نهتمّ بشكل عام بالحفاظ على جسم صحي ورشيق، بدون أن تكون النحافة هوساً بالنسبة إلينا. لكن، في كثير من الأحيان، نعجز عن إنزال وزننا رغم اتّباع حمية غذائية سليمة وحتّى رغم ممارسة التمارين الرياضية. ولذلك، نتحدث اليوم عن أسباب نزول الوزن رغم الريجيم مع د. نهلة وحيد، أخصائية الباثولوجيا الإكلينيكية وأمراض الدم.
كثيرون يتبعون الحميات الغذائية ولا يخسرون الوزن كما يتوقّعون، فما السبب؟ وهل يمكن أن يكون نوع الطعام نفسه غير مناسب لطبيعة أجسامهم؟
إنّ عدم خسارة الوزن بالمعدل المتوقّع لا يعني بالضرورة أنّ الشخص غير ملتزم بالحمية الغذائية، إذ تتأثر استجابة الجسم بعوامل متعدّدة، منها إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة، ومستوى النشاط البدني، وكتلة العضلات، وجودة النوم، والحالة الصحية والهرمونية. كما أنّ احتياجات الجسم من الطاقة تنخفض مع فقدان الوزن، وهو ما قد يفسّر تباطؤ النتائج بمرور الوقت.
ومن المهم التمييز بين عدم ملاءمة النظام الغذائي لاحتياجات الشخص، وعدم تحمّله نوعاً معيّناً من الطعام. فعلى سبيل المثال، يعاني بعض الأشخاص من عدم تحمّل اللاكتوز أو من حساسية تجاه أطعمة معيّنة، ما قد يستدعي إجراء تعديلات غذائية محدّدة. ومع ذلك، لا يعني هذا أنّ بعض الأطعمة تمنع خسارة الوزن لمجرد أنّها لا تتناسب مع طبيعة الجسم.
لذلك، ينبغي اختيار النظام الغذائي بناءً على احتياجات الشخص الفعلية، وحالته الصحية، وأهدافه، وقدرته على الالتزام به على المدى الطويل. فالهدف لا يقتصر على تقليل كمية الطعام، بل يتمثّل في اتباع نظام غذائي متوازن يدعم خسارة الوزن بطريقة صحية ومستدامة.
هل لكل جسم أطعمة تناسبه أكثر من غيرها؟ وكيف يمكن معرفة الأطعمة التي يستفيد منها الجسم بصورة أفضل؟
بالطبع، يختلف الأشخاص من حيث احتياجاتهم الغذائية، ومدى تحمّلهم لبعض الأطعمة، واستجابتهم للأنظمة الغذائية المختلفة. ومع ذلك، ينبغي تحديد الأطعمة المناسبة لكل شخص بناءً على تقييم علمي، لا على افتراض أنّ لكل جسم قائمة ثابتة من الأطعمة المثالية.
تبدأ هذه العملية عادةً بمراجعة التاريخ الصحي للشخص، وعاداته الغذائية، ومستوى نشاطه البدني، والأعراض التي قد تظهر بعد تناول أطعمة معيّنة. وفي بعض الحالات، قد تدعو الحاجة إلى إجراء فحوصات طبية محدّدة للمساعدة في تشخيص حالات مثل حساسية الطعام أو عدم تحمّل اللاكتوز.
ومن المهم أيضاً التمييز بين الأطعمة التي تسبب أعراضاً أو مشكلات صحية للشخص، وتلك التي يعتقد البعض أنّها غير مناسبة له أو تعيق خسارة الوزن. فالتغذية الشخصية لا تعني استبعاد أكبر عدد ممكن من الأطعمة، بل اختيار نظام غذائي متوازن يوفّر احتياجات الجسم من البروتينات والكربوهيدرات والدهون الصحية والفيتامينات والمعادن، مع مراعاة نمط حياة الشخص وتفضيلاته الغذائية.
