من خلال فنها تلتقط المصممة والفنانة الشابة يمنى مفتي روح الأشياء، فنرى أعمالها جميلة وخاصة ودافئة ومليئة بالذكريات والحنين، تختار رموزاً وأغراضاً نراها جميعاً حولنا ولكننا لا ندرك أهميتها أو معانيها العميقة، إلا حين نختبر جمالها من خلال عيون يمنى ولمستها الخاصة، فتحرّك شيئاً ما داخلنا، وهذا بالضبط المعنى الحقيقي للفن.. أن يصل للآخر ويلامس مشاعره. ندخل عالم هذه الشابة العشرينية ونتعرف أكثر عليها ونلقي الضوء على أعمالها الفنية في تعاون يجمعنا خلال عدد فبراير المخصص للاحتفاء بحياة صحية مع قدوم شهر رمضان.
لكل شابة قصتها التي ساهمت برسم مسار حياتها، كيف بدأت قصتك مع الرسم والتصميم؟
أنتمي لعائلة غنية بالفنانين فجدتي محبة له كثيراً ووالدتي كانت معلّمة فنون وأختي طاهية ومصممة طعام وملمّة بنواح فنية مختلفة، لذا كان من الطبيعي أن أتأثر وأكون مطلعة على الفنون منذ طفولتي، اعتدت التعبير عن نفسي من خلال الرسم وليس الكلمات، وحظيَ اختياري لاختصاص التصميم الغرافيكي في الجامعة، دعم وتشجيع من أهلي لأنهم يقدرون المجالات الإبداعية، بعكس كثر غيري من الزملاء الذين واجهوا صعوبات في إقناع عائلاتهم، حتى والدي الذي ليس قريباً من الفنون ولإقتناعه بأني أملك الموهبة، فقد وافق وساعد ودعم اختياراتي، فأنا كنت أسمي نفسي “رسامة على الورق”، وكنت محبة للبريكولاج منذ صغري، أنظر إلى الفن على أنه اللغة التي أستطيع أن أتواصل من خلالها، حتى أن ذاكرتي مرئية وهذا ما يساعدني كثيراً في عملي حالياً.
درست التصميم الغرافيكي لأربع سنوات وكنت أحب الورق والطباعة ولم أكن معجبة بالعالم الرقمي، كنت أملك دفاتر رسم وأملؤها بالرسمات وأطلع زملائي عليها بفخر، واستمر الوضع حتى العام الأخير من الجامعة حين درست كورس “رسم توضيحي رقمي”، ساهم بتغيير أفكاري وتوجهاتي الفنية والتصميمية، وساعدني كثيراً في اكتشاف عالم الرسوم التوضيحية أو Illustrations الذي أركز عليه حالياً في عملي التصميمي والفني.

كيف انتقلت من الدراسة والدروس النظرية إلى المجال التصميمي والفني المهني وأطلقت 366 days in Beirut؟
لم يكن لديّ الكثير من الخطط بعد التخرج فحصلت على وظيفة مؤقتة أكسبتني بعض الخبرة في التصميم، ثم بدأت بالعمل الحر وصرت أركز على الرسوم التوضيحية، وكان الأمر في البداية صعباً جداً لأني خجولة وغير إجتماعية، وتطلب مني الكثير من الوقت تقريباً 4 سنوات حتى حصلت على زبائن وبدأت ببناء اسمي في هذا العالم الواسع، فصرت معروفة أكثر، وما ساعدني هو انطلاقي في مشروع 366 Days in Beirut، الذي بدأ كتحد بإنجاز سلسلة رسومات تمتد على مدى عام كامل، وكنا وقتها في بداية 2024، وبالفعل بدأت بالرسم وصرت أنشر كل يوم “ستيكر” على صفحتها عبر إنستغرام، فصارت مهاراتي تتطور وتتحسن واتضح أسلوبي بشكل أكبر، وازداد انتشاره وإعجاب الجمهور به وتزايد عددهم. خلال شهر مارس تواصل معي منظمو سوق الفن، وأرادوا مني أن أقدم ستيكرز تلائم فكرته، وقد حظيت فيه بالكثير من ردود الفعل الإيجابية، فاقتنعت بأهمية أن يصير مشروعي تجارياً، فأطلق منتجات وأطورها وأجمع فيها بين موهبتي الفنية ونواح حياتية أخرى مثل الموضة والمجوهرات والصيحات التصميمية المختلفة.
أن تقدمي 366 عملاً فنياً بشكل يومي هو أمر صعب ومليء بالتحدي، كيف وجدت الأفكار وحرصت أن تكون مختلفة ولا تشبه بعضها؟
بالفعل كان الأمر مليئاً بالتحدي ولكني كنت مصرة على الاستمرار، استلهمت من كل شيء حولي، ذاكرتي وذكرياتي، صور ولحظات التقطها من محيطي، كلمات جدتي ولهجتها المحببة مثل الكلمة البيروتية القديمة “قطيعة”، وهنا أشير إلى أني أحب كثيراً الكلمات العربية ولا سيما اللبنانية القديمة، وأريد لها أن تستمر وأن يتعرف عليها الجيل الجديد فلا تندحر أمام غزوة اللغات الأجنبية، كما أحب إبراز كل ما يثير الحنين ويذكرنا بالطفولة، كعلبة العصير التقليدية “بونجوس”، الشبابيك والأبواب والمأكولات والشوارع، حتى أني في مرة واجهت صعوبة في إيجاد فكرة، ففتحت البراد ورأيت زجاجة مياه ورسمتها، لأني أحببت شكلها الغريب.. أعتقد أن أفكاري كانت صادقة جداً وحقيقية وقريبة من عالمي وحياتي تحديداً في المدينة الذي أحبها كثيراً: بيروت.
زرتِ مصر وقدمت ما يشبه 366 Days in Beirut إنما عن القاهرة وجوّها، هل يمكن أن تحوّلي مشروعك إلى سلسلة فنية تغطي مدن عربية أخرى؟
أحببت القاهرة كثيراً فهي مدينة ملهمة بشكل كبير، وفيها تفاصيل جميلة تستحق أن توثّق ضمن أعمال فنية مختلفة، وبالتأكيد أحب السفر إلى مدن عربية ونقل جزء من روحها وتاريخها وثقافتها من خلال فني، كما أني عاشقة بشكل كبير للغتنا وحروفنا وخطنا، وأحاول إبراز جماليتها من خلال اختيار كلمات معينة أضعها على الستيكرز، وأعتقد أنّ جزءاً من دورنا كفنانين ومصممين هو إبراز جمال ثقافتنا وخصوصيتنا، ولا سيما بين الجيل الجديد الذي أنتمي إليه.

