في ظل الاوضاع الراهنة، والتوتر الذي يشعر به الأهل، أحبت مجلة هيا أن تطرح مجموعة من الأسئلة على الطبيبة النفسية المرخصة Rita Figueiredo والمديرة العامة لعيادة Peninsula Psychology Clinic والتي ستساعدنا على فهم مشاعرنا وكيفيه التعامل مع توتر الأطفال في هذه المرحلة الصعبة:
ما هي التحوّلات العاطفية التي تلاحظونها لدى الأهل مقارنةً بالأطفال خلال أوقات النزاعات؟
في أوقات النزاعات، نلاحظ تحوّلًا واضحًا لكنه مترابط بعمق في طريقة تعامل الأهل والأطفال مع مشاعرهم. بالنسبة للأهل، غالبًا ما يظهر هذا التحوّل على شكل ضغط داخلي مكبوت. فبدافع الحماية، يدخل العديد منهم في حالة من اليقظة المفرطة، يراقبون الأخبار باستمرار، يقلقون بشأن الأمان المادي والجسدي، ويحاولون الحفاظ على صورة هادئة ومثالية. هذا الأمر قد يؤدي إلى انسحاب عاطفي خفيف أو سرعة في الانفعال، لأن الطاقة الذهنية تُستنزف في محاولة السيطرة على كل شيء.
أما الأطفال، فتكون استجابتهم عاطفية وتفاعلية مع الأجواء المحيطة. قد لا يفهمون تفاصيل ما يحدث، لكنهم شديدو الحساسية تجاه التغيّر داخل المنزل. عندما يشعرون بأن الأهل متوترون أو مشتتون، يتزعزع إحساسهم بالأمان. وغالبًا ما يظهر ذلك من خلال سلوكيات تراجعية مثل التعلّق الزائد، صعوبة النوم، أو الانفعال لأسباب بسيطة. هم لا يتفاعلون مع الحدث بحد ذاته، بل مع التوتر غير المرئي الذي يشعرون به يوميًا.
في النهاية، يعاني الأهل من ثقل المسؤولية، بينما يعاني الأطفال من فقدان الاستقرار. وكلما حاول الأهل كبت مخاوفهم، قد يعكس الأطفال هذا القلق بشكل غير مباشر في سلوكهم. الاعتراف بهذه الديناميكية هو الخطوة الأولى لتخفيف الضغط واستبدال “المثالية” بالواقعية.
كيف يؤثر عدم اليقين على العائلات في الوقت الحالي؟
بطبيعتنا كبشر، نبحث عن الوضوح، لذا فإن الغموض المستمر يُعد مرهقًا للغاية. اليوم، تواجه العائلات حالة من عدم اليقين من عدة جهات: نزاعات بلا نهاية واضحة، قلق متجدد مع كل إشعار على الهاتف، وتساؤلات مستمرة حول الاستقرار المهني والدخل.
في الوقت نفسه، هناك تحديات يومية مثل مصير التعليم: متى سيعود الأطفال إلى المدارس؟ وهل من المناسب تسجيلهم للعام القادم؟ ولدى البعض، تبرز أسئلة أكثر جوهرية تتعلق بالاستقرار السكني وإمكانية الانتقال.
هذه الأفكار الثقيلة تتكرر في الذهن بينما يحاول الأهل التوفيق بين العمل عن بُعد وتعليم الأطفال في المنزل، مع الحرص على إظهار الهدوء أمامهم. هذا يخلق عبئًا نفسيًا كبيرًا، حيث يجد الكثيرون أنفسهم يؤدون أدوارًا متعددة في الوقت ذاته: موظفون، معلمون، وشركاء داعمون.
هذا الضغط لا ينفجر دائمًا بشكل واضح، بل يظهر أحيانًا عبر التوتر، قلة الصبر، أو الشعور بالانفصال العاطفي. وقد يلجأ البعض إلى التشدد في القواعد كوسيلة للشعور بالسيطرة. الأطفال، حتى دون فهم التفاصيل، يلتقطون هذه التغيرات بسهولة. ما تشعر به العائلات اليوم ليس فشلًا، بل نتيجة طبيعية للعيش تحت ضغط مستمر لفترة طويلة.