لماذا يمكن لشخصين اتباع الحمية نفسها وتناول الطعام نفسه، بينما يفقد أحدهما الوزن ولا يفقد الآخر؟ وما العوامل التي تفسر هذا الاختلاف؟
حتّى إذا اتبع شخصان النظام الغذائي نفسه، فلا يعني ذلك بالضرورة أنّ احتياجاتهما من الطاقة أو استجابتهما للحمية ستكون متطابقة. فهناك اختلافات في الوزن والطول والعمر وكتلة العضلات ومستوى النشاط البدني اليومي، وجميعها عوامل تؤثر في كمية الطاقة التي يستهلكها الجسم.
ومن المفاهيم المهمة في هذا السياق معدل الأيض الأساسي (BMR)، وهو مقدار الطاقة التي يحتاج إليها الجسم للحفاظ على وظائفه الحيوية أثناء الراحة. ويختلف هذا المعدل من شخص إلى آخر، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحدّد مدى سهولة خسارة الوزن أو سرعتها.
كذلك، قد تؤثر عوامل أخرى، مثل جودة النوم، والشهية، وبعض الأدوية، والحالة الصحية، واضطرابات الغدة الدرقية في بعض الحالات، في وزن الجسم. ومع فقدان الوزن، تنخفض احتياجات الجسم من الطاقة، مما قد يؤدي إلى تباطؤ معدل نزول الوزن بمرور الوقت، حتى مع الاستمرار في اتباع النظام الغذائي.
لذلك، لا يمكن الحكم على مدى نجاح الحمية الغذائية بالاستناد إلى تجربة شخص آخر، إذ تختلف استجابة الجسم من فرد إلى آخر. والأفضل هو تقييم احتياجات كل شخص بصورة فردية، ومتابعة نتائجه بانتظام، وتعديل الخطة الغذائية ومستوى النشاط البدني وفقاً لاستجابته وأهدافه الصحية.
يمكن اليوم إجراء تحاليل واختبارات تساعد على تحديد النظام الغذائي الأنسب لكل شخص، فماذا تكشف هذه الاختبارات تحديداً؟ وهل نتائجها مبنية على أدلة علمية؟
تُقدّم بعض الاختبارات مثل اختبار Food Print أو اختبار Food Tolerance Test، ويعرض بعضها تقارير تفصيلية تشمل مجموعة واسعة من الأطعمة، مثل منتجات الألبان والدجاج واللحوم والأسماك، وذلك بحسب نوع الاختبار المستخدم.
لكن الأهم من شكل التقرير أو عدد الأطعمة التي يشملها هو فهم ما يقيسه الاختبار تحديداً، ومدى توفّر أدلّة علمية كافية تثبت أنّ نتائجه تساعد فعلاً في اختيار النظام الغذائي الأنسب أو تحسين نتائج خسارة الوزن.
ومن الضروري التمييز بين الفحوصات الطبية المعتمدة لتشخيص حالات محدّدة، مثل حساسية الطعام أو عدم تحمّل اللاكتوز، وبين الاختبارات التجارية التي تدّعي تحديد الأطعمة المناسبة لكل شخص بصورة عامة. فعلى سبيل المثال، لا توصي الهيئات الطبية باستخدام اختبارات الأجسام المضادة من نوع IgG لتشخيص حساسية الطعام أو تحديد الأطعمة التي ينبغي استبعادها من النظام الغذائي.
لذلك، لا يعني توفّر اختبار في الأسواق بالضرورة أنه مثبت علمياً، كما أنّ ظهور نتيجة معينة لا يستدعي تلقائياً الامتناع عن تناول نوع محدّد من الطعام، بل ينبغي اختيار الفحص المناسب وفقاً للغرض منه، ومدى موثوقية نتائجه، والحالة الصحية للشخص، وبالاستناد إلى توجيهات المختصين.
وفي النهاية، ينبغي أن يكون الهدف من أي فحص هو المساعدة في اتخاذ قرارات صحية مبنية على الأدلة، لا فرض قيود غذائية غير ضرورية أو جعل رحلة خسارة الوزن أكثر تعقيداً.
إذا قال لك أحدهم “أنا آكل قليلاً جداً وأمارس الرياضة، ومع ذلك لا أخسر الوزن”، ما أول شيء تبحثين عنه؟ وهل ثبات الوزن يعني بالضرورة أنّ الشخص لا يلتزم بنظامه؟
أوّل ما أبدأ به هو تقييم الصورة الكاملة، وليس الاكتفاء بكمية الطعام التي يذكر الشخص أنه يتناولها، إذ نراجع نوعية الأطعمة وكمياتها، والمشروبات والإضافات، ومستوى النشاط البدني، وطبيعة التمارين، والمدة التي استقر خلالها الوزن دون تغير ملحوظ.