كيف ترصدين تلقي الجيل الجديد لهذا النوع من الفن الذي لم يعد نخبوياً بل بات قريباً من الحياة اليومية؟
أعتقد أنّ جمهور الستيكرز هم Gen z، الذين يبحثون عن التجدد والرسالة السريعة والمفهومة والتي تحمل أبعاداً عميقة، لذا أرى أن الإقبال عليها كبير منهم، لأنهم يرون فناناً عربياً يفهمهم ويتحدث لغتهم يقدمها، بينما اعتدنا عليها أكثر من مصممين وفنانين غربيين، بالتالي كانت بعيدة عن فكارنا ويومياتنا ونمط حياتنا.
من يساعدك في الحيّز التجاري الذي يتعلق بعملك؟
علامتي جديدة لم تبلغ العامين بعد، لذا اعتمد على نفسي كلياً لأتعلم وأحلّ مشاكلي، فأتعامل مع شركات التوصيل ومن يمدوني بالمواد الإستهلاكية، كما أحافظ في الوقت نفسي على عملي الحر الذي يخولني دعم مشروعي والاستمرار به، دون التنازل عن الفكر الجديد والنوعية العالية من المواد والمنتجات.
هل ستركزين فقط خلال هذا العام على الستيكرز أم هناك مجالات فنية وتصميمية جديدة ترغبين باكتشافها؟
أنا إنسانة تحب الاكتشاف والتجربة والتنويع، أحب العمل بالورق والمجوهرات وحتى الأزياء، وأعشق الفن لأنه يخولني التعبير عن كل أفكاري ويسمح لي بالتجربة على الدوام، لذا سأخوض بالتأكيد المزيد من المجالات، وأؤمن أن موهبتي ستتبلور بأفضل شكل وصورة مع مرو الوقت.
ما هي المنتجات التي يمكن الحصول عليها من علامتك؟
لديّ الستيكرز وتحديداً 250 منها معروض للبيع، وما زلت مستمرة برسم المزيد، كما أعرض Pins يمكن وضعها على الملابس وفي الصيف أطلق رسموTattoo وتلقى رواجاً كبيراً، ولديّ بوسترز، وقريباً أرغب بدخول مجال المجوهرات والأزياء، إنما أنتظر الوقت المناسب وحتى تكتمل كل العناصر الأساسية لكي يكون العمل متقناً وبأفضل جودة ونوعية. أخطط مستقبلاً لإطلاق مجموعات بحسب المناسبات مثل يوم الحب وشهر رمضان والعيد، ولكني أتأنى حتى تكون الخطوة متكاملة.

تتعاونين مع مجلة هيا في عدد فبراير الذي يحتفي بشهر رمضان، فما الذي يعنيه لك هذا الوقت من العام، وكيف تخططين لعكس جوهره ومعنى اعتماد نمط حياة صحي ومتوازن خلاله؟
أحب كثيراً أجواء هذا الشهر والروتين الخاص به، كما أعشق الليل والسهر وهو ما يتناسب تماماً مع أجواءه ولياليه المباركة ولا سيما ليلة القدر.. أعتقد أني سأنقل جوّه الحميم الذي يعم في المنازل، مع العادات والجلسات والإنارة الدافئة، والأطعمة الشهية وأنا بالمناسبة أحب رسم الطعام وأبرع به، ستكون فكرتي لبنانية تتمحور حول ثقافتنا من الزينة والترتيب والمأكولات.
كيف تهتمين بصحتك ونشاطك وطاقتك خلال هذا الشهر الفضيل؟
أتجنب في شهر رمضان كل ما ليس ضروري أو عاجل، فترتاح نفسيتي وأشعر أني خفيفة ومتوازنة وهادئة، كما أن العبادات تخلصني من التوتر والضغوطات، وفكرة أني سألتقي بالأهل والأقارب مساء تسعدني وتحمسني، مع مراعاتي لبعض الخيارات الصحية لكي أظل منتبهة إلى صحتي النفسية والجسدية.
اقرئي المزيد: فاطمة فرح: أهتم في أعمالي الفنية بإظهار المرأة كما هي قوية وهشّة في آن واحد
















