بسبب الازمات المتكررة التي تمرّ بها المنطقة، قررت مجلتنا اجراء مقابلة مع هيا البيطار، خبيرة القيادة والتحوّل الشخصي، ومدرّبة علم الوجود اي الأنطولوجيا، والمعالجة بالفن، للتعرف أكثر على كيفية التعامل مع اطفالنا ومراهقينا في هذه الفترة.
كيف نتحدث مع الأطفال عن الصراعات الإقليمية من دون زيادة خوفهم
الأطفال لا يستوعبون المعلومات أولًا، بل يستشعرون الطاقة من حولهم. فهرمونات التوتر مثل الكورتيزول قد تنعكي عبر لغة الجسد، نبرة الصوت، طريقة التنفّس، وتعابير الوجه. وغالبًا ما يمكننا أن نشعر بتوتر شخصٍ ما حتى من دون أن يقول كلمة واحدة. فالجهاز العصبي ينتقل تأثيره من شخص إلى آخر.
قبل التحدث مع الأطفال عن حالة عدم اليقين أو الصراعات، تبقى الخطوة الأهم هي تهدئة أنفسنا أولًا. قبل أكثر من 2500 عام، تحدّث سقراط عن مفهوم الأنطولوجيا، أي “طريقة وجودنا في العالم”، والتي تتشكّل من ثلاثة عناصر: الجسد، والمشاعر، واللغة. وعند الحديث مع الأطفال، تصبح هذه العناصر أهم من الحقائق نفسها.
- هل جسدكِ متوتر أم متوازن؟
- هل تحاولين كبت خوفك أم التعامل معه؟
- هل كلماتكِ درامية أم مطمئنة؟
الأطفال ينظّمون مشاعرهم من خلال البالغين. فإذا كان جهازكِ العصبي هادئًا، سيهدأ جهازهم أيضًا. لذلك احرصي على أن تكون الشروحات بسيطة ومناسبة لعمرهم، وتجنّب التفاصيل المرهِقة. ركّزي على ما هو ثابت وحقيقي مثل:
- “هناك أشخاص يعملون على حماية الجميع.”
- “في هذه اللحظة نحن بأمان.”
مساعدة المراهقين على التعامل مع القلق الذي يكتسبونه من وسائل التواصل الاجتماعي
المراهقون اليوم لا يستمعون الى الأحداث فحسب، بل يعيشونها بصريًا وعاطفيًا عبر التعرض المستمر للمحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي. أدمغتهم التي ما تزال في طور النمو حساسة جدًا للمشاهد المتكررة والمزعجة. وعندما لا يجدون منفذًا للتعبير، يتراكم القلق داخل أجسادهم.
بدل التقليل من أهمية ما يرونه، من الأفضل فتح مساحة للحوار. يمكن طرح أسئلة مفتوحة مثل:
“ما الذي شعرت به عندما رأيت ذلك؟”
تسمية المشاعر تساعد على تخفيف حدّتها، فالمشاعر التي يتم تجاهلها غالبًا ما تتحول إلى توتر مخزّن في الجسد.
نعود هنا أيضًا إلى العناصر الثلاثة:
- أولًا الجسد : هل يحصل المراهق على نوم كافٍ؟ هل يتحرك ويفصل نفسه أحيانًا عن الشاشات؟
- ثانيًا المشاعر :هل يُسمح له بالشعور بالخوف أو الحزن دون أن يُطلب منه فورًا أن “يهدأ”؟
- ثالثًا اللغة :فقد أشار عالم الأحياء التشيلي هومبرتو ماتورانا إلى أن اللغة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تشارك في صنعه. الكلمات التي نكررها تشكّل عالمنا الداخلي. فقول “كل شيء ينهار” يخلق شعورًا مختلفًا في الجهاز العصبي مقارنة بقول “هذا الأمر مخيف، لكنني بخير الآن”.
تعليم المراهقين الانتباه إلى أجسادهم ومشاعرهم وكلماتهم يمنحهم أدوات لتنظيم أنفسهم بدل امتصاص القلق من محيطهم.
كيف يؤثر عدم اليقين على الجهاز العصبي وكيف يمكن إعادة ضبطه
حالة عدم اليقين تنشّط الجهاز العصبي لأن الدماغ يبحث بطبيعته عن التوقع والوضوح. وعندما نعيش في سيناريوهات “ماذا لو” المتخيَّلة، يتعامل الجسد مع الأمر كما لو أن الخطر يحدث الآن بالفعل. وقد يظهر ذلك على شكل تنفّس سطحي، أو توتر، أو صعوبة في النوم، أو شعور دائم بالقلق.