ومن المهم جداً عدم افتراض أن الشخص غير ملتزم بالنظام الغذائي؛ فثبات الوزن قد يحدث لأسباب متعدّدة. فقد يكون ناتجاً عن احتباس مؤقت للسوائل، أو تغيرات مرتبطة بالدورة الشهرية، أو تغيرات في كتلة العضلات، أو انخفاض احتياجات الجسم من الطاقة بعد فقدان جزء من الوزن.
وهناك مرحلة تُعرف باسم ثبات الوزن (Weight-Loss Plateau)، يتباطأ خلالها معدل فقدان الوزن بعد فترة من اتباع الحمية الغذائية. ولا يعني ذلك أن الجسم توقف عن حرق السعرات الحرارية، بل قد يكون الأمر مرتبطاً بانخفاض احتياجاته من الطاقة والتغيرات الفسيولوجية التي تحدث خلال رحلة خسارة الوزن.
في هذه الحالة، نراجع النظام الغذائي ومستوى النشاط البدني، ونتابع متوسط الوزن على مدار عدة أسابيع بدلاً من الحكم على النتائج استناداً إلى تغيرات يوم أو يومين فقط. وإذا ظهرت أعراض أو مؤشرات تستدعي ذلك، فقد يكون من الضروري البحث عن أسباب طبية محتملة بالتعاون مع الطبيب المختص.
والأهم أن الحل لا يتمثل دائماً في تقليل كمية الطعام أكثر؛ فقد يكون الأنسب تعديل الخطة الغذائية بصورة مدروسة، وتحسين جودة التغذية، والتأكد من حصول الجسم على احتياجاته الأساسية، بدون اللجوء إلى الحرمان الغذائي المفرط.
هل فعلاً يجب أن نلغي الكربوهيدرات ونعيش على السلطات حتى نخسر الوزن؟ وما أكثر الخرافات الغذائية التي تتمنّين أن يتوقف الناس عن تصديقها؟
لا، ليس من الضروري الامتناع عن تناول الكربوهيدرات من أجل خسارة الوزن، كما لا يُشترط الاعتماد على السلطات وحدها لتحقيق هذا الهدف. فالكربوهيدرات مصدر مهم للطاقة، وتوجد في أطعمة مفيدة مثل الشوفان، والحبوب الكاملة، والبقوليات، والفواكه. ولا تكمن الفكرة في استبعاد مجموعة غذائية كاملة، بل في اختيار مصادرها المناسبة وتنظيم الكميات وفقاً لاحتياجات الشخص.
كذلك، يحتاج الجسم إلى نظام غذائي متوازن يوفّر البروتينات، والدهون الصحية، والكربوهيدرات، والألياف، والفيتامينات، والمعادن. وقد يؤدي الاعتماد على السلطات وحدها إلى عدم الحصول على الاحتياجات الغذائية اللازمة، خاصةً إذا لم تكن الوجبات متنوعة ومتكاملة.
ومن المفاهيم الخاطئة التي ينبغي تصحيحها الاعتقاد بوجود نظام غذائي واحد يناسب الجميع، أو أن تخطي الوجبات هو الطريق الأسرع لخسارة الوزن، أو أن المكملات الغذائية قادرة وحدها على زيادة معدل حرق السعرات الحرارية. كذلك، لا تعني كل زيادة في الوزن وجود اضطراب هرموني، ولا يدل ثبات الوزن بالضرورة على عدم الالتزام بالنظام الغذائي.
والأهم هو إدراك أن خسارة الوزن ليست سباقاً للوصول إلى أقل رقم على الميزان في أقصر وقت ممكن، بل هي رحلة تهدف إلى تحسين الصحة، وتبنّي عادات غذائية متوازنة يمكن الاستمرار عليها على المدى الطويل.
اقرئي أيضاً: أفضل بدائل السكر الصحية: نظام غذائي من دون حرمان!






