار الثقافي العالمي، مما يجعل القطعة الإماراتية الأصيلة المصنوعة يدويًا بمثابة سفير ثقافي يمثل قيم الدولة وفنونها وتراثها على المحافل الدولية المرموقة. 

كيف تفتحون في FBMI قنوات التواصل والتفاعل مع الحرفيين، لدعم وصول منتجاتهم المستدامة إلى جمهور أوسع؟

في مؤسسة  FBMI، نعتمد على استراتيجية متكاملة تجمع بين الجانبين التجاري والفني لربط الحرفيين بالأسواق الإقليمية والعالمية. نوفر منصات عرض دائمة، مثل صالة عرضنا الرئيسية في حي دبي للتصميم (d3)، إلى جانب مشاركتنا الفعّالة والمستمرة في فعاليات ثقافية كبرى مثل معرض أبوظبي للفنون وأسبوع دبي للتصميم. علاوة على ذلك، نعقد شراكات تصميم حصرية مع دور أزياء عالمية فاخرة مرموقة مثل كارتييه وبياجيه، ومصممين إقليميين بارزين لإعادة ابتكار الحرف التقليدية بلمسة عصرية. كما تُعزز شراكاتنا الاستراتيجية مع جهات حكومية، كوزارة الثقافة، أثرنا الاجتماعي وتوسع نطاق جمهورنا بشكل ملحوظ.

هل تعتقدون أن جيل الشباب يُدرك أهمية الحرف اليدوية وقيمتها الأدبية والثقافية؟

نعم، نشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الوعي وشغفًا حقيقيًا لدى جيل الشباب، لا سيما عندما يرون كيف تندمج الحرف التقليدية بسلاسة في العمارة الحديثة والتصميم المعاصر الراقي. يبحث شباب اليوم بنشاط عن منتجات ذات أثر إنساني وعمق ثقافي كبير. نعمل بنشاط على تنمية هذا التقدير من خلال مبادرات تعليمية هادفة، كان آخرها من خلال مساعينا الأدبية، مثل نشر كتب الأطفال مثل كتاب “سجادة السلام”، الذي يربط بشكل جميل بين قيمة العمل الحرفي والتعليم والتسامح، ويغرس احترامًا عميقًا للقصة الإنسانية وراء كل منتج مصنوع يدويًا.

أخبرنا عن مشروعيZuleya  و Mira Farms اللذان ساهمت من خلالهما في إيصال الإنتاج الأفغاني المستدام إلى قلب الإمارات، وما عناه ذلك من تبادل ثقافي وتراثي كبير.

يعدّ المشروعان الذراعين التجاريين الأساسيين اللذين يحوّلان الرؤية الإنسانية لمبادرتنا في الإمارات إلى واقع مستدام. فـZuleya  هي علامتنا التجارية المتخصصة في تجارة التجزئة الراقية، حيث تُقدّم سجادًا فاخرًا وحرفًا يدوية مصنوعة يدويًا بالكامل باستخدام مواد طبيعية وأصباغ نباتية. ولضمان الاستدامة على المدى الطويل، يُعاد استثمار 100% من الأرباح بشكل مستمر ومباشر في المبادرة لتوسيع نطاقها الإنساني.

أما Mira Farms فتركز على قطاع الزراعة المستدامة. ندعم حاليًا وندرب ونوظف أكثر من 1500 مزارع لزراعة الفواكه المجففة والمكسرات والزعفران الفاخر، العضوية بالكامل والخالية من المواد الكيميائية، ونُقدّمها مباشرة إلى سوق الإمارات. وهذا يُنشئ رابطًا اقتصاديًا مباشرًا وأخلاقيًا بين المزارع والمستهلك. هدفنا هو ربط المزارعين بالسوق العالمية.

إن هذا التحول عميق، ومغيّر للحياة، وقابل للقياس. حتى الآن، نجحت مبادرتنا في توظيف آلاف الحرفيين والمزارعين، 70% منهم من النساء والأرامل، مما جعلهم فعلياً المعيلين الرئيسيين لأسرهم. لقد نجحنا في إلحاق أكثر من 20,000 طفل بالمدارس النظامية، مما يضمن مكافحة عمالة الأطفال بشكل فعّال وبناء مستقبل أفضل للمجتمع.

يتمتع المستهلكون في الإمارات بذوق رفيع؛ فهم لا يشترون مجرد سجادة أو منتج زراعي، بل يُقدّرون بشدة الحرفية المتقنة والقصة الإنسانية النبيلة التي تقف وراءها. وكان الدعم الكبير من قيادتنا الرشيدة حافزًا رئيسيًا لنا. ويشمل ذلك التأييد المباشر والملهم لمنتجات Mira من قبل العائلة المالكة، والتقديم التاريخي لسجادة السلام الشهيرة كهدية رسمية من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى قداسة البابا فرنسيس الراحل عام 2016، وقد ساهمت هذه اللحظات بشكل كبير في توسيع المعرفة العامة، مما أتاح للناس اكتشاف التراث الثقافي الغني والإبداع الفني لأفغانستان بما يتجاوز الصور النمطية السائدة.

برأيكم، ما أهمية الحفاظ على الرموز الثقافية والتراثية الإماراتية في مجالات التصميم والإبداع؟

يُعدّ دمج الرموز التراثية في التصميم المعاصر أمرًا حيويًا للحفاظ على هويتنا الوطنية ديناميكية وحيوية ومواكبة للعصر. تُشكّل هذه الرموز جوهر الهوية الثقافية للمجتمع. فعندما يمزج المصممون بسلاسة عناصر مثل نسيج السدو أو الخط العربي في جماليات عصرية، كما في تعاوناتنا المتميزة مع مصممين مثل الجود لوتاه وعبد القادر الريس، فإنهم يُظهرون للعالم أن التراث الإماراتي يتميز بتنوعه وتطلعه للمستقبل وقدرته الكاملة على قيادة التوجهات الإبداعية العالمية. وهذا يُرسّخ شعورًا قويًا بالفخر الوطني والتميز الثقافي.

اقرئي المزيد: أنواع الزخارف الإسلامية ومعانيها

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية

Instagram