نيكول الحجل... من قلب المأساة تولد امرأة أكثر قوّة وهذه رسالتي لكل من عانت وتعاني

لطالما شاهدنا مقدّمة الأخبار نيكول حجل على شاشة التلفزيون فلفتنا جمالها ونعومتها وعينيها الواسعتين وصوتها القويّ والجميل وهي تسرد أخبار المساء بكل موضوعيّة وإتقان على الشاشة. لم نعرف شيئاً عن حياتها الشخصيّة فهي فضّلت أن تبقيها بعيدة عن الأنظار، ولكن وقبل نحو شهر قرّرت نيكول أن تطل عبر وسائل التواصل لتشارك ألماً كبيراً مرّت به.. لتكشف عن تجربة قاسية جداً ومأساة حقيقيّة ألمّت بها وبزوجها ولتنقل رسالة إلى كلّ امرأة عانت من ألم مشابه.

فقدت نيكول طفليها وعانت إهمال طبيب وضع حياتها في خطر قبل الولادة التي كانت صعبة للغاية وأثناءها.لتستيقظ وتعرف أنّ ابنها وابنتها اللذان أنجبتهما قبل ساعات في خطر، وسرعان ما فارقا الحياة من دون أن يعرفا أمّهما أو تتعرّف هي بدورها إليهما..

هذه الشابّة القويّة عاشت ألماً رهيباً خلال العام الفائت.. ألم يفوق ما نختبره حين نفقد عملنا مثلاً أو نتعرض للخيانة من صديقة أو نفشل في مشروع... فما اعتبرناه نحن نهاية العالم في السنة الفائتة من مشاكل يوميّة عابرة, عاشت نيكول أضعافه بعد أن خسرت حلم الأمومة بلحظات. لكنّها لم تقبل أبداً أن تضعف بل قرّرت أن تحوّل قصّتها إلى نقطة بداية لأمل جديد بمستقبل أفضل، وكلّها ثقة أن الله يخبئ لها أيّاماً أجمل تنسيها ما مرّت به.

حدثتنا نيكول عن تجربتها ورسالتها للنساء اللواتي عشن لحظات حياتيّة صعبة ومشابهة وأطلعتنا على كيفية تخطّيها الصدمة ولحظات الضعف والحزن والخيبة.

لا يعرف الألم إلّا صاحبه لكنّك قرّرت مشاركة حزنك عبر السوشيل ميديا فلماذا اتّخذت هذا القرار؟

في الواقع أردت أن أخدم غيري من النساء من خلال مشاركة تجربتي والتّحدث عن وجعي لكي لا يمضي ما مررت به من دون رسالة. وأردت أيضاً نشر الوعي حول موضوع الأخطاء الطبّيّة، فنحن النساء نتألّم في العادة بصمت ونتحمّل أوجاعنا من دون مشاركة مشاعرنا مع غيرنا وهذا أمر لا يجوز لصحتنا النفسيّة والجسديّة. من هنا، اخترت مشاركتها مع العلن لكي أقول للمرأة التي تخسر ابنها، سواء وهو جنين أو بعد ولادته مباشرةً، كما جرى معي، أنّها ليست بمفردها وأنّه يحقّ لها أن تحزن وتتحدّث عن وضعها النفسي لتتغلّب على مصابها وتتعافى وتخّفف من ألمها.

ما كتبته كان شديد الصدق والتأثير فهل فكرت كثيراً بكلماتك أم جاءت عفوية وكتبتها مباشرة بعد ما جرى معك؟

يوم الجمعة 6 نوفمبر كان يوم ولادتي.. في اليوم الذي يليه أيّ السبت توفيّ ابني وبعدها بيوم أيّ الأحد توفيت ابنتي.. بدأت الكتابة نهار الاثنين وبعدها بيومين أيّ الأربعاء أنهيت النصّ. مرّ 40 يوماً من لحظة كتابة النص ولغاية يوم نشره. وكنت كلّ يوم أغيّر كلمة أو فكرة وأعيد القراءة لأتأكّد أنّ كل ما أريد إيصاله وصل بشكل قويّ وصادق... خفت قليلاً قبل النشر وكنت أخشى ردّات الفعل لكنّني تشجّعت وقمت بهذه الخطوة في النهاية.

هل توقّعت هذا التضامن الكبير مع مصابك عبر وسائل التواصل؟

أبداً لم أتوقّع كلّ التضامن والحبّ الذي تلقّيته. كان أمراً جميلاً جداً أن أرى هذا التعاطف مع وجعي وشعرت للحظة أنّني أريد أن أعانق كلّ شخص كتب لي كلمة جميلة وعبّر لي عن حبه وألمه من أجلي... لحظة شاركت البوست أحسست أنّ حملاً كبيراً زال عن صدري. كلّ أم تمرّ بهذه الصعوبات يجب أن تتحدّث عنها، فأنا أجزم أنّ 50% من وجعي زال بعدما شاركت تجربتي وأحسست أنّ آلاف الأشخاص ولاسيّما والنساء والأمّهات يشعرنَ معي ويدعمنَني ويطلبنَ منّي أن أظلّ قويّة ومتماسكة.

