مقابلات

هند عبدالله: كتابة المسلسلات ساعدتني في تخطي علاقاتي السامة وخولتني نقل مشاكل وقضايا نساء ورجال مجتمعي بصدق

نتعرف على 7 نساء عربيات عرفن معنى التفوق وبرزن في صدارة مجالاتهن، فكيف وصلن إلى ما هنّ عليه اليوم من نجاح؟ وما هي التحديات التي واجهتهن، وكيف تخطينها ووصلن إلى درجة عالية من معرفة الذات ومكامن قدراتها التي لا تنحصر.

تبرع الكاتبة المصرية هند عبدالله في صياغة كلمات تحاكي المشاعر وتعكس الواقع بمرارته أحياناً وحلاوته في أوقات أخرى، كلماتها في كتابة السيناريو تعكس الحياة على حقيقتها، من دون تجميل أو مبالغة وقد عرفها الجمهور العربي بشكل كبير وتأثر بقصتها حين ظهر مسلسل “هند” ضمن سلسلة “ما تراه ليس كما يبدو” الذي تم عرضه العام الفائت، والتي قامت ببطولته النجمة الشابة ليلى زاهر، فقد قدمت تجربتها الحياتية الخاصة، حين تخطت علاقة سامة ومؤذية في حياتها. هي اليوم من أنجح كاتبات السياريو العربيات، فتعرفي أكثر عليها واكتشفي كيف بنت لنفسها إسماً قوياً في هذا المجال الحيوي خلال فترة قصيرة.

كيف كانت أجواء كتابة “هند”، إلى أي مدى آلمك أم حررك أن تكتبي تجربتك وبعد ذلك تشاهديها في عمل تلفزيوني؟

حين بدأت الكتابة عشت أجواء تأليف أي مسلسل منفصل عني، ولكني تفاجأت ومع تطوّر الكتابة بمدى الألم الذي أضمّنه للحلقات، إلا أنّه الوجع المفيد الذي يحرّر ويجعلني أضع نقطة الختام على قصتي المنتهية، صحيح أني عشت مواقف صعبة جداً ولكني حين أخرجتها من داخلي بشكل لاواعي على الورق، تخلصت من أيّ أثر مؤذ سببته لي وتركته في داخلي.

كيف تمكنت من التعافي وتخطي صعوبة التواجد في علاقة مع شخصية مؤذية؟ ألم تخشي من ردة فعل المجتمع حين أعلنت أنك صاحبة القصة الحقيقية؟ ولماذا قررت أن تعلني ذلك في وقت كان بإمكانك ببساطة القول إن الفكرة وليدة خيالك وليست قصتك؟

التخطي يختلف من شخص لآخر، فمدى ما نشعر به وما نعيشه لن يفهمه أحد سوانا، قد يظن من حولنا أنه من السهل أن نخرج من علاقة سامة، ولكن حين نكون داخل القصة يكون الأمر أصعب وأكثر تعقيداً. تغيّرت كثيراً قبل أن أباشر بالكتابة عن تجربتي، وتمكنت بالفعل من أن أنقلها من دون أن أتأثر وأعود للماضي، رأيت التفاصيل كاملة وما ساعدني أن حبال العلاقة انقطعت تماماً، وهو أمر ضروري جداً لأي شخص راغب بقطع علاقة قديمة، وكأنه يخرج من حياة ليخلق إنساناً جديداً تماماً، الأمر يشبه فكرة الموت، مع كل الحزن والوجع والحداد، وإن لم يكن كذلك فيمكن أن نرجع ونعود إلى دوائر الأذى. 

كانت فكرة إعلاني أنها قصتي نابعة عن قناعة تامة، لكي يتعاطف الجمهور مع وجعي ويفهم بصورة أعمق وأكثر خطورة العلاقات المؤذية، هذا الأمر أزعج أهلي وضايقهم نظرأ لأني ابنة مجتمع تقليدي ومحافظ،ولكني كنت مصّرة أن أوضح أن التخطي أمر ممكن، وأني اليوم وبعد النجاة أحقق حلمي وأنجح في مجال صعب وشائك، بالتالي هناك أمل كبير ولا يجب الاستسلام أمام أي تجربة. 

