في شهر التوعية من سرطان الثدي، نحتاج جميعنا إلى إعادة التفكير في إعطاء الأولوية لصحتنا والتركيز على كيفية الحفاظ عليها، لا سيّما مع كل ما يحدث حولنا. ومن أبرز الأمور التي تلامسنا من العمق، قصص النساء اللواتي استطعن التغلّب على مرض السرطان والاستمرار في عيش حياتهنّ بكل قوة وعزم. واليوم تروي لنا ناجية من السرطان، المؤثرة جود عبسي، قصتها مع المرض وكيف حوّلت ألمها إلى رسالة ملهمة تعطي بالفعل الأمل لكل امرأة وشابة وفتاة ما زالت تحارب للشفاء التام.

- إذا أتيحت لكِ فرصة العودة إلى اللحظة التي علمتِ فيها بتشخيصكِ، ماذا تقولين للفتاة التي كنتِها آنذاك، وأنتِ اليوم تعرفين كل ما تجاوزتِه؟
أقول لها: “أعرف أنّك خائفة، وما زلت لا تستوعبين ما يحدث لكِ، لكن صدّقيني، حياتكِ لن تتوقّف هنا. قبل خمس سنوات، كنتُ أجري فحصًا دوريًا، ولاحظتُ وجود كتلة صغيرة، فقرّرتُ زيارة الطبيب وإجراء الفحوصات اللازمة. وللأسف، تبيّن أن إحساسي صحيح، وأنها كانت كتلة سرطانية.
في ذلك الوقت، لم أكن أستوعب ما يحدث، وكنتُ أظن أن مثل هذه الأمور تحدث للآخرين، لكنها لا يمكن أن تحدث لي أنا. فاعرفي أنّك ستمرّين بأيام صعبة، لكنكِ ستعودين إلى الضحك، وستسافرين، وتحقّقين أحلامكِ، وتقومين بأشياء لم تتخيّلي يومًا أنكِ ستتمكّنين من القيام بها. والأهم من ذلك، ستتعلّمين أن تحبّي نفسكِ بطريقة مختلفة تمامًا.
- كيف غيّرت تجربة السرطان نظرتكِ إلى الحياة؟ وما الأمور التي أصبحتِ تقدّرينها اليوم ولم تكوني تدركين أهميتها من قبل؟
أكثر ما تغيّر فيّ هو أنّني لم أعد أؤجّل حياتي.
في السابق، ربما كنت أمنح وقتي وطاقتي لأشياء وأشخاص لا يستحقّون كل هذا القدر من الاهتمام، وكنت أحيانًا أضع نفسي في آخر قائمة أولوياتي.
بعد هذه التجربة، تعلّمت أنّ صحتي وراحتي النفسية ليستا من الكماليات، وأنّه ليس من الضروري أن أرضي الجميع على حساب نفسي.
أصبحت أقدّر التفاصيل الصغيرة، وصحتي، وعائلتي، والأشخاص الذين يحبّونني بصدق، وقدرتي على النهوض كل يوم والقيام بشيء أحبّه. وتعلّمت أنّ الحياة ليست مضمونة، ولهذا لم أعد أريد الاستمرار في تأجيل الأشياء التي تمنحني السعادة.
- خلال رحلة العلاج، هل مررتِ بلحظات شعرتِ فيها بأنّ الأمل يتلاشى؟ وما الذي ساعدكِ على استعادة قوتكِ والاستمرار؟
بالطبع، لقد بكيت كثيرًا، وشعرت بالحزن والخوف، ومررت بأيام لم أكن فيها قادرة على استيعاب أن هذا الأمر يحدث لي. استغرق العلاج من حياتي ما يقارب السنة، وكانت رحلة مليئة بالتعب والقرارات الصعبة. وخلالها، كان هناك أشخاص وقفوا إلى جانبي وساندوني، وهذا أمر لن أنساه أبدًا.
ومن المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي، في أحد الأيام، وبينما كنت أتناول الدواء، التقيت بسيدة تبلغ من العمر اثنين وثمانين عامًا، أخبرتني أنّها تريد أن تصبح صانعة محتوى على يوتيوب بمجرد أن تنتهي من علاجها. علّمتني هذه السيدة أنّ الإنسان يستطيع أن يحتفظ بأحلامه، مهما بلغ من العمر، ومهما كانت الظروف التي يمر بها.
منذ ذلك اليوم، بدأت أفكر في الأشياء التي أريد تحقيقها، وقلت لنفسي: لماذا أنتظر؟ لماذا لا أعيش حياتي، وأفعل الأشياء التي أحبها؟ لا أستطيع أن أقول إنّني كنت قوية طوال الوقت، لكنّني كنت أحاول الاستمرار، خطوةً تلو الأخرى.
- بعد تجربتكِ مع المرض، قرّرتِ مشاركة قصتكِ مع الآخرين ومنحهم الأمل. هل تشعرين بأنكِ، من خلال مساعدة الآخرين، تواصلين أيضًا رحلة اكتشاف ذاتكِ والتعافي النفسي؟
بالتأكيد! عندما قرّرت مشاركة قصتي، لم يكن هدفي أن أظهر بصورة المرأة القوية التي تغلّبت على كل شيء، بل أردت أن أتحدث عن تجربة حقيقية، لعلّها تساعد فتاة أو سيدة على الانتباه إلى صحتها، أو تجعلها تشعر بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة.