ما هي أكثر الردود التي أثرّت فيك وتفاعلت معها وأجبت على أصحابها؟

في الحقيقة ما ساعدني، أكثر من الردود، هو أنّني تعرّفت على الكثير من التجارب التي لا تقلّ صعوبة عن تجربتي. فللحظة ظننت أنّني الوحيدة التي تمرّ بهذا الألم واكتشفت العكس، فثمّة عشرات النساء اللواتي مررنَ بتجارب صعبة لكنّهن يخشين الحديث عنها علناً بسبب الخجل والخوف من نظرة المجتمع. لكنّني اكتشفت من خلال مشاركتي لتجربتي أنّني لست بمفردي وهذا الدعم الكبير ساعدني ويساعدني حتّى اليوم لأحافظ على تماسكي وقوّتي. ما مررت به صعب جداً ويختلف عن فقدان الجنين في أوّل شهور الحمل مثلاً فأنا حملت بتوأم وأنجبتهما وحرمت منهما أحياءً بعدما خرجوا من داخلي. لقد كانت أيّاماً قاسية لا أتمنّاها لأحد، لكنّني اليوم مؤمنة بأنّها كانت إرادة الله وبأنّه بالتأكيد يخبّئ لي أيّاماً جميلة في المستقبل.

هل ساعدك هذا التضامن والتعاطف الكبير مع مصابك على رفع حالتك المعنوية وتحسين نفسيّتك؟

ساعدني كثيراً جدّاً وأحسست في بعض الأوقات أنّ الله أعطاني هذه القوّة لأشارك مصابي وتستفيد نساء كثيرات من تجربتي ويجدن القوّة والدعم فيّ ومنّي.. ما ساعدني أيضاً وأحبّ أن ألفت إلى أهمّيته هو أنّني لم أُترك من محيطي وأهلي وأصدقائي وحتّى من يتابعني على السوشيل ميديا بعد أن تحدثت عن الموضوع ولو ليوم واحد.. هذا الدعم المجتمعي مهمّ جدّاً ويساعد في التغلّب على الألم كما أنّني لم أترك نفسي للأفكار السلبيّة فكنت أتلهّى على الدوام بالتفكير بشيء ما أو بالعمل أو بالتحدّث مع زميلة أو صديقة. هنا أود أن أشير إلى الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه الأخت فشقيقتي التي وصلت إلى بيروت بعد الحادثة بيوم لم تتركني لحظة وهي التي كانت تداوي جروحي الجسدية والنفسية بكل محبة. أعرف أنّني لن أنسى ولكّنني أعيش أيّامي بتفاؤل محاولة التغلّب على المأساة التي مررت بها وعدم التفكير بها بل النظر بأمل إلى المستقبل واليقين بأن أيّامه ستحمل لي ما هو جميل وما سيعوضني عن الخسائر التي عرفتها في العام الفائت.

ما هي أصعب المشاعر التي مررت بها وكيف تخطّيت الصدمة والحزن والغضب؟

مررت بكلّ أنواع المشاعر إنّما لم أسمح لها أن تسيطر عليّ وهي في الحقيقة جدّ صعبة، فقد كنت أعيش بسعادة قبل هذه التجربة التي كانت صفعة قاسية جداً. أمّا اليوم، فتقبلت الواقع ولم أعد أطرح على نفسي الأسئلة التي لا يوجد إجابات لها. لم أعد إلى قول كلمة «لو» فهي لا تفيد ولن تعيد الوقت أو تغيّر ما حصل بل ستجعلني أقف مكاني وأراوح أحزاني. وهنا أعود وأشدّد على أهميّة الدعم الذي تلقّيته من محيطي فهذا ساعدني كثيراً في إخراج كلّ المشاعر الأليمة التي عشتها وعلى التكيّف والتقبّل بشكل أسرع. أنا أيضاً كنت أوّل الداعمين والمشجّعين لنفسي فقد كنت أقول: أنا هنا اليوم ولن أتذكّر الماضي بل سأكمل وسأنظر إلى الأمام لأنّ التفكير لن يغيّر ما حصل.

هل استشرت طبيباً نفسيّاً وكيف تشجّعين المرأة التي مرت بتجربة مشابهة ألّا تخشى حكم المجتمع وتزور الطبيب النفسي إذا احتاجت إليه؟

لست جاهزة في الوقت الحاضر لهذه الخطوة ولكن في أيّ مرحلة مقبلة وحين أشعر أنّني بحاجة إلى هذا الدعم، فسأذهب مباشرة لطلب المساعدة وأشجّع كلّ امرأة تمر بأي مشكلة أن تطلب الدعم النفسي المختصّ لا سيّما أنّ كثيرات يعتبرنه عيباً أو أمراً محرّماً. أمّا اليوم، فأنا قويّة بنفسي وأتمنّى أن أظلّ هكذا وأداوي مشاعري ببطء إنّما بثبات لأصل إلى برّ الأمان.