اليوم حين أقابل أشخاصاً من المجتمع ويخبرونني أنهم عاشوا تجارب مشابهة، وتمكنوا من التخطي بفضل المسلسل لأنه أعطاهم الدافع والأمل، أتأكد أني كنت محقة وأن الهدف الذي أردته تحقيقه قد تمّ. كما أنصح أي أحد يرغب بالتخلص من ألم داخلي أن يكتبه على ورق فهذا الأمر يساعد في التخلص بشكل جزئي مما يزعجه.

إلى أي مدى كانت الكتابة وبث الورق بمشاعرك وأفكارك، وسيلتك لفهم أعمق لذاتك وللتمكن من التخطي؟

كنت محبة للقراءة والكتابة طيلة حياتي، ولكن حين كنت داخل العلاقة كنت بعيدة تماماً عن الكتابة، لأن ظروفي الصعبة قتلت داخلي الرغبة بالقيام بكل ما اعتدت أن أحبّه. بعد أن انتهت عدت لأسأل نفسي عمّا يسعدني، صحيح أني مهندسة اعشق هذا المجال أيضاً، ولكن من صغري كنت أتخيل نفسي صحافية أو مؤلفة كتب، فأنا أستمتع بالاستماع للناس ومعرفة قصصهم والتعاطف معهم ونقل تجاربهم على الورق، أبحث في المبررات وأبعاد الشخصيات، لدرجة أني عرفت كيف أخلق لطليقي مبررات وذلك لكي أكتب شخصيته بتجرد، وقد أطلق المسلسل كل طاقاتي الكامنة وغيّر مسار حياتي اللاحقة.

ما الذي تذكرينه عن تجاربك الكتابية الأولى؟

أحب تجاربي الأولى لأنها علمتني الكثير، فقد تحولت إلى “كاتبة ظل” دون أن أعرف، تمّ استغلالي من مؤلفين كبار ولم أكن أملك الخبرة والمعرفة اللازمة للتعامل معهم، وهذا أمر مدمر ومؤذي لأي كاتب، لم أكن أسأل عن حقوقي المادية والمعنوية، ولكني اليوم بتّ قادرة على الدفاع عن أفكاري وكلماتي. 

أكثر ما أذكره عن بداياتي هي ورشة تدريب كتابة مع الدكتور الكاتب مدحت العدل، كان طلاقي حديثاً جداً وقدمت لأتحدى نفسي، ودامت 3 شهور، لم يعرف اسمي خلالها لأني كنت صامتة ومنعزلة بسبب ظروفي النفسية، وفي آخر الورشة، كتبت فيلم عن قصة لنجيب محفوظ، وقدمتها له وحين جاء ليسلمنا النتائج، دخل الدكتور مدحت سائلاً عن اسمي، فجاء وسلّم عليّ وأخبرني أني سأصبح مؤلفة عظيمة وسأصبح أهم كاتبة في مصر. بعدها خضت مجال كتابة الورش أي الكتابة الجماعية، وكانت مفيدة لتعطيني الخبرة اللازمة لأنطلق وحدي، ثم قدمت مسلسل “حلوة الدنيا سكر”، وبالنسبة لمسلسل “هند”، شجعني المنتج كريم أبو ذكري للبدء بكتابة قصتي الخاصة، وقد كنت غير راغبة أبداً بذلك لدرجة أني طلبت منه أن يجد كاتباً آخر لأخبره التفاصيل، ولكنه ظلّ يلحّ عليّ حتى بدأت.. كانت الحلقات الأولى صعبة جداً وكنت أحسّ أني غير قادرة على التنفس وهو جزء من عملية التخطي الصعبة، إذ أخبرتني صديقة مختصة بعلم النفس أن ما أمرّ به طبيعي، فاستمريت ومرّ وقت طويل حتى انتهيت، وسلّمت الورق وحقق المسلسل النجاح الكبير.