في الواقع، عدم اليقين بحد ذاته ليس الخطر، بل الطريقة التي نفسّره بها.
إذا تم تصويره ككارثة حتمية، يبقى الجهاز العصبي في حالة استنفار. أما إذا اعتُبر أمرًا غير معروف لكنه قابل للتعامل معه، يبدأ الجسد بالهدوء. بدل قول:
“لا نعرف ماذا سيحدث”، وهي عبارة قد تزيد الشعور بعدم الاستقرار، يمكن القول:
“لا نعرف ماذا سيحدث، لكن في هذه اللحظة نحن بأمان وهناك أنظمة وأشخاص يعملون لحمايتنا.”
لإعادة تهدئة الجهاز العصبي، من المفيد إعادة الانتباه إلى اللحظة الحالية.
ومن التمارين البسيطة للأطفال والمراهقين:
- سمِّ 5 أشياء يمكنك رؤيتها
- 4 أشياء يمكنك لمسها
- 3 أشياء يمكنك سماعها
- شيئين يمكنك شمّهما
- شيئًا واحدًا يمكنك تذوّقه
يساعد هذا التمرين الدماغ على الانتقال من الخيال المقلق للمستقبل إلى الواقع الحسي في اللحظة الحالية. كما أن الحفاظ على روتين يومي وبعض الطقوس العائلية البسيطة يعزّز شعور الأمان في الجسد.
تمارين وأنشطة يمكن للأطفال والمراهقين القيام بها عند الشعور بالقلق
رغم أن تمارين التنفس قد تكون مفيدة، إلا أن الكثير من الأطفال والمراهقين يجدون صعوبة في الجلوس بهدوء أثناء المشاعر القوية. لذلك غالبًا ما يكون التعبير الإبداعي أكثر سهولة وفعالية.
أستخدم ما أسميه “طريقة الحقيبة”. تخيّل أن كل شخص يحمل حقيبة غير مرئية مليئة بأحاسيس الجسد والمشاعر والكلمات. وفي الأوقات الصعبة تصبح هذه الحقيبة ثقيلة. الهدف هو تفريغ ما بداخلها بوعي.
أحد التمارين الإبداعية القوية هو تمرين “الداخل والخارج” الفني.
أعطِ طفلك ورقة بيضاء، واطلب منه أن يرسم على أحد الجانبين كيف يبدو القلق بالنسبة له — بإستخدام ألوان أو أشكال أو خطوط. وعلى الجانب الآخر، ارسموا معًا كيف يبدو الشعور بالأمان.
لا حاجة لأي مهارات فنية. بعد ذلك يمكن الحديث بلطف عن الفرق بين الرسمتين:
هل تغيرت الألوان؟
هل اختلفت شدة الخطوط؟
هذا النوع من التعبير يسمح للمشاعر بالتحرك داخل الجسد من دون الحاجة إلى كلمات معقدة.
ومن الأنشطة الأخرى المفيدة:
الكتابة الحرة من دون التفكير بالقواعد، تركيب الأحجيات (puzzles)، الاستماع إلى الموسيقى أثناء الرسم، أو لعب لعبة جماعية مع العائلة. هذه ليست مجرد وسائل إلهاء، بل أدوات حقيقية لتنظيم المشاعر، إذ يساعد اللعب والإبداع على تفريغ التوتر.
اقرئي ايضًا:7 أغراض يجب أن تكون في حقيبة الطوارئ أثناء الأزمات
في النهاية، أكبر دعم يمكن أن نقدّمه للمراهقين في أوقات عدم اليقين هو أن نكون نحن أنفسنا نموذجًا للتوازن. فعندما نختار بوعي طريقة وجودنا عبر تهدئة الجسد، وفهم المشاعر، واستخدام لغة واعية فإننا نعلّمهم معنى الصمود.
وقبل أن نسأل: “كيف أهدّئ طفلي؟” قد يكون السؤال الأهم هو:
“من أختار أن أكون في هذه اللحظة؟” لأن الجهاز العصبي يتواصل بصوت أعلى من الكلمات.
