ما هي أصعب اللحظات التي عشتها؟

بعيداً عن الآلام الجسدية التي سبقت الولادة وتلتها، ثمّة حسرة كبيرة في قلبي لا يمكن أن أنساها، وألوم نفسي أحياناً بسبب هذا الموقف. فحين كنت في الشهر الخامس من حملي، شعرت أنّ أمراً خاطئاً يدور مع طبيبي إذ شعرت أنّه يخفي معلومات عنّي، وإحساسي هذا كان صحيحاً للأسف... وبعد أن نصحتني صديقتي وشجعتني لزيارة طبيب ثانٍ، أخذت موعداً. إنّما قبل أن أذهب بساعة واحدة، ألغيته ولا أعرف ما الذي دفعني إلى ذلك. وأقول اليوم «لو» أنّني ذهبت لكان طفلاي الجميلان على قيد الحياة، لكنّ قراري أوصلي إلى ما حدث. هذه الـ «لو» قتلتني وكسرتني من الداخل ولكنّها الحياة وعليّ أن أكفّ عن قولها وأتقّبل ما جرى وأكفّ عن جلد نفسي وأستمرّ في المحافظة على قوّتي. في سياق آخر، أودّ أن ألفت إلى أنّني حين أتكلّم عن طبيب مهمل ليس على قدر المسؤولية تابع حالتي، فأنا بالتأكيد لا أعمّم بل يوجد في لبنان أهمّ الطواقم الطبّيّة الذي يعتبرون خطّ الدفاع الأوّل اليوم في وجه فيروس كورونا. وأنا أوجّه لهم ألف تحية على عملهم الدؤوب.

حدّثينا عن دور زوجك ومحيطك في التخفيف عنك؟

زوجي هو الجنديّ المجهول في القصّة، إذ تعذّب كثيراً بين هول المصيبة عليه من جهة، وبين المحافظة على قوّته وتماسكه من أجلي من جهة أخرى. وهنا أوجّه تحيّة لكلّ رجل خسر طفله وحاول أن يحافظ على ثباته من أجل زوجته. ففي النهاية هما الإثنان معاً سيشكّلان العائلة في المستقبل وتضامنهما في المحن أساسيّ ليتغلّبا عليها ويحافظا على استقرار زواجهما.

عدت الى عملك فكيف ساعدك هذا الأمر للتخلص من المشاعر القاسية والحزينة؟

عملي هو شغفي، وقد ساعدني رجوعي لأنسى وأعطاني الإحساس بالسعادة وبالإنجاز.

ما هي نصيحتك للنساء اللواتي مررن بتجربة مشابهة؟

أقول لكلّ امرأة أو أم بالتحديد أن تثق بإحساسها وشعورها وهنا أعود لأذكر ما شعرت به في الشهر الخامس. فإذا كان لديها شكوك، حتّى لو كانت بسيطة، بما يقوله طبيبها فلتذهب لرؤية طبيب ثان وثالت لإنقاذ حياتها وحياة أولادها وزوجها وأسرتها خصوصاً إذا كان حملها صعباً، فمن واجبها ألّا تثق برأي واحد بل تستشير أكثر من مختصّ لتريح نفسها وتطمئنّ. وأقول لكلّ سيدة مرّت بتجربة صعبة ألّا تفقد الأمل أبداً، فالحياة صحيح قاسية إنّما تخبّئ لكلّ واحدة منّا أيّاماً أجمل. الإنسان يعيش سعيداً في هذه الدنيا فيمشي براحة واطمئنان في طريقه، لكنّه فجأة يتعثّر ويقع ويكون وقوعه موجعاً. إنّما عليه أن ينهض وينفض عنه الغبار والوجع ويواصل دربه لأنّ الخيار الثاني يكمن في القبوع في الحزن والألم والبكاء وهو ليس خياراً مطروحاً.. علينا النهوض والاستمرار والثقة بالله وبأنّ ما ينتظرنا سيكون أجمل ممّا سبق.

كيف تختلف نيكول اليوم عن نيكول الأمس؟

أنا أقوى بكثير من كلّ النواحي وقد اكتشفت أموراً كثيرة لم أكن أعرفها في نفسي وهي بمجملها إيجابيّة. وهنا أتذكّر ما كتبه لي الإعلامي ريكاردو كرم على تويتر وقد أثّرت فيّ عبارته كثيراً لأنّها ضربت على وتر ما عشته. قال: أنا لا أعرف نيكول شخصيّاً ولكنّني تابعتها في محنتها وفي انتصارها على الوجع واليوم رأيتها تقدّم نشرة الأخبار على LBC وتأكّدت أنّه في داخل كلّ امرأة شرارة ثانوية كامنة تشتعل وتشعّ في وقت الشدائد. وفعلاً لم أكن أعرف مدى القوّة التي يعطينا إيّاها الله في وقت الشدائد وهذه القوّة هي ما يحفزني على الاستمرار.