ما هي طقوسك لدى الكتابة؟

طقوسي غريبة جداً وغير معتادة، أكتب وأنا محاطة بأصوات وازدحام، فهذه الأصوات تسمح لي بأن أنفصل وأشغل ذهني ولا أسرح، وأحب الكتابة على كنبتي الخاصة في المنزل، لكني أكتب في أيّ مكان: في الطيارة أو السيارة، أنفصل عن كل ما حولي وتتحول الشخصيات التي أخلقها إلى أصدقائي وأولادي وأهلي. 

كيف تختارين مواضيع كتاباتك ومن هم الكتاب المصريين والأجانب الذين تأثرت بهم؟

أختار كل ما هو حقيقي بعيداً عن الخيال والمبالغة، آخذ الإلهام من الناس التي أقابلها في حياتي، فأنظر إلى داخل الإنسان لأفهم دوافعه، وأعرف سبب تصرفاته حتى لو تسببت بالأذى للآخرين، وأظن أن ما يبحث عنه المشاهد هو هذا الصدق في الطرح، ليرى في الشخصيات ما يشبهه ويؤثر فيه ويتماهى معه. أعتقد أنّ الجمهور المصري ملّ من تكرار الأفكار ويحتاج إلى التجديد، ورؤية ما يعكس حياته الطبيعية وتحديداً ما يحصل مع الطبقة الوسطى، وهي الأكبر في معظم البلاد، من دون البلطجة والممنوعات وأجواء الحي الشعبي القديم الذي لا يشبه أبداً حقيقة الأحياء القديمة أو التقليدية، 

أن تكوني كاتبة عمل درامي لهو أمر جديد عربياً ومصرياً، هل وجدت صعوبات في التواجد ورفض موهبتك؟

بالتأكيد واجهت الصعوبات فأنا كنت بعيدة جداً عن هذا المجال، وأهلي كانوا يرفضون ان تدخل ابنتهم في عالم الأضواء والدراما المرافقة له، إلا أني قابلت أناساً اقتنعوا بموهبتي ودعموني بحيث صارت الأعمال تأتيني من دون سعي، فقدمت فيلم “هارلي” ومسلسل “بيت الرفاعي” وغيرها من الأعمال.

كيف تسعين في كتاباتك لعكس مشاعر المرأة ومشاكلها وصراعاتها وحتى نجاحاتها بشكل صحيح كونك امرأة؟

أكتب بغض النظر عن النوع الاجتماعي، فهناك أيضاً رجال مظلومين ومهمشين، في النهاية تتشابه المشاعر والمشاكل في مجتمعاتنا، لذا أتعامل مع شارعنا العربي والمصري خاصة وأنقله بكل تجرد وشفافية.

أنت طبيعية بدرجة كبيرة، بعيدة عن التجميل او المبالغة في الماكياج، تقدمين صورة شفافة وصادقة عن فئة كبيرة من بنات هذا الجيل، كيف حافظت على حقيقتك في وسط هذا العالم المليء بالمغريات والضغوطات التي تؤطر المرأة وتطالبها بصفات جسدية وشكلية معينة لتكون مرغوبة او مؤثرة؟

فكرة أن يتم وضعنا في أطر محددة تتطلب منا أن نكون كاملات هو أمر غير مجدى أو قابل للتحقق، لذا فأنا لا أضع نفسي تحت هذا الضغط النفسي أبداً، فداخلي أهم من الشكل الخارجي الذي يلزمني مجتمعي أن أراعي معايير محددة فيه، ما يهمني هو راحتي وسعادتي ونفسيتي، فحين أكون متوازنة وسعيدة نفسياً، سينعكس ذلك على شكلي وسأهتم من دون ضغوط بمظهري بما يرضيني أنا وليس أي شخص آخر. وأنصح كل الشابات أن يفهمن ذاتهن ويتعرفن على شخصياتهن، ويتحررن من كلّ ما يعيق تقدمهن.