التعليم المنزلي، الغموض، والضغط… هل هذه هي الديناميكية الجديدة للأسرة؟
مع تحوّل المنازل إلى مساحات متعددة الوظائف، مدارس ومكاتب في آن واحد، تلاشت الحدود التي كانت تنظم حياتنا اليومية. فعندما تتحول طاولة الطعام إلى مكتب صباحًا، وصف دراسي ظهرًا، ومكان للتجمع مساءً، يصبح الانتقال الذهني بين الأدوار مرهقًا للغاية.
غياب الفصل الجسدي بين العمل والمدرسة يجعل من الضروري وضع حدود واضحة للحفاظ على توازن المنزل. ومع هذا التداخل، يشعر الكثيرون بأنهم في حالة “استنفار دائم” لتلبية احتياجات الجميع.
من المهم إدراك أن هذا الشعور بالإرهاق لا يعني أن العائلة تفعل شيئًا خاطئًا، بل لأن الظروف نفسها تتطلب مستوى غير واقعي من التعددية في المهام. الاعتراف بصعوبة هذا الوضع يساعد على تخفيف الضغط والتركيز على الدعم المتبادل بدل السعي إلى الكمال.
كيف يؤثر الضغط للبقاء هادئًين أمام الأطفال على الأهل بحدّ ذاتهم؟
يشعر الأهل بمسؤولية كبيرة ليكونوا مصدر الأمان لأطفالهم، وغالبًا ما يعتقدون أن الحفاظ على هدوء تام هو السبيل لتحقيق ذلك. لكن هذا النهج قد يحمل كلفة عاطفية خفية، إذ إن كبت التوتر والمشاعر قد يؤدي إلى تراكم الضغط الداخلي.
الأطفال يتمتعون بقدرة عالية على ملاحظة التناقض بين ما يظهره الأهل وما يشعرون به فعليًا، ما قد يسبب لديهم ارتباكًا أو قلقًا إضافيًا. فهم يعلمون ان وجوهنا لا تعكس مشاهرنا وما يدور داخلنا. وعند ظهور هذه المشاعر في سلوك الأطفال، قد يدخل الأهل في دائرة من الشعور بالذنب أو الشك في أدائهم.
لكن من الضروري ان نتذكر أن الأطفال لا يحتاجون إلى أهل مثاليين، بل إلى أهل صادقين. رؤية الأهل وهم يعترفون بمشاعرهم ويتعاملون معها بوعي تمنح الأطفال نموذجًا صحيًا للتعامل مع التوتر.
اقرئي ايضًا:مبادرة من اليونيسف للتبرع لأطفال لبنان!
ما التغيرات السلوكية التي قد تشير إلى القلق أو الصدمة لدى الأطفال؟
عندما يمر الأطفال بضغط كبير، غالبًا لا يملكون القدرة على التعبير بالكلمات، فينعكس قلقهم في سلوكهم. من المهم ملاحظة أي تغيّرات غير معتادة أو تراجع في تطورهم، مثل العودة إلى عادات قديمة كالتبول اللاإرادي أو التعلق الزائد.
كما قد يظهر القلق بأعراض جسدية مثل آلام متكررة في البطن أو الرأس دون سبب طبي واضح. اضطرابات النوم، الكوابيس، أو فقدان الشهية من المؤشرات أيضًا.
قد نلاحظ ايضًا ردود افعال مبالغًا فيها تجاه مواقف بسيطة، أو على العكس انسحابًا وهدوءًا غير معتاد. بعض الأطفال قد يظهرون يقظة مفرطة، كالتوتر من الأصوات العالية أو الانشغال المستمر بمسائل الأمان.
الأهم هو فهم أن الصدمة لا ترتبط فقط بالحدث، بل بكيفية عيشه والدعم المتوفر خلاله. غياب الدعم العاطفي يزيد من احتمال تأثير التجربة على المدى الطويل. ملاحظة هذه العلامات لا تهدف إلى تصنيف الطفل، بل إلى إدراك أنه بحاجة إلى دعم واحتواء. وجود شخص بالغ ثابت وداعم يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في حماية الطفل من آثار طويلة الأمد.
اقرئي ايضًا:اليك طرق لمساعدة الأطفال والمراهقين على التعامل مع القلق مع الخبيرة هيا البيطار
















