مراجعة ذاتيّة مع شهر الصوم

خلال شهر رمضان تحمل الأيّام قيمة أكبر ومعنى أجمل، فكل ما حولك يدعوك إلى التفاؤل والسعادة والعطاء: تلتقين بأفراد أسرتك وأقاربك وصديقاتك، تتسامرين معهم وتخزّنين أجمل الذكريات، تؤدّين واجباتك الدينيّة وتحاولين قدر الإمكان التصالح مع ذاتك بالدرجة الأولى ومع من حولك بالدرجة الثانية كي تستفيدي قدر الإمكان من هذه الأيام المباركة. وهكذا، تجعلين شهر الصوم فرصتك الذهبيّة لتقوية علاقاتك والانطلاق في بدايات جديدة.

يشكّل شهر الصوم فرصة للتلاقي مع الأحبّاء بعد فترات طويلة من الانقطاع سببها الانشغال بمسائل الحياة. وفي هذا الإطار، تقول خلود عيسى، الحاصلة على ماجستير في العلوم الاجتماعيّة: «يبدأ الاستعداد لشهر الصوم قبل فترة أسبوع أو أكثر في معظم المجتمعات العربيّة، إذ يسود جوّ جميل ومحبّب يستمرّ مع الدخول في الشهر الفضيل، فتزداد العزائم التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز التقارب بين أفراد الأسر الواحدة».

جردة حساب
تضيف الاختصاصيّة: «من المناسب أن تقوم كل امرأة بجردة لكل ما جرى معها خلال العام الفائت، فترى أين أخفقت وأين أصابت وتقيّم تصرّفاتها وعلاقاتها، فتبقي على تلك التي خدمتها وطوّرتها وتنهي العلاقات التي أساءت إليها ولم تنفعها».

التخلّص من العادات السيّئة
تكمل عيسى: «من الضروري أن نكون قادرات على تقييم الذات ونقدها، وما من وقت أفضل من هذا الشهر للقيام بذلك، إنّها الفرصة المثلى للتخلّص من العادات السيّئة واستبدالها بتلك التي تنعكس عليك بشكل إيجابي: سيطري على عصبيّتك، وتخلّصي من انفعالاتك السلبيّة ومن غيرتك، وتحلّي بالهدوء والحكمة وحاولي التقليل من التوتّر والقلق ممّا سيحمله الغد، واختاري أن تعيشي اللحظة مع أحبّائك وأن تعطيهم ما يستحقّون من قلبك، وقرّري أن تكون سعادتك في أعلى سلّم أولويّاتك وأن تستمتعي أكثر بوقتك وتقدّري النعم التي بين يديك».

طباع متنافرة
سألناها: كيف يمكن التصرّف مع الأشخاص الذين نتنافر معهم في الطباع؟، فأجابت: «لا يمكن الاتّفاق مع الجميع فثمّة طباع متقاربة وأخرى متباعدة، ولكنّ هذا لا يعني أن تسود المشاعر العدائيّة لأنّها تعود بالأذى على صاحبتها بالدرجة الأولى».

إنهاء سوء التفاهم 
لذلك، تؤكّد الاختصاصيّة الاجتماعيّة أنّه لا بدّ من التخلّص من أيّ سوء تفاهم حصل في الماضي إن من خلال اتّصال هاتفي صغير أو حتى دعوة على إفطار أو سحور، تتواجه خلالها المرأة مع الشخص أو الأشخاص الذين اختلفت معهم وتضع أسساً جديدة لعلاقة طيّبة معهم.

المضي قدماً
ولكن، هل باستطاعة الإنسان فعلاً أن ينسى الجروح التي تسبّب بها آخرون له وأن يمتلك القدرة على مسامحتهم؟ تجيب عيسى: «ليس أمراً سهلاً بكل تأكيد، ولكنّ القدرة على الصوم وتحمّل مشقّاته الجسديّة الكبيرة ستكون بمثابة الدافع، فحين تكونين قادرة على الصبر وتحمّل الصداع القوي والجوع والعطش، لن يصعب على إرادتك نسيان الإساءة من شخص قريب أو بعيد، كما أنّ أيّ ضرر مهما بلغت صعوبته سيمضي فلا تستمرّي بالحقد والضغينة، بل كوني أقوى عن طريق المسامحة والمضيّ قدماً». 
وحول صعوبة إيجاد وقت للقيام بالزيارات والواجبات الاجتماعيّة، تقول: «تقسيم الوقت أمر أساسي لتسهيل حياتك، ويفضّل أن تبتعدي عن وسائل التواصل الاجتماعي كي تلتقي فعليّاً بمعظم من هم على لائحة أصدقائك افتراضيّاً، فبدل أن تتابعي أخبارهم عبر Facebook أو Instagram، لم لا تتّصلي بهم وتتّفقي معهم على لقاء، حينها تعرفين أخبارهم وتقضين أوقاتاً مسلّية معهم».

إحساس بالأمان والانتماء
تؤكّد عيسى أنّ تقوية العلاقات الاجتماعيّة تزيد من الإحساس بالأمان والانتماء، وتشرح وجهة نظرها بالقول: «بتنا نفتقد العزوة والدعم اللذين تؤمّنهما العائلة فنحن نزور أقرب المقرّبين في المناسبات ونشعر بالوحدة وبصعوبة الثقة بالناس، ولذلك فإنّ أيام شهر الصوم مثاليّة لاسترجاع العلاقات الإنسانيّة الجميلة التي تمدّنا بالقوّة والراحة».