نعيش في مجتمع يشد المرأة في عدة اتجاهات، ويضغط عليها لتكون ناجحة مهنياً أو عاطفياً فتؤسس عائلة سريعاً قبل أن يفوت الوقت، وحتى كاملة شكلياً، هل تحررت من هذه القيود وكيف تسعين لذلك؟

بالفعل تتعرض المرأة لهذه الضغوط، ولا سيما إذا كانت تنتمي إلى عائلة تقليدية، فهم يخافون عليها ويرغبون لها بالأفضل من وجهة نظرهم، وفي صغري كنت شديدة التأثر بآرائهم، ولكنهم اليوم اقتنعوا بأنه من غير الضروري أن أشبه كل بنات جيلي بأفكاري، وبأن سعادتي يمكن أن تتحقق ربما من دون الشريك المثالي أوإنجاب الأطفال. اليوم بات المجتمع قادراً على تقبل فكرة عيش المرأة بمفردها مع المحافظة على قيمها وأخلاقها وسمعتها، وقد تقصدت أن أثبت هذا الأمر لكلّ محيطي، كان الأمر أكبر تحد بالنسبة لي ولكني ربحته وحافظت على طيبة قلبي وأصولي ومبادئي.

هل يوجد لديك مصدر للإلهام أو القوة، شخص تعودين اليه في لحظات الضعف ويضعك مجددا على الطريق الصحيح؟

رب العالمين هو ما يعيدني إلى المسار الأنسب لي، يضع لي الأشخاص الأفضل والأصدقاء الداعمين، كما أن لخالتي وأولادها أيضاً الفضل في نجاحي واستقراري النفسي والمهني، أشعر أنّ ربي معي على الدوام وهو يرسي لي التجارب والناس ليعلموني الدروس فلا يحكموا عليّ بل يساعدوني لاكتشاف أفضل نسخة عن ذاتي.

ما هو برأيك ما يقوي المرأة ويمكنّها ويخولها أن تتخطى أي عقبات أو علاقات سامة في حياتها؟

كل شابة لديها طريقتها ولكن بشكل عام فإن المرأة معروفة بصبرها وخاصة العربية، فتتأمل أن يتغير الأشخاص ويتسحنوا وحين تدرك داخلياً أنه لا مجال للاستمرار ستبتعد وستواجه القسوة والصعوبة والألم والبكاء لفترات تختلف بحسب اختلاف شخصياتها، إلا أن قرار إنهاء الأذى سيأتي عاجلاً أم آجلاً. بالنسبة لي كان النجاح هو ما ساعدني على التخطي بشكل أسرع، لا أعني النجاح المهني فقط، بل أن أكون سعيدة ومستقرة نفسياً ومتقبلة للتغيّر والتطور، وأعتقد أنه كلما خففنا وقت الأذى، سنستفيد وسنكتشف ما يسعدنا ويطورنا فعلاً.

ما هي مشاريعك المقبلة في مجال تأليف السيناريو؟

لديّ مسلسل باللهجة الكويتية مع المخرجة نهلة الفهد بعنوان “ليل ديسمبر” وهو رومانسي اجتماعي، سيعرض قريباً وأنا متشوقة لمعرفة آراء الجمهور الخليجي والعربي حوله، وأطمح بالتعامل مع مخرجين أكفاء وأقوياء من مصر والوطن العربي، فالمخرج له دور كبير في إخراج فكرة العمل بشكل قوي ومقنع إلى النور، أحب التعاون مع سدير مسعود ومروان بركات وكريم العدل، وكل المخرجين الذين يعملون بقوة على أرض الواقع، لديهم النضج والوعي الكافي لتقديم فكر جديد وتصالح مع المشاعر لتصل إلى الناس بصدق وقوة.

اقرئي المزيد: هجان عبدالله: تعلمت في عام من بناء علامتي التجارية أكثر مما اكتسبته في سنوات الدراسة والأعمال

المجلات الرقمية

قد يهمك أيضاً

اشترك في صحيفتنا الإخبارية