“ما هو العقم”… هل سبق وبحثت عن هذه العبارة على جوجل؟
تعلمين أنّ العديد من الناس يعانين من العقم، أي الصعوبة في الإنجاب. سواء كانت الأسباب معروفة أو لا، يُعتبر التدخّل الطبي أساسياً ومن الضروري استشارة الخبراء والأخصائيين لمتابعة كل حالة.
وبما أنّ العقم هو من المشكلات الطبية التي نسمع عنها الكثير، أجرينا هذه المقابلة مع Maria Banti، مديرة مختبر التلقيح الصناعي والأخصائية الأولى في علم الأجنة السريري في مركز Almond Blossoms للخصوبة والصحة.

ما هو العقم؟
من الناحية الطبية، العقم هو عدم القدرة على الحمل بعد عام من الجماع المنتظم غير المحمي. وإذا تجاوزت المرأة سن الـ35 عاماً، يُنصح عادةً بمراجعة الطبيب بعد 6 أشهر من المحاولة، لأن الخصوبة تبدأ بالتراجع بشكل أسرع في هذه المرحلة.
ومن المهم التذكير بأنّ العقم ليس “فشلاً”، بل يُعتبر تحدياً بيولوجياً يواجهه الكثيرون.
ما هي أسباب العقم؟
أسباب العقم متعدّدة ويمكن أن تواجه النساء والرجال على حد سواء، وأبرزها:
- عمر المرأة
يُعدّ هذا العامل الأكثر أهمية لأنّه يؤثر على كمية البويضات ونوعيتها. فبشكل عام، تكون الخصوبة عالية في العشرينات من العمر، وتبلغ ذروتها في سن الثلاثين، ثم تبدأ بالتراجع تدريجياً بعد ذلك. وبحلول سن الأربعين، يصبح الواقع البيولوجي أكثر صعوبة.
وبحسب الأبحاث، تواجه واحدة من كل ثلاث نساء على الأقل صعوبة طبية كبيرة في الحمل. ولا يقتصر التحدي الحقيقي في سن الأربعين على عدد البويضات المتبقية فقط، بل يتعداه إلى ارتفاع احتمالية احتواء هذه البويضات على مشاكل كروموسومية، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات الحمل وزيادة خطر الإجهاض.
ولهذا السبب، تنخفض معدلات نجاح تجميد البويضات أو التلقيح الصناعي بشكل حاد بعد سن السابعة والثلاثين، إذ يتطلب الأمر عدداً أكبر بكثير من البويضات للعثور على بويضة سليمة بما يكفي لإنجاب طفل.
وبالتالي، يُنصح بالبدء مبكراً، ويُفضّل قبل سن الخامسة والثلاثين، لأن الخصوبة تكون في ذروتها عندما تكون البويضات في أفضل حالاتها.
- الحالات الطبية
تُعدّ بعض المشكلات الطبية، مثل الانتباذ البطاني الرحمي (أي نمو الأنسجة خارج الرحم) ومتلازمة تكيس المبايض، من أسباب العقم الشائعة جداً.
وفي الواقع، قد يكون الانتباذ البطاني الرحمي أحياناً “صامتاً” ولا يتم اكتشافه إلا عندما يتسبّب في فقدان الحمل المتكرّر أو يمنع الجنين من الانغراس بنجاح في الرحم، نظراً إلى البيئة السامة التي يخلقها في داخله.
في المقابل، بالنسبة إلى النساء المصابات بمتلازمة تكيس المبايض، ورغم أن لديهن عادةً عدداً كبيراً من البويضات، فإن الهدف الأساسي للفريق الطبي هو ضمان أن تكون البويضات المجمعة في أعلى مستويات النضج والجودة لضمان نجاح الحمل مستقبلاً.
- العلاجات الطبية
قد تُلحق العلاجات المنقذة للحياة، كالعلاج الكيميائي أو الإشعاعي للسرطان، ضرراً بالمبايض. ولذلك، تلجأ العديد من المريضات إلى تجميد بويضاتهن قبل بدء العلاج.
- العامل الذكوري
من المهم التذكير بأنّ العقم لا يقتصر على النساء فقط، بل إن العوامل الذكورية مسؤولة عن حوالي نصف حالات العقم. وتُعد مشاكل جودة الحيوانات المنوية أو عددها شائعة جداً.
كما أنّ للرجال أيضاً ساعة بيولوجية، فمع تقدّم الرجل في السن، تبدأ خصوبته بالتراجع بشكل طبيعي، مما قد يؤثر بشكل كبير على قدرة الزوجين على الإنجاب. وبالإضافة إلى فحص عدد الحيوانات المنوية وحركتها، نولي اهتماماً الآن لجودة الحمض النووي (DNA) داخلها.
ولهذا السبب، أصبحت الفحوصات المتخصّصة، مثل فحص تفتت الحمض النووي، أكثر شيوعاً. ويشير تفتت الحمض النووي إلى تلف المادة الوراثية للحيوانات المنوية. حتى لو أظهر تحليل السائل المنوي نتائج طبيعية، فإن ارتفاع مستويات تفتت الحمض النووي قد يُصعّب عملية تخصيب البويضة أو يزيد من خطر الإجهاض المبكر.
ماذا عن معدلات العقم في المنطقة العربية، بخاصة دول الخليج؟
مع أنّ الإحصاءات الخاصة بمنطقة الخليج غالباً ما تكون جزءاً من دراسات دولية أوسع، تمثّل الاتجاهات التي نشهدها واقعاً عالمياً مشتركاً. ففي جميع أنحاء العالم، يؤجل المزيد من الناس الإنجاب للتركيز على تعليمهم أو مسيرتهم المهنية أو البحث عن الشريك المناسب. وهذا التحوّل نحو تكوين أسر في سن متأخرة يؤدي بطبيعة الحال إلى ارتفاع معدلات العقم في كل مكان، لأنّ العوامل البيولوجية تبقى ثابتة.
وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، سعاني واحد من كل 6 أشخاص من العقم مرة واحدة على الأقل في حياته. وبما أنّ الخصوبة تبدأ بالتراجع بشكل أسرع بعد سن 35، يصعّب “التأجيل” الحمل الطبيعي.
كيف يؤثر العقم على حياة المرأة؟
العقم ليس مجرد تشخيص طبي، بل رحلة عاطفية، وهو يؤثر على المرأة من جوانب مختلفة.
- الصحة النفسية
التقلبات العاطفية حقيقية. فبين الأدوية الهرمونية التي قد تسبّب تقلبات مزاجية، وضغط انتظار النتائج، تعاني العديد من النساء من مستويات قلق عالية.
- الحزن
بالنسبة إلى من فقدن حملهن أو فشلت محاولات التلقيح الصناعي، قد يكون الحزن شديداً، وغالباً ما يصاحبه شعور بالوحدة.
- الضغط الاجتماعي
غالباً ما يكون هناك ضغط كبير لتحقيق مراحل معينة في سن معينة، ما قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”الأمومة المتسرّعة”، أي الشعور بالحاجة إلى التسرّع في الدخول في علاقة أو الحمل لمجرد الخوف من الساعة البيولوجية.
كيف تؤدي التكنولوجيا دوراً في علاج مشكلات العقم؟
أحدثت التكنولوجيا نقلة نوعية في مجال الخصوبة، ولم نعد نعتمد على العوامل البيولوجية كما كنا في السابق.
- التزجيج أو التجميد السريع جداً
كانت المشكلة الأكبر في البداية تكوّن البويضات في معظمها من الماء. فعند تجميد الماء ببطء، تتشكّل بلورات جليدية، تعمل كإبر دقيقة قادرة على اختراق سيتوبلازم البويضة وتدميره. كان الحل هو التزجيج، وهي طريقة “تجميد فوري” تستخدم النيتروجين السائل لتبريد البويضة أو الجنين بشكل فوري تقريباً إلى -196 درجة مئوية.
هذه العملية سريعة جدًا لدرجة أن الماء لا يملك الوقت الكافي لتكوين الجليد. بدًًا من ذلك، تدخل الخلية في حالة صلبة تشبه الزجاج، مما يحافظ عليها تمامًا.
وبفضل هذا الإنجاز، ارتفعت معدلات بقاء البويضات إلى أكثر من 90%، وتنجو 95% من الأجنة من عملية إذابة التجميد في المختبرات عالية الجودة.
- الذكاء الاصطناعي
تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة في أفضل المختبرات لمساعدتنا في اختيار البويضات والحيوانات المنوية والأجنة الأكثر صحة، مما قد يحسّن فرص نجاح الحمل.
- الفحص الجيني قبل الزرع
أصبح بإمكاننا الآن فحص الأجنة للكشف عن أي مشكلات كروموسومية أو جينية قبل زرعها. ويساعد هذا في تقليل خطر الإجهاض أو الإصابة بأمراض وراثية، ويضمن بداية صحية للطفل.
وبالإضافة إلى التلقيح الصناعي التقليدي، تُتيح تقنيات متقدمة مثل الحقن المجهري للبويضة (ICSI)، وتحضير الحيوانات المنوية بتقنية الموائع الدقيقة، وتجديد المبيض (PRP) فرصًا للأشخاص الذين كانت لديهم آمال ضئيلة في الإنجاب.
اقرئي أيضاً: نصائح للحفاظ على روتين العائلة والصحة العاطفية للأطفال في الظروف الصعبة
