واليوم، عندما أنظر إلى ما أقوم به، أشعر بأن كل تجربة مررت بها بدأت تتحوّل إلى شيء ذي معنى. أسّست مؤسسة “عود أخضر” لتمكين السيدات وتنمية مهارات اليافعين، كما أسّسنا فريق “فدا” لنشر الوعي بالأمراض التي تصيب النساء، ليس فقط خلال شهر أكتوبر، بل على مدار العام.
بالنسبة إليّ، لا يقتصر الأمر على مساعدة الآخرين، بل هو أيضًا طريقتي في التعبير عن التجارب التي أصبحت جزءًا مني، وتحويلها إلى شيء يمكن أن يترك أثرًا جميلًا في حياة الآخرين.
- غالبًا ما يُنظر إلى الناجين من السرطان على أنهم أشخاص أقوياء، لكن قلّما نتحدث عن الخوف والتعب والضعف الذي قد يرافق هذه الرحلة. ما الجانب من تجربتكِ الذي تتمنين أن يفهمه الناس بصورة أعمق؟
أتمنّى أن يفهم الناس أنّ ليس كل شخص مرّ بتجربة السرطان مطالبًا بأن يكون قويًا طوال الوقت. فهناك أيام تشعرين فيها بأنك بخير، وأيام أخرى تكونين فيها متعبة وخائفة، وربما لا ترغبين في التحدث مع أحد، ولا في سماع النصائح.
وأحيانًا، ومن شدّة محبتهم لك، يحاول الناس تذكيرك باستمرار بضرورة التحلّي بالإيجابية، لكنّك، في تلك اللحظة/ قد لا تحتاجين إلى أكثر من شخص يستمع إليك، من دون أن يطلب منك أن تكوني قوية، أو أن تتظاهري بأنك بخير.
لم أكن أتحدث كثيرًا عن مرضي مع الآخرين، لأنني لم أكن أحب أن ينظروا إليّ بشفقة. كنت أريدهم أن يروني كما أنا، بشخصيتي وأحلامي وكل ما يشكّلني، لا أن يختصروني في المرض الذي مررت به.
- كيف أثّرت تجربة المرض في علاقتكِ بنفسكِ، وبجسدكِ، وبصورتكِ عن أنوثتكِ وثقتكِ بذاتكِ؟
لقد غيّرت هذه التجربة علاقتي بنفسي كثيرًا. جعلتني أنظر إلى جسدي بطريقة مختلفة، وأدرك أنّ جسدي ليس مجرد شكل، وأن كل ما مرّ به لا ينتقص من قيمتي ولا من أنوثتي. مررت بتجارب وعلاجات، واضطررت إلى اتخاذ قرارات صعبة، وكان عليّ أن أتعلّم تقبّل التغيّرات التي طرأت على جسدي.
لكن أهم ما تعلّمته هو ألّا أربط محبتي لنفسي بمظهري، أو بوزني، أو بمدى شعوري بأنني جميلة في كل يوم. اليوم، أحبّ نفسي لأنّني أنا، لا لأنّني وصلت إلى صورة معيّنة يُفترض بي أن أكون عليها. وتعلّمت أن أضع نفسي في المقام الأول، ليس من باب الأنانية، بل من باب المحبة والاحترام لنفسي ولجسدي
- كيف يمكننا دعم شخص يواجه مرض السرطان بطريقة حقيقية، من دون أن نشعره بأنه مضطر إلى التحلي بالقوة والإيجابية طوال الوقت، حتى عندما يكون خائفًا أو متعبًا؟
برأيي، أهم ما يمكننا فعله هو أن نصغي إلى الشخص ونمنحه المساحة الكافية ليشعر بكل مشاعره، من دون أن نحاول تغييرها أو التقليل من شأنها.
ليس من الضروري، كلما عبّر عن خوفه، أن نقول له: “لا تخف، ستكون بخير”. أحيانًا، كل ما يحتاج إليه هو أن نخبره: “أنا إلى جانبك، وإذا أردت أن تتحدث، سأستمع إليك، وإن لم ترغب في الكلام، فسأبقى موجودًا إلى جانبك أيضاً”.
كذلك، لا يقتصر الدعم على الكلام. فقد يكون في مساعدته على الذهاب إلى موعد، أو تحضير وجبة له، أو إنجاز مهمة صغيرة، أو حتى إرسال رسالة للاطمئنان عليه، من دون الضغط عليه للرد. والأهم من ذلك، ألّا نتعامل معه وكأن المرض أصبح هويته بالكامل. فلنستمر في الحديث معه عن أحلامه، وعمله، والأشياء التي يحبها، وكل ما كان يشكّل جزءًا من حياته قبل المرض.
فليس مطلوبًا من المريض أن يطمئن الجميع من حوله، في الوقت الذي يكون فيه هو نفسه بحاجة إلى من يطمئنه ويشعره بأنه ليس وحيدًا.
اقرئي أيضاً: تعرفي على اخطر انواع السرطان حسب الإحصاءات الطبية العالمية